في صيف عام 1980، زرت بيروت لمدة شهر.
كان ذلك في حزيران/يونيو؛ كنت قد أنهيت سنتي الجامعية الأولى لتوّي، وكانت الحرب الأهلية قد دخلت عامها الخامس، فيما كان لبنان قد استسلم لإيقاعات عبثية من الحياة والموت في شظايا متناثرة.
كنت أقيم في بيروت الغربية، ذلك الجزء من العاصمة الذي كانت ملامحه المجروحة تشهد على قسوة الأبناء الذين اقتتلوا على أرضه.
في الليلة الأولى، اصطحبني أحد الأصدقاء إلى مأدبة عشاء.
وبينما كنا نستمتع بوقتنا على الشرفة، دوّى إطلاق نار في الحي القريب.
انتابني الذعر وهممت بالاندفاع إلى الداخل، لكن الضيوف الآخرين سارعوا إلى طمأنتي بأن الأمر يجري على بعد شارعين فقط.
«لا علاقة لنا به».
وهكذا كان حالي طوال ذلك الشهر، غريبةً عن المدينة التي وُلدت فيها، سرت على خطى أصدقائي.
بقيت ضمن حدود منطقتي، وتشمست، ولبيت دعوات العشاء، ورقصت في «بيتشكومبر» و«ميكانو».
وحين غادرت، كانت الفكرة التي بقيت بعد انقضاء الذكريات الجميلة، أن هذا بلد مجنون، مجنون.
اشتهر لبنان بهذه الذهنية غير العابئة.
فثمة من يراها تعبيراً عن قدرة استثنائية على التكيف، وإرادة شعب في انتزاع شيء من الحياة الطبيعية من واقع مزمن الاختلال.
وثمة من يراها القسوة الحتمية التي تصيب أناساً اعتادوا أن يطابقوا حدود تعاطفهم مع حدود عالمهم، فيما يفسرها آخرون بأنها ليست أكثر من براغماتية غريزية لدى بشر يعيشون هشاشة باستمرار.
ويقع على عاتق قادتنا نصيب كبير من المسؤولية عن عزل كل منا في عالمه الخاص.
وقد أسهم حسن نصر الله الأمين العام الشهيد لحزب الله نفسه، في ترسيخ هذا الانفصال الذي نشعر به تجاه بعضنا بعضا.
ففي الأشهر الأولى من حرب 2023 مع إسرائيل، دعا الذين يعيشون خارج الجنوب إلى مواصلة حياتهم كالمعتاد، فيما كان يدير الحرب داخله.
وقد فكرت يومها في مدى مأساوية ما تنطوي عليه تلك العبارة، من تكريس لدور التضحيّة الأبدية لأبناء الجنوب، فيما مضى سائرنا كالمعتاد.
لكن حفلة تخرج باهظة أقامها أخيراً طلاب الجامعة الأمريكية في بيروت في «السبورتينغ»، وهو نادٍ شاطئي على كورنيش بيروت، دفعت كثيرين منا إلى التساؤل عمّا إذا كنا قد فقدنا أخيراً أي إحساس بالصلة التي تربطنا بإخوتنا اللبنانيين.
وجعلتنا نتساءل عن الدروس الحياتية التي يستخلصها أفضل طلابنا في جامعاتنا النخبوية من العيش على هذا القدر من القرب من الألم والفواجع.
وجعلتني أتساءل عمّا إذا كان الجيل الأصغر يجسد، في هذا الاستهتار الظاهر، ما تنطوي عليه نصيحة نصر الله من مفارقات قاتمة.
ففي خضم حرب مدمرة على جنوبنا واعتداءات وحشية على ضواحينا الجنوبية، مزّقت مجتمعات بأكملها، ظل المحتفلون يسهرون ويرقصون حتى أول خيوط الفجر.
وقد جرى هذا الاحتفال على مقربة من مئات الآلاف من النازحين.
لا أدري إن كان ذلك النادي الشاطئي في تلك الليلة، يمثل بالفعل الشريحة الأكبر من لبنان.
فمجرد الظن بأن مساحة صغيرة كهذه، مكتظة بحشد من الشبان والشابات المحتفلين بتخرجهم، يمكن أن تعكس مزاج بلد يعيش هو نفسه في شظايا، يبدو أمراً سخيفاً.
أو لعل هذه هي الفكرة بالذات.
فقد أثارت تلك الحفلة جدلاً لأنها تقع في صلب النقاش اللبناني المحتدم حول الحرب.
فشعبٌ أنهكه التعب، لا يستطيع أن يحتكم، بصورة جامعة، إلى قادته، ولا أن يجد السند في دولة راعية، مُنح كل ما يحتاجه من حرية في تحديد ما يراه من واجبات والتزامات في زمن الحرب.
ولاسيما هذه الحرب، التي يشعر كثيرون منا أننا زُججنا فيها بفعل حزب الله، سواء أصحّ ذلك أم لم يصح.
ولا أستطيع أن أنسب إلى هؤلاء الخريجين والخريجات فعلاً سياسياً بالمعنى التقليدي للكلمة.
لكن حفلتهم كانت، مع ذلك، تعبيراً عن إرادة ما.
فقد تكون رفضاً كاملاً لأي مسؤولية تجاه أي شخص خارج حدود الذات.
وقد تكون تقريراً لواقع مفاده: لا ننتظر من هذا البلد شيئاً، وفي المقابل لا نقدم له شيئاً، أو لعلنا نبالغ في قراءة حدث لم يكن أكثر من فرصة للتظاهر، ولو لساعات قليلة، بأن كل شي على ما يرام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك