وأنا أتابع بدايات مسار العدالة الانتقالية الذي تشهده سوريا مؤخراً، وما يرافق هذا المسار من انتقادات من جهة، وتنويه وإشادة من جهة أخرى، عاد بي الزمن إلى بدايات المسار نفسه في المغرب، خلال أواخر تسعينيات القرن الماضي، حين بدأ الحديث عن عهد جديد يقوم على طي صفحة الماضي، عبر إنصاف ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وما ارتبط بها من سنوات الجمر والرصاص، والتعذيب، والاختفاء القسري، والمحاكمات السياسية، والقمع والإذلال.
لقد كانت هناك إرادة سياسية قوية استمدت مشروعيتها من أعلى سلطة في البلاد، بادرت إلى إطلاق هذا المسار، فتم الاشتغال على مرحلتين أساسيتين: الأولى عبر هيئة التحكيم المستقلة، والثانية، الأكثر شمولاً واتساعاً، من خلال إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة، باعتبارها إطاراً مؤسساتياً محدداً في الزمان والمكان، يشتغل وفق ملفات وأجندة واضحة.
والواقع أن المجتمع المغربي، بمختلف أطيافه، استقبل هذه الخطوة بترحيب واسع، لما حملته من أبعاد إنسانية وحقوقية وسياسية، رغم أنها لم تخلُ من انتقادات ومطالبات بتوسيع صلاحيات الهيئة وتعميق اختصاصاتها.
كما فُتحت نقاشات وطنية كبرى، وأطلقت أوراش قانونية وحقوقية مهمة، ساهمت في خلق دينامية حقوقية قوية جعلت المغرب، في تلك المرحلة، من أكثر الدول انفتاحاً على الملفات الحقوقية الحساسة على المستوى الإقليمي، وهو ما تجلى بوضوح سنة 2011 أثناء اندلاع الثورات العربية.
واليوم، ومن خلال متابعة المسار الانتقالي في سوريا، أرى ـ كملاحظة أولية ـ أن فتح النقاش العمومي، مهما كان صعباً ومشحوناً بالتجاذبات الفكرية والسياسية، يظل أمراً صحياً وضرورياً، لأن مجرد النقاش في مثل هذه القضايا كان ممنوعاً طيلة خمسين سنة في ظل النظام الأسدي.
ومن خلال الاطلاع على أبرز تجارب العدالة الانتقالية، كما في الأرجنتين، وتشيلي، وجنوب افريقيا، ورواندا، يبدو واضحاً أن الحالة السورية تحمل خصوصيات استثنائية، تجعلها مختلفة عن غيرها في العديد من الجوانب.
أولى هذه الخصوصيات أن نظام الأسد اختار، إلى آخر لحظة، منطق المواجهة والإنكار، من دون أن يبدي أي مرونة سياسية، أو أي استعداد، ولو ضمني، للتخلي عن السلطة أو المصالحة مع الشعب، أو حتى الاعتراف الجزئي بحجم الانتهاكات المرتكبة، بل ظلّ، في كل مناسبة، يكذب مختلف أشكال التوثيق الإعلامي والحقوقي.
غير أن من حسن حظ الشعب السوري، ومن سوء تقدير النظام، أن معظم هذه الانتهاكات وقعت في عصر التكنولوجيا والتوثيق الرقمي، حيث جرى توثيقها بالصوت والصورة والفيديو، بل ونُقل بعضها مباشرة أمام أنظار العالم، وهو ما يجعل مسألة الإثبات وتوفير الأدلة أكثر وضوحاً ويسراً مقارنة بتجارب سابقة.
كما أن الحرب السورية لم تكن نزاعاً داخلياً خالصاً، بل تحولت إلى ساحة لتدخلات إقليمية ودولية معقدة، شاركت فيها جيوش نظامية وميليشيات مسلحة وتنظيمات متعددة الولاءات، الأمر الذي يجعل مسار العدالة الانتقالية في سوريا أكثر تعقيداً وحساسية.
فالدولة السورية تجد نفسها اليوم أمام معادلة دقيقة بين مطلب المحاسبة والإنصاف من جهة، وضرورات الحفاظ على التوازنات السياسية والدبلوماسية من جهة أخرى، خاصة أن البلاد خرجت من الحرب منهكة سياسياً وإدارياً واقتصادياً وعسكرياً.
ويزداد هذا التعقيد مع فرار عدد كبير من رموز النظام السابق، المتورطين بشكل مباشر في الانتهاكات الجسيمة، واحتمائهم بدول ذات نفوذ إقليمي ودولي، وهو ما يجعل أي تحرك قضائي أو سياسي تجاههم مرتبطاً بحسابات دقيقة، قد لا تسمح بها المرحلة الحالية.
ومن التحديات الكبرى أيضاً الحساسية الطائفية، التي ما تزال حاضرة لدى بعض مكونات المجتمع السوري، وهو ما يفرض الاشتغال بجدية على تعزيز الوحدة الوطنية، ومحاربة الخطابات الطائفية عبر الإعلام والثقافة والفنون، إضافة إلى سن قوانين صارمة تجرم التحريض والتمييز، مع ضمان الحقوق المتساوية لجميع المواطنين والمواطنات، من دون استثناء.
كما أن من الضروري تقليص عدد الجهات المتدخلة في هذا الملف، لأن العدالة الانتقالية ليست مجرد مصالحة بين أفراد بعد خصام شخصي، بل هي آلية قانونية ومؤسساتية دقيقة تضبطها قواعد ومعايير واضحة.
ومن شأن تحويلها إلى مجال مفتوح لكل الآراء غير المتخصصة أن يخلق نوعاً من العشوائية والارتباك، لذلك يفترض أن يقود هذا المسار خبراء قانونيون ومختصون يمتلكون الكفاءة والخبرة اللازمتين.
وأعتقد كذلك أن السلطات السورية ستواجه إشكالات تقنية وقانونية معقدة، من أبرزها تحديد الإطار الزمني للانتهاكات المشمولة بالعدالة الانتقالية: هل سيتم الاكتفاء بضحايا الثورة منذ سنة 2011، أم سيتم توسيع المسار ليشمل ضحايا النظام منذ بداياته سنة 1971، عقب ما سُمي آنذاك بـ«الحركة التصحيحية»، مروراً بمجزرة حماة وما تلاها من اعتقالات ومحاكمات واسعة، وآلاف الضحايا الذين مروا عبر واحد من أبشع السجون في العالم، كسجني تدمر وصيدنايا ومراكز الاحتجاز التابعة للأفرع الأمنية؟ كما يطرح هذا المسار أسئلة أخرى لا تقل أهمية، من بينها وضعية الضحايا من جنسيات عربية أخرى تعرضوا بدورهم لانتهاكات داخل سوريا، إضافة إلى إشكالية جبر الضرر: هل سيتم التعامل بالمعايير نفسها مع الضحايا المدنيين والعسكريين؟ وهي نقطة أتذكر أنها أثارت نقاشات واسعة خلال التجربة المغربية، خاصة في ما يتعلق بملف الناجين من جحيم تازمامارت.
ويُطرح كذلك ملف اللاجئين السوريين خارج البلاد، وكيفية التعامل مع الأضرار النفسية والمعنوية التي لحقت بهم نتيجة سنوات التهجير القسري والاقتلاع من البيئة الاجتماعية والأسرية.
كما يتعين على الدولة وضع استراتيجية واضحة للتعويض عن الممتلكات المفقودة، ومعالجة إشكالات السكن وحقوق الملكية، وهي قضايا تقع في صميم مفهوم جبر الضرر، وتشكل جزءاً أساسياً من المصالحة مع الماضي وتحقيق الإنصاف.
وفي اعتقادي، هناك ركائز أساسية إذا ما توفرت، فإنها ستساهم في تحقيق أهداف العدالة الانتقالية، ولو بشكل نسبي، خلال المرحلة الأولى.
وفي مقدمة هذه الركائز وجود إرادة سياسية جادة وواقعية من أعلى سلطة في البلاد، وتوفير الموارد المالية الكافية، والاستثمار في بناء القدرات القانونية والأمنية، وتطوير كفاءة أجهزة إنفاذ القانون في مجالات التوثيق والتحقيق والتدقيق في المعلومات، بما يسمح بوضع استراتيجية متكاملة للإنصاف وجبر الضرر ومنع الإفلات من العقاب.
كما يظل الجانب الاقتصادي عاملاً حاسماً في إنجاح هذا المسار، بدءاً من العمل على رفع العقوبات الاقتصادية والمالية الدولية، بما ييسر تمويل المشاريع الكبرى، وإنعاش سوق التوظيف، وتحريك عجلة التنمية، وتمكين المواطن من استعادة شروط العيش الكريم والحياة الطبيعية.
ومن بين الأولويات كذلك محاربة الفساد الذي تغلغل في البنية الإدارية والأمنية على امتداد عقود، وإعادة بناء المؤسسات الأمنية على أسس دولة القانون، بما يقطع مع الممارسات البوليسية التي عانى منها الشعب السوري طويلاً.
إن تحسن المستوى المعيشي للمواطنين، ولو بوتيرة بطيئة في البداية، يعد مؤشراً إيجابياً على نجاح مسار العدالة الانتقالية، لأن هذا المسار لا يقاس فقط بالإجراءات القانونية، بل أيضاً بقدرته على تحسين حياة الناس واستعادة ثقتهم في الدولة.
وأختتم بالقول، إن هناك معطى بالغ الأهمية لا يقاس بالنصوص القانونية ولا بالمؤشرات الاقتصادية، ألا وهو السلم المجتمعي والأهلي، وإعادة بناء الشعور الوطني الصادق والانتماء المشترك.
وهذا الهدف يظل مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بمبدأ المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب، وتكافؤ الفرص، وترسيخ مقومات الحياة الكريمة، التي يمكن للمواطن السوري أن يلمسها بشكل واقعي ومباشر في حياته اليومية.
فعندما يشعر المواطن بالأمن والكرامة والعدالة، يكون المجتمع قد قطع شوطاً مهماً في طريق المصالحة مع الماضي وبناء المستقبل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك