العربي الجديد - أكثر من 53 ألف بناية آيلة إلى السقوط في المغرب العربي الجديد - مهن خاصة للصم في الصين العربي الجديد - أوروبا الحارّة... كلفة التغيّر المناخي على الصحة والزراعة والاقتصاد روسيا اليوم - كندا تنتزع تعادلا تاريخيا أمام البوسنة في افتتاحيتها المونديالية قناه الحدث - وزير الطاقة الأميركي: نحو 7 ملايين برميل من النفط تخرج يوميا من الخليج العربي Independent عربية - تفاؤل أميركي إيراني بشأن الاتفاق وطهران تتهم إسرائيل بالسعي لإفشاله العربية نت - رئيسة المكسيك تشتكي من غلاء الأسعار في كأس العالم فرانس 24 - مونديال 2026: كندا تعادل البوسنة والهرسك 1-1 في أول مباراة على أرضها روسيا اليوم - "تاس": انفجار في منزل وزير أمن الدولة السابق لجمهورية دونيتسك بينشوك (فيديو) العربي الجديد - كايل لارين مهاجم من أصول جامايكية يُهدي كندا نقطتها الأولى تاريخياً
عامة

لا تلم العبقرية… من يقتلك هو شيطانك

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 ساعة

يُقاس عمر الإنسان بما حققه من إنجازات؛ فقد يطول العمر أو يقصر، لكن الإنجازات المتميِّزة هي التي تحدد مصير الإنسان وعمره. وقد يقف الزمن، ثم يقفز، وبعدها يحوم أو حتى يطير عندما يتعلَّق الأمر بشخصية مثير...

يُقاس عمر الإنسان بما حققه من إنجازات؛ فقد يطول العمر أو يقصر، لكن الإنجازات المتميِّزة هي التي تحدد مصير الإنسان وعمره.

وقد يقف الزمن، ثم يقفز، وبعدها يحوم أو حتى يطير عندما يتعلَّق الأمر بشخصية مثيرة للجدل مثل الكاتب الإنجليزي «أوسكار وايلد» Oscar Wilde (1854-1900) الذي كانت عبقريته وعشقه للشهرة سببًا في تدميره عندما انساق وراء أهواء شيطانه، فانتهى به الحال إلى شخص مصابًا بدمار شامل أجهز على حياته الفخمة وأحالها لأخرى بائسة، بينما كان لا يزال في ريعان شبابه.

واللغز الأكبر في شخصية «أوسكار وايلد» هو تحليله الدقيق لحالته التي وصف تفاصيلها منذ لحظة استسلامه لشيطان شهواته، إلى أن زهقت روحه؛ أي أنه استطاع التنبؤ بمستقبله المظلم وهو في أوج شهرته.

وبالرغم من أنه كاتب ساخر، وجميع أعماله تثير الضحك بقدر ما تدغدغ العقل، لكن عند صياغة عمل يكتب فيه عن نفسه دون قصد، ظهر العمل مُرعبًا وكئيبًا.

لكن لا ينفي ذلك كونه عملًا عبقريًا ولا يزال الكتِّاب دائمي النهل من أفكاره المبتكرة.

وهذا العمل هو رواية «لوحة دوريان جراي» The Picture of Gray (1890) التي على غير المعتاد من «أوسكار وايلد»، ظهرت في شكل رواية فلسفية مُرعبة تلفها أجواء قوطية ظلامية، بالرغم من تفضيل «وايلد» وبراعته في الكتابة المسرحية والشعر.

وعلاوة على هذا، أنه وصف ما سيؤول له مصيره فيما بعد، وكأن من يكتب هو شخص آخر قد تجسَّد في هيئته.

وتحكي الرواية عن شاب يدعى «دوريان جراي» يرسم شخصًا لوحة له.

وفي هذه الأثناء، يتعرَّف على أحد اللوردات، ويدخل معه حياة القصور ويشاركه هوس الانغماس في الملذَّات، إلى أن يُصبح مدمنًا له.

ومع مرور سنوات طويلة، يلاحظ الشَّاب أن هيئته لا تزال كما هي وكأنه لا يزال هذا الشاب الذي في مقتبل عمره، وكأن ملامحه وجسده وجميع وظائفه الحيوية قد وقفت عند اللحظة التي تم رسم اللوحة له.

صدمته الكبرى كانت عندما ألقى ناظره على تلك اللوحة، التي بعد مرور تلك السنوات ظهرت على ملامحها، عوضًا عنه، أمارات التقدُّم في العمر، وأصبحت أكثر ظلامية وشيطانية الهيئة.

فذهب على الفور وخبَّأ اللوحة في مكان لا يستطيع أنّ يعثر عليها أحد؛ لأنه فطن ما يحدث.

وكلَّما انغمس «دوريان» في الملذَّات بجميع أشكالها، تصير الصورة مخيفة أكثر فأكثر؛ لأنها تعكس روحه التي صارت مخيفة ومشوَّهة.

وبعد محاولات عنيفة، يدمِّر الصورة.

لكن النتيجة أنه في الوقت نفسه دمَّر نفسه واستحال لكومة تراب.

وفي هذا العمل المُلغِز، فضَّل «دوريان جراي» تدمير نفسه عندما شاهد بشاعة الوضع الذي انحدر له، لأنه تحوَّل إلى شيطان.

أمَّا الأغرب فهو أنّ «أوسكار وايلد» نفسه دمَّر نفسه ليس فقط بسبب نوبات الحزن التي اعتصرته سواء أثناء سجنه أو بعد الخروج من السجن، لكنه بعد ما فطن مدى بشاعة حضيض مستوى الأخلاق الذي انحدر له؛ لأنه كرَّس نفسه لحياة «هيدونية» من الملذَّات المُحرَّمة.

لقد كان «أوسكار وايلد» عبقريًا بالفعل، لكن ما دمَّره كان شيطانه الذي من أجل إرضائه تنازل عن كل شيء، بما في ذلك آدميته وأخلاقه.

ولا تزال رواية «لوحة دوريان جراي» هي أكثر أعمال «أوسكار وايلد» التي تنال الاستحسان والشهرة العالمية الواسعة.

وبالرغم من النجاحات المنقطعة النظير التي حققتها أعماله المسرحية في حينها، وما زالت تحقق نجاحًا، وإن لم يكن طبعًا بنفس المقدار على الإطلاق، كلَّما تم عرضها أو قراءتها إلى يومنا هذا، بيد أنَّ رواية «لوحة دوريان جراي» تظل هي العمل الذي يمتلك بوابات خلود عبقرية «أوسكار وايلد» وفتحتها له.

وتزخر ساحات العلوم والآداب بعباقرة فتحت لهم أيضًا ساحة الخلود أبوابها الرحبة، التي لا تفتحها سوى لفئة مُختارة من البشر، إلَّا أن الشرط القاسي للولوج عبر تلك البوابات المُحكمة لعالم الشهرة والمكاسب المادية وقبل أي شيء الخلود، هو الخضوع لتأثير إنجاز وحيد من شأنه قتل أي محاولة للحياد عنه، وتدمير أي فرصة للإفلات منه.

وعلى عكس أي توقُّعات، فإن بوَّابات الخلود والشهرة والمال تحكم غلق بوَّاباتها على صاحب العمل نفسه بعد تقديم كل الملذَّات الدنيوية له؛ لتسجنه داخل قصرها البرَّاق الذي لا يشعر فيه الفرد سوى ببرودة الرعب والشعور بالإذلال.

وعلى النقيض، تُطلق العنان لنفس العمل الذي تسبب في شهرته وكذلك سجنه في الكون الرحب ليتمتع بجميع ألوان الحفاوة والتأييد التي حُجِبَت عن صانعه، وبهذا يتحوَّل صانع الإنجاز إلى اللوحة المعلَّقة على جدار منزل «دوريان جراي» التي يتم سجنها فيما بعد في ركن مظلم ولا يعلم مكانها سوى الإنجاز نفسه.

وحتى ولو تم اكتشاف أمر ذاك الإنجاز وأبدى صانعه محاولات حثيثة للسيطرة عليه من أجل إنقاذ روحه من غياهب ذاك القصر المنيع من الزيف، يصدمه ما حلّ به.

وعلى هذا تجبره إخفاقاته المتوالية، التي تلت التهرُّب من إنجازه وأنكاره، إمَّا على الهروب أو الاستسلام.

الفرار صار قدرًا محتومًا على كلٍ من الإنجاز وصانعه؛ وأي محاولة لتدمير اللوحة المبهرة التي تتمتَّع بالشهرة أو حتى تلافي استغلالها للصانع، لسوف يفضي ذلك إلى وضع بطاقة النهاية والدمار على كليهما دفعة واحدة، تمامًا كما حدث في رواية «لوحة دوريان جراي».

لكن فيما يبدو أن شرط الخلود وفي الوقت نفسه السجن داخل أسوار قصر الخلود المنيعة، يقتضي أن يكون الإنجاز مؤثِّرًا بشكل مباشر على العامة والخاصة.

ففي مجال العلوم، نادرًا ما يعلم أحدهم اسم مخترع العجلة أو المبرِّد أو جهاز الميكرويف أو الآلة الحاسبة، وغيرها الكثير والكثير من الابتكارات العلمية.

والأدهى من ذلك الإنجازات الاجتماعية التي صارت ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها مثل إقامة مسابقات لقصات الشعر أو الأزياء، أو لعروض الحيوانات الأليفة! فجميعها إنجازات صارت جزءاً أصيلاً من الحياة اليومية، ويعترف بها الجميع، دون أن نعلم من هو مؤسسها.

وبالنظر إلى عالم الأدب، سيكون الوضع غاية في الشراسة؛ فهناك مثلًا الشخصية التي لا تزال حيَّة وتتمتَّع برونق خاص لا تخبو جذوته، ويقصد بها هنا شخصية «جيمس بوند» James Bond، عميل المخابرات السرِّي الذي يتمتَّع بمهارات وقدرات خاصة، وقادر على إحراز النجاح في أي مهمة توكل إليه.

ولا تزال سلسلة أفلام «جيمس بوند» تلقى رواجًا عالميًا مهما توالت الأجيال وتبدَّلت الأذواق.

وعلى الرغم من هذا، فهناك القليل ممن يعرفون اسم مؤلِّفها، وهو الكاتب والصحفي الإنجليزي «إيان فليمينج» Ian Fleming (1908-1964) سليل الأسرة الثرية الذي عمل في المخابرات الإنجليزية بقطاع البحرية إبَّان الحرب العالمية الثانية، وبعدها عمل في وحدة جمع المعلومات الاستخباراتية التابعة لدولته، ثمَّ قطاع استخبارات القوَّات الجوِّية.

لكنه سرعان ما انسحب من هذا المجال واشتغل بالصحافة، وبعدها كتب أولى روايات «جيمس بوند» التي حققت نجاحًا مدوِّيًا على كل الصعد فور طرحها في الأسواق، لدرجة اضطرار النَّاشر لطرح ثلاث طبعات متوالية من الرواية لسد حاجة السوق المحلِّي منها.

وبالتأكيد، كان «إيان فليمينج» يكتب عن وقائع عاصرها، لكن أسلوبه الأدبي وخبرته الصحفية ساعداه في أن يكتب الوقائع بصورة جاذبة.

وبالتأكيد، لا يوجد سوى القليل ممن يعلمون شيئًا عن شخص مؤلِّف تلك السلسلة الشهيرة.

لكن الأغرب أنه كان يصف بالفعل عميلًا سرِّيًا له نفس مواصفات شخصية «جيمس بوند» نفسه، وكان ذاك العميل قادرًا على القيام بمهمات لا يصدِّقها عقل ويحرز النجاح في كل واحدة منها.

ونفس الوضع القاتل ينطبق على كلٍّ من الخصمين اللدودين السير «آرثر كونان دويل» Sir Arthur Conan Doyle (1859-1930) و»موريس لوبلان» Maurice Leblanc (1864-1981).

فلقد ألَّف الكاتب الإنجليزي «آرثر كونان دويل» سلسلة الروايات الشهيرة جدًا «شيرلوك هولمز» التي لا تزال تتلقفها وتتناولها الأفلام والمسلسلات والكتب المصوَّرة وأفلام الكارتون وكتب الأطفال على الصعيد العالمي.

وكالعادة، فإنه بذل فيها قدرًا من روحه وحياته الشخصية بكل شفافية.

لقد درس «آرثر كونان دويل» الطبّ ومارسه، أي أنه ذاته هو شخصية «دكتور واتسون» الصديق المقرَّب، وربما الوحيد لـ «شيرلوك هولمز».

أضف إلى ذلك، أن اهتمامه الكبير بالسياسة واشتراكه في العديد من الأحداث السياسية، انعكس على اختياره لشخصية «شيرلوك هولمز» المحقق الخاص في عالم الجريمة؛ فقد كان «كونان دويل» مثله، يدقق ويحقق في جميع الأشياء التي تحيط به.

وبفضل شهرته الأدبية وإنجازاته في مجال السياسة، تم منحه لقب «سير»، وبعدها أعلنه الملك «إدوارد السَّابع» King Edward VII عام 1902 ضمن قائمة الأفراد الذين سوف يتم تكريمهم، وكذلك تم منحه لقب «فارِس»، وهو أحد أرفع الأوسمة في بريطانيا في ذاك الوقت.

لكن شهرته تلك والنجاح الباهر الذي حققته شخصية «شيرلوك هولمز»، سواء في الروايات أو القصص القصيرة التي كتبها لتتناول شخصيته وتحقيقاته، أجهزا على موهبته الملحوظة في الكتابة؛ فقد كان «كونان دويل» كاتبًا موهوبًا متنوِّعًا استطاع نشر أربعة دواوين شعرية، بالإضافة إلى أعماله المسرحية، وكتابته للأطفال، ورواياته التي تتناول شخصيات أخرى لا تقل طرافة عن شخصية «شيرلوك هولمز».

جميع تلك الإنجازات تشهد بالفعل أنه كان كاتبًا متنوِّعًا وقديرًا وغزير الإنتاج الأدبي والفكري.

لكن المفارقة أن جميع تلك الأعمال توارت خلف النجاح منقطع النظير لشخصية «شيرلوك هولمز»، ما جعل «كونان دويل» يضيق بالفعل من تلك الشخصية، ويشعر أنها قيد حديدي يحيط به من كل جانب، ويحدّ من إمكانياته في الكتابة، ويخنق كل إنجازاته الأخرى التي لم تحقق الشهرة المطلوبة.

جلّ ما كان يقلقه هو أنّ التاريخ سيذكره ويصوِّره على أنه مؤلِّف عمل وحيد، ما يلغي أي جهود ملموسة أخرى في مجال التأليف والكتابة، مهما كان العمل أفضل من سلسلة «شيرلوك هولمز»، والدليل سلسلة القصص الكوميدية «العميد جيرار»Brigadier Gerard التي بلغ عددها السبع عشرة وحققت حينئذٍ نجاحًا واسعًا.

بيد أنَّ شخصية «شيرلوك هولمز» خنقت هذا النجاح وأسكتته للأبد.

أمَّا «موريس لوبلان»، فكانت مشكلته أكبر وأعظم؛ فقد كتب سلسلة رواياته الشهيرة عن اللص الظريف «أرسين لوبين» ليكون ليس فقط إنجازًا فرنسيًا يعلو قدره على قُدرة الإنجليز على جذب القارئ الفرنسي، بل أيضًا ليخطف الأضواء العالمية بعيدًا عن شخصية «شيرلوك هولمز» ويسرق جمهوره من الشعب الإنجليزي والفرنسي.

لكن ما حدث لم يكن مخططًا له، فقد نجح بالفعل هذا اللص الذكي السَّاخر في تحقيق مهمته، لكنه في هذه الأثناء سرق أيضًا قدرة صاحبه على التنوع أو كتابة روايات فكرية عميقة، كما كان يخطط لنفسه.

ولم يكتفِ هذا اللص بذلك، فقد بدأ يسطو على شخصية «لوبلان» نفسه، الذي صار عنيدًا ساخرًا مثل ذاك اللص الذي ابتكر شخصيته.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فهذا اللص استطاع أن يعبر أسوار الخيال ليستقر على أرض الواقع؛ حيث سرق «أرسين لوبين» أيضًا منزل «لوبلان» الذي تحوَّل إلى متحف لشخصيته وممتلكاته من أزياء وملابس وأدوات شخصية.

ذاك التوغُل الخطر تفاقم قرابة موت «لوبلان» نفسه الذي كان يجزم للأطبَّاء المحيطين به أن «أرسين لوبين» يتربَّص به من خلف الستائر وفي الأركان المظلمة ويحاول أن يقتله، تاركًا من يسمعه في دوَّامة من الشك والحيرة من أمر تلك الشخصية التي ربما تحوَّلت إلى شبح مخيف.

لكن لم يعد الأمر خافيًا حينما أعلن الشبح عن وجوده بعد موت مؤلِّف شخصيته؛ فقد وجدت وريثة «لوبلان» في منزله آخر مخطوطة كان قد أتم كتابتها قبيل موته عن مغامرة جديدة لـ «ارسين لوبين».

وبذلك، تم نشر تلك الرواية بعد موت مؤلِّفها وكأن هذا اللص يعلن أنه حي ولا يزال تأثيره في الأرض باقيًا.

ولا يقتصر الأمر على الشخصيات المذكورة آنفًا فقط، فثمة نماذج عالمية أخرى لا حصر لها ولا عدد، ويتطلَّب الأمر مجلَّدات لكتابة ولو نبذة قصيرة فقط عنها.

متلازمة الخلود والشهرة يسكنها شيطان العبقرية الذي يتربَّص بالموهوبين ويبرم معهم اتّفاقًا خفيًا يتطابق تمامًا مع اتِّفاق «دكتور فاوست» مع الشيطان؛ فالجميع يبيع روحه من أجل الشهرة والمال، ولا يتنبَّه لخطورة اتّفاقه إلَّا بعد فوات الأوان.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك