خرج مؤتمر باريس لحل الدولتين، الذي استضافه معهد العالم العربي في العاصمة الفرنسية، اليوم الجمعة، بنسخة ثانية من" نداء باريس" تشمل توصيات من أعضاء المجتمع المدني الفلسطينيين والإسرائيليين الذين شاركوا في المؤتمر ستتولى فرنسا نقلها إلى قادة مجموعة السبع خلال قمتهم المقرر عقدها في إيفيان الفرنسية بين 15 و17 من يونيو/ حزيران الجاري، في محاولة لإبقاء الملف على جدول دولي مزدحم بالحروب والأزمات.
ولم تتمثل الخلاصة الأبرز في المؤتمر في صياغاته الدبلوماسية، ربما، بل في إعلاء عدد من الناشطين والوزراء المشاركين صوتهم ليقولوا إن المجتمع المدني لا يمكنه تعويض غياب الفعل السياسي، وإن تمويل مبادرات السلام أو تكرار التمسك بحل الدولتين لا يكفيان ما دامت غزة تتعرض للدمار، والضفة الغربية تواجه الاستيطان وعنف المستوطنين.
في ختام المؤتمر، قرأت الناشطة أميرة مسلّم، من" مهمة الحماية المدنية غير المسلحة في فلسطين"، توصيات" نداء باريس" بالنيابة عن مجمل المشاركين في الفعالية، والذين قالت إنهم" يمثلون المجتمع المدني" و" يعيشون هذا النزاع من الداخل ويكرّسون جهودهم لإنهائه".
واعتبر النداء أن ما جرى التوصل إليه منذ النسخة الأولى من المؤتمر، في يونيو/ حزيران 2025، من" إعلان نيويورك"، واعتراف فرنسا ودول أخرى بدولة فلسطين، وخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لغزة، وقرار مجلس الأمن رقم 2803، ووقف إطلاق النار في غزة، يوفّر" إطاراً من أجل التقدم نحو حل للدولتين" يكون" مبنياً على السلام والصمود والاعتراف المتبادل والكرامة".
لكنها ذكّرت بأن هذه المساعي لم تحُل دون" استمرار المنطقة بالتمزق، فقطاع غزة بات مدمراً، وإسرائيل ما تزال تحت التهديد، والإرهاب يستمر بالتصاعد، والاستيطان يتوسع، وكذلك عمليات ضم الضفة الغربية والتهديدات التي تُوجَّه إلى السلطة الفلسطينية؛ كل هذا يقوّض إمكانية قيام دولة فلسطينية في المستقبل".
وتضمن النداء سلسلة توصيات سياسية تبدأ بتثبيت وقف إطلاق النار في غزة عبر تحويله إلى اتفاق دائم، وحماية المدنيين والعاملين في المجال الطبي والمنظمات الإنسانية والصحافيين والبنى التحتية المدنية.
كما دعا إلى أن تشمل المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار نقاطاً أوسع تشمل إعادة الإعمار والانتقال في الحكم والضمانات الأمنية الإقليمية، إلى جانب مقالة أسماها" آلية ذات مصداقية لتفكيك حماس".
ودعا النداء إلى جمع مجمل الجهود الدولية التي جرى التوصل إليها خلال الأشهر الماضية، مثل إعلان نيويورك وقرار مجلس الأمن وخطة ترامب لغزة و" مجلس السلام"، ضمن آلية موحدة بهدف حل الدولتين، من أجل تجنب التشرذم وتجنب أن يجري التقدم في بعض الملفات دون أخرى.
وبخصوص الضفة الغربية والقدس المحتلة، طالب النداء بوقف فوري للتوسع الاستيطاني وعمليات الضم، وبحماية الفلسطينيين من عنف المستوطنين ومن التهجير القسري وهدم المنازل، وبفرض عقوبات" محددة" و" تكلفة ثقيلة" على المسؤولين والمقاولين والكيانات المسؤولة عن مشاريع الضم التي تتوسع على الأرض، ولا سيما في المناطق التابعة لما يُعرف بمخطط" إي1"، إلى جانب عقوبات ضد المستوطنين المتورطين في أعمال عنف ضد الشعب الفلسطيني.
وفي غزة، دعا" نداء باريس" إلى إعادة بناء القطاع والربط بينه وبين الضفة، وضمان وصول المساعدات الإنسانية من دون عوائق، وتمويل عمل الخدمات الأساسية من مستشفيات وكهرباء ومأوى، وذلك عبر آلية شفافة تمتد" عدة سنوات" وتقودها فلسطين بمشاركة المجتمع المدني.
كما دعا إلى" نزع سلاح حماس والمجموعات المسلحة الأخرى"، وإلى" إعادة دمج" المسلحين الذين كانوا منخرطين فيها، وإلى حماية الفلسطينيين من العنف والتهجير ومن الاعتداءات على حقوقهم الأساسية.
وأخذ ملف" تجديد" الحكم في السلطة الفلسطينية مساحة وجيهة ليس فقط في النداء النهائي للمجتمعين، بل كذلك في حلقات النقاش التي سبقته، إذ دعا العديد من المتحدثين إلى إجراء انتخابات في فلسطين من شأنها تجديد شرعية السلطة.
وفي هذا المسعى، طالب النداء بإصلاحات وانتخابات تُجرى" هذا العام من أجل منع انهيار السلطة الفلسطينية أو تفريغها من مضمونها".
وشدد على ضرورة اتخاذ إجراءات لتحويل عائدات الضرائب التي صادرتها إسرائيل من السلطة الفلسطينية، وإعادة فتح قنوات التواصل المصرفي وتخفيف القيود عليها.
وحذّر البيان الختامي من أن عدم القيام بإصلاحات كهذه سيؤدي إلى" عدم استقرار في الضفة وتعزيز ترسّخ حماس في غزة والتسبب بأزمة أمنية" سيكون على إسرائيل مواجهتها.
وفي كلمته التي ألقاها في ختام المؤتمر، سعى وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، إلى تقديم الفعالية بوصفها حلقة وصل بين المجتمع المدني والقرار السياسي الدولي.
وقال إن" نداء باريس" العام الماضي" لم يبقَ حبراً على ورق"، رابطاً بين مخرجاته وبين إعلان نيويورك واعتراف فرنسا بدولة فلسطين في سبتمبر/ أيلول 2025.
لكن الوزير أقر بأن وقف إطلاق النار في غزة" ناقص ويجري خرقه باستمرار"، وبأن" الوضع لا يزال مأساوياً في القطاع وحتى في إسرائيل"، واصفاً الوضع في الضفة الغربية والقدس المحتلة بـ" غير المقبول".
وقال إن عنف المستوطنين ودعوات الضم والتهجير والاعتداءات والمساس بالوضع القائم في الأماكن المقدسة" يقلل من فرص السلام يوماً بعد آخر".
وقال بارو إن السنة الحالية قد تكون" حاسمة" باعتبار أنها ستشهد انتخابات في إسرائيل وانتخابات مأمولة في فلسطين، مذكراً بضرورة تطبيق الرئيس الفلسطيني محمود عباس التزامه بتنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية قبل نهاية العام.
وأشار إلى أن هذه الانتخابات الفلسطينية لا ينبغي أن تكون هدفاً قائماً بحد ذاته، بل" نقطة انطلاق تتيح للسلطة الفلسطينية أن تتحمل مسؤولياتها كاملة".
وتعهد الوزير الفرنسي بأن تنقل باريس توصيات المجتمع المدني إلى القادة المشاركين في قمة مجموعة السبع، مذكّراً، في نهاية كلمته، بالشعار الذي تخيّلته فرنسا عنواناً لهذا المؤتمر: " شعبان ودولتان ومستقبل واحد".
إلى ذلك، شملت جلسات النقاش التي استضافها المؤتمر مداخلات لنحو 15 وزيراً من بلدان عدة ككندا ولوكسمبورغ وإسبانيا وقطر والبرازيل والمكسيك.
وفي كلمتها، قالت وزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند إن بلادها ستقدم 100 مليون دولار بوصفها مساعدات إنسانية لدعم الشعب الفلسطيني في مجالات الغذاء والماء والمأوى، كما أعلنت إطلاق بلادها مع بريطانيا وأستراليا صندوقاً دولياً جديداً للسلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، قائلة إن مساهمة كندا في هذا الصندوق تناهز مليوني دولار خلال السنوات الثلاث المقبلة، وإن من شأن هذا الصندوق تمويل" مبادرات ملموسة من أجل سلام دائم" بين الطرفين.
كما أشارت إلى أن بلدها سيواصل العمل ضد تطرف المستوطنين في الضفة الغربية، مشيرة إلى إطلاق كندا حزمة خامسة من العقوبات على المستوطنين المتطرفين.
غير أن مداخلات عدة، ولا سيما من ناشطين فلسطينيين، نظرت إلى هذا النوع من التمويل بعين التساؤل، قائلة إنه لا يكفي إذا لم يكن يستند إلى أرضية سياسية.
وفي هذا الإطار، وضمن جلسة عن كيفية العمل على خطابات وسرديات حول السلام يمكنها أن تواجه خطابات الكراهية والعنف وتحل محلها يوماً ما، قالت الناشطة نيفين صندوقة إن تغيير الخطابات لا يكفي ما دامت" الحالة الإنسانية كارثية في غزة"، وما دام عنف المستوطنين في الضفة الغربية قائماً.
وكانت مداخلة الوزيرة الفلسطينية السابقة والناشطة من أجل السلام اليوم، تهاني أبو دقة، من بين الأكثر نقدية تجاه السقف المدني للمؤتمر ومنطق الخطابات السياسية من دون أفعال.
وقالت إن الواقع الذي يعيشه أهل غزة لا يحتاج إلى توصية أو توصيتين، بل ربما إلى مئات التوصيات، مذكرة بأن خطط السلام ووقف إطلاق النار لا يُنفَّذان كما يجب، بل ما يزال الناس في غزة يُقتلون وما يزال الدمار مستمراً، في حين يعيش الناس الذي دُمرت منازلهم في خيام ويفتقرون إلى الغذاء والدواء بسبب منع إسرائيل مرور المساعدات وتوقف معظم برامج الدعم الدولي.
وتوجهت أبو دقة إلى الوزراء والمسؤولين السياسيين الحاضرين بالقول إنها تسمع منهم" توصيات ممتازة وخطابات رائعة"، لكن شيئاً ملموساً من ذلك لا يصل إلى غزة، مضيفة: " لا نحتاج في غزة إلى خطابات.
نحتاج إلى من يأتي لإنقاذ حياة وكرامة سكان غزة".
وغير بعيد عن هذه اللهجة، قال وزير خارجية ونائب رئيس وزراء لوكسمبورغ، كزافييه بيتل، إن" الحديث عن دعم مالي جيد، لكن المشكلة تتمثل في أن إسرائيل لا تسمح للمساعدات بالوصول إلى الفلسطينيين، وهو الموضوع الذي لا بد من مناقشته".
وانتقد عجز الاتحاد الأوروبي في هذا الإطار، وذكر بالاسم دولاً تمنع من الذهاب أبعد في الضغط على إسرائيل، مثل الولايات المتحدة ضمن إطار الأمم المتحدة، وألمانيا والنمسا والمجر في الاتحاد الأوروبي، لأنها" تتعامل مع إسرائيل وكأنها تدين لها بدَين أبدي لا يسمح لها من مواجهة المسؤولين الإسرائيليين"، وفق تعبيره.
وانتقد بشكل ضمني هذه المواقف، قبل أن يقول صراحة إن" انتقاد حكومة إسرائيل اليوم لا يعني أننا معادون للسامية".
وفي الاتجاه نفسه، قال الناشط الفلسطيني علي أبو عواد إن أي نشاط مدني لا ينتج إطاراً سياسياً للحل سيكون" مضيعة للوقت والطاقة والمال، لأن المشكلة الأساسية سياسية وأمنية".
وطالب في هذا السياق برحيل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، كما وجّه انتقادات إلى محمود عباس، مطالباً بحكم فلسطيني يضمن للشعب الفلسطيني الكرامة وأن" نستيقظ أحراراً كل صباح".
وشدد أبو عواد على أن أمن الإسرائيليين لا يجوز أن يتحقق على حساب حرية الفلسطينيين وأمنهم، وعلى أن الفلسطينيين يملكون حقاً مشروعاً في الكفاح ضد الاحتلال، لكنه أضاف أنه لا ينبغي لتبرير العنف باسم هذا النضال المشروع أن يتحول إلى" قبر لقضية فلسطين العادلة" بعد السابع من أكتوبر.
وخاطب الإسرائيليين قائلاً: " إذا قلتم إنكم تحتلون أرضي لحماية أمنكم، بينما يقوم هذا الاحتلال على أيديولوجيا صهيونية، فلن يبقى مكان للسلام".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك