من بين ضجيج السوشيال ميديا، خاصة فيسبوك، الذي هو أقرب إلى النميمة، ووراءه دائما سوء ظن، هناك أسماء رائعة تتحدث بالرأي، في أهم قضايا الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتاريخية.
وعادة هؤلاء لهم كتب أو فيديوهات جميلة قد يملأ ذكرها المقال.
كتبت عن كثير منهم، وعن بعض كتبهم، خاصة أنني منذ سنوات، جعلت لنفسي قراءة كتاب على الأقل كل أسبوع، أكتب عنه هنا أو في صحيفة أخرى، أو مباشرة على صفحتي.
من بينهم أحب أن أقف هنا عند سامح قاسم الصحافي والشاعر والفنان التشكيلي.
من أعماله الشعرية دواوين مثل» كان ذلك في إبريل» و» كتاب الأرق» ثم أخيرا «الوهم والحقيقة» وكلها تحتاج إلى وقفة عندها.
في الأخير» الوهم والحقيقة» تجد نفسك في رحلة وجودية، بين المرئي والمخفي، ويكفي أن يعبر عنها بمقطع مثل:لكنه يزهر، كلما اقتربت منه»هذا الديوان المقسم إلى قسمين، أحدهما للوهم والثاني للحقيقة، يقول عن الوهم:ولكننا نكتشف أنها تتبدد في الليل»تسكن في الحقيقة التي أضعناهاوفي القلب الذي لم نعطه فرصة ليحب»كلما دخلت إلى صفحة سامح قاسم وجدته يتحدث عن شيء أو كاتب، مما أسعدني أنا الذي أحب الحديث عن الجمال، فالقبح والقبيح سيطويه الزمن ولا يبقى منه شيء، رغم إغراء السوشيال ميديا.
لقد سبق منذ عامين أن أقام معرضا للوحاته في المركز الثقافي الفرنسي، ويجهز الآن لمعرض جديد، سيتحدد مكانه وزمانه لاحقا.
في اليوم الثالث والعشرين من شهر مايو/أيار الماضي، وجدته كتب على صفحته:«سألني صديق اليوم: لماذا لا أجد في كتاباتك أي إشارة سلبية لكاتب أو لنص؟ لماذا تبدو كتاباتك دائماً مُنحازة إلى الوجه الجميل في الأدب والكُتاب؟فأجبته: منذ أكثر من خمسة وعشرين عاماً، وهي سنوات عملي في الصحافة، لم أكتب حرفاً ضد أحد، ولم أسب أحداً، ولم أرد على إساءة.
وقد اتفقت مع نفسي منذ البداية ألا أكتب إلا عن الأشخاص الجميلين، وعن النصوص التي تتوافق مع ذائقتي كقارئ أولاً وأخيراً.
حتى يقول: أما الأعمال التي يراها البعض رديئة، وقد يتصادف أنها لا تتفق مع ذائقتي ومزاجي القرائي، فأتجنب الحديث عنها، أو عن أصحابها تماماً، وأقول لنفسي: يكفيها ما فيها، ومع ذلك ربما تروق لآخرين وتجد مكاناً بينهم».
أيقظ هذا في روحي شعارا جعلته لنفسي منذ بداياتي الأدبية، وهي ألا أهاجم كاتبا أكبر مني قيمة وعُمرا هجوما شخصيا، حتى لا يتصور أني أريد أن أضع رأسي برأسه.
وحين تقدمت في العمر والمكانة الأدبية، صرت كذلك لا أهاجم أحدا أقل مني عمرا وقيمة، هجوما شخصيا، حتى لا أساوي بينه وبيني.
وفي كل هذا الزمن كنت وما زلت أفرّق بين الرأي والهجوم الشخصي.
مما كتبه سامح قاسم أيضا عن الكتابة، ومعارك المثقفين الشخصية، وكيف مع السنوات يكتشف الكاتب، أنّه أرهق نفسه أكثر مما ينبغي.
يكتشف أنّ العداوة الطويلة تُفسد الروح، وأنّ التصفيق الصادق، أدفأ من كلّ انتصار صغير يتحقّق في خصومة.
ولعلّ أجمل ما يمكن أن يبلغه الإنسان في آخر المطاف، أن يتخفّف من حاجته إلى الانتصار، وأن يكتفي بقدرته على المحبّة الواضحة.
كثير جدا من الأسماء الرائعة يكتب عنها سامح قاسم مثل عزت القمحاوي في ثلاثيته التي تحمل عنوان» ثلاثية الغربة»، أو «يوميات التلصص» لحسن مدن، أو ديوان «على هيئة اللامرئي» لعبد الوهاب الملوح وغيرهم.
أقف قليلا عند ما قاله عن الشاعر أحمد طه، أحد أبرز علامات جيل السبعينيات في الشعر، الذي ضم أسماء رائعة مثل حسن طلب وعبد المنعم رمضان ومحمد سليمان وجمال القصاص وأمجد ريان وغيرهم، ممن عشت معهم أيام الأمل في أواسط السبعينيات، حين كنت مسؤولا ثقافيا في قصر ثقافة الريحاني، وكان لهم لقاء كل أسبوع في القصر، يقرأون فيه الشعر، ومنه صدرت بعض بياناتهم عن الشعر الجديد كما يرونه، حتى وقعت أحداث يناير/كانون الثاني عام 1977 وتم تغيير الشاعر أحمد الحوتي الذي كان مديرا للقصر وجاء مدير جديد، وفي أول جلسة معه قال لي، إن ندوة الشعراء هي ندوة للشيوعيين.
والمضحك أنه في ذلك الوقت صدر قرار بتغيير مسمي قصور الثقافة إلى مراكز الثقافة، فقال لي المدير الجديد: «طبعا كان لا بد من تغيير الاسم، لأن قصر مأخوذة من القيصر وهو شيوعي روسي! ، فسحبت ورقة من فوق مكتبه، وكتبت له طلبا أن أترك المكان واذهب إلى الإدارة المركزية، ووافق من دون أن يسألني، ومن دون أن أقول له أنت مسكين لا تعرف شيئا في الثقافة.
أعود إلى شيء مما كتبه عن الشاعر أحمد طه:كل المحاريب الصديقة كذبتناكل السيوف توضأت حين اللقاءيعلق على هذا المقطع الشعري لأحمد طه قائلا: » بهذه اللغة التي تضع الخيانة في مركز التجربة، وتحوّل الإحساس الشخصي إلى سؤال وجودي وسياسي، كتب الشاعر أحمد طه مشروعه الشعري.
لم يقترب من القصيدة باعتبارها تمريناً جمالياً منفصلاً عن العطب الإنساني.
قصيدته خرجت من توتر دائم بين الجسد والأرض، بين المنفى والوطن، بين الأمل والخراب، وبين الإيمان القديم بالعالم، والانكسار الذي أصاب هذا الإيمان.
لذلك تبدو نصوصه وكأنها آتية من جرح مفتوح، لا من داخل تقاليد شعرية مستقرة».
ثم حديث عن تجربة ذلك الجيل من الشعراء، الذي أضاء حياتنا الشعرية ولا يزال.
اقرأ له حديثا عن الكاتب عبد الحكيم قاسم الذي هو عمه، وأحد أبرز علامات جيل الستينيات، وصاحب الروايات مثل « أيام الانسان السبعة « و» قدر الغرف المقبضة» و»محاولة للخروج»، التي أدهشتنا ببنائها الفني ولغتها، فيوقظ في روحي أياما لا تنسى، كنت أزور فيها عبد الحكيم قاسم في شقته الصغيرة في حي ميت عقبة، وكان يزورني في شقتي في حي إمبابة، وكتبا تبادلناها، وكيف حين رشح نفسه في مجلس الشعب عن حزب التجمع عام 1987 أردت أن أقول له لا تفعل ذلك، فلست مؤهلا لهذه السياسة التي سترهق الإبداع، وأندم أني ترددت في قول ذلك، فبعد خسارته المعركة الانتخابية، أصيب عبد الحكيم بجلطة دماغية، أدت إلى شلل في ذراعه ثم توفي، وما زلت نادما لترددي في القول، لكن هل كان سيستجيب؟ لا أظن.
لقد عاش عبد الحكيم حياة غربة طويلة، إذ تم اعتقاله عام 1959 بالتهمة التي كانت شائعة وهي الشيوعية، وخرج بعد خمس سنوات قضاها في سجن الواحات.
وسافر إلى ألمانيا عام 1974 للمشاركة في ندوة أدبية، فظل هناك أحد عشر عاما يعمل حارسا ليليا.
بعد قصص رائعة يحكيها سامح عن عبد الحكيم قاسم يقول: «وأنا حين أروى عنه هذه القصص، أشعر بأنني أفي بشيء صغير من دين كبير في رقبتي.
لأن هذا الرجل لم يكن مجرد عمٍّ لي، ولا مجرد كاتب كبير، بل كان درساً متواصلًا في معنى أن تكون إنساناً لا يقبل الهوان، وأن تكون مُحباً لا ينسى، وأن تعيش الحياة كما يعيشها الأبطال الهادئون: بكبرياء لا تلين، وبمحبة لا تنطفئ، وبضمير لا يخون».
وفي النهاية فسامح قاسم يستحق كل ثناء فإلى جانب تغريداته أو مقالاته، لوحة فنية رائعة من رسمه، لا تستطيع أن تفصل بينها وبين النص المكتوب، فكلاهما في سماء الشعر والموسيقى.
لوحة تدعوك إلى تأمل لا يقل عن تأمل ما يكتب معها، ففيما يكتبه ألوان، كما أن فيما يرسمه موسيقى.
فشكرا لك يا سامح لأنك تقف بنا على حافة نهر الجمال، بينما كل شيء يغري بالقبح حولنا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك