في وقت أصبحت فيه أعمال الأبطال الخارقين أسيرة الصيغ المكررة، والرهانات المستمرة على التوسع في الأكوان السينمائية، يأتي مسلسل" سبايدر نوار" (Spider-Noir) كواحد من أكثر التجارب طموحا وغرابة.
المسلسل المعروض الآن على منصة" برايم" (Prime) يعيد تعريف صورة البطل الخارق عبر مزجها بإرث الفيلم نوار الكلاسيكي (Noir) أو الفيلم الأسود كما يُترجم في بعض الأحيان، في خطوة تجمع بين الحنين إلى الماضي والرغبة في تجديد نوع سينمائي واجه مؤخرا علامات الإرهاق وانحسار اهتمام المتفرجين به.
المسلسل من تطوير أورين أوزيل وستيف لايتفوت، ويتولى إنتاجه عدد من الأسماء البارزة المرتبطة بمشاريع" سبايدر فيرس" (Spider-Verse)، من بينهم فيل لورد وكريستوفر ميلر وإيمي باسكال، فيما تتولى استوديوهات" أمازون إم جي إم" (Amazon MGM Studios) إنتاجه بالتعاون مع استوديوهات" سوني"، ومن بطولة نيكولاس كيج، الذي يعود إلى الشخصية بعد أدائه الصوتي اللافت لها في فيلم" الرجل العنكبوت: بداخل عالم العنكبوت" (Spider-Man: Into the Spider-Verse)، ويشاركه البطولة لامورن موريس، ولي جون لي، وكارين رودريغيز، وأبراهام بوبولا، وجاك هيوستن، وبريندان غليسون.
من المراهق المتفائل إلى المحقق المنهكعلى امتداد عقود منذ ظهرت شخصية" سبايدرمان" في الثقافة الشعبية، ارتبطت هذه الشخصية بصورة المراهق الذي يحاول الموازنة بين حياته اليومية ومسؤولياته الاستثنائية.
وكان بيتر باركر، في معظم تجسيداته، بطلا شابا يواجه صعوبات الدراسة والعمل والعلاقات العاطفية، ويتعلم في الوقت نفسه معنى المسؤولية والتضحية.
ولهذا أصبحت الشخصية، منذ ظهورها في ستينيات القرن العشرين، واحدة من أكثر شخصيات القصص المصورة ارتباطا بفكرة النضج واكتشاف الذات.
يبتعد" سبايدر نوار" بصورة جذرية عن هذه الصيغة المألوفة، فبدلا من تقديم البطل في بداية رحلته، يضعنا أمام رجل أثقلته السنوات والتجارب، يعيش في نيويورك الثلاثينيات، إبان فترة الكساد الكبير، ويعمل محققا في مدينة تهيمن عليها الجريمة المنظمة والفساد.
وتعكس الشخصيات المحيطة به هذا التحول كذلك، فالمسلسل يحرم بطله من الشخصيات الداعمة أو المرحة على غرار ما اعتادته أعمال سبايدرمان المختلفة، ويحيطها بشبكة من السياسيين الفاسدين ورجال العصابات والمخبرين والشخصيات الغامضة التي يصعب الوثوق بأي منها.
في قلب هذا العالم يقف زعيم الجريمة سيلفرمان، الذي يجسده بريندان غليسون، كأحد أبرز رموز السلطة والنفوذ في المدينة، وتظهر كذلك شخصيات أخرى مستوحاة من عالم سبايدرمان المعروف، ولكن في صيغ أقرب إلى عالم الجريمة والنوار منها إلى عالم الأبطال الخارقين التقليدي.
تعكس هذه النقلة من البطل الشاب المتفائل إلى البطل المنهك تغييرا في العمر أو البيئة الزمنية، وكذلك تغييرا في الطريقة التي تُقدَّم بها البطولة خلال أحداث المسلسل.
فبينما تدور قصص سبايدرمان الكلاسيكية حول الأمل وإمكانية التغيير، ينتمي" سبايدر نوار" إلى عالم أكثر تشاؤما، عالم لا تُحل فيه الأزمات دائما، ولا يكون الانتصار فيه مضمونا بالضرورة.
النوار عالم كامل لا مجرد أسلوب بصريمن السهل النظر إلى" سبايدر نوار" كتجربة بصرية تستعير الأبيض والأسود والظلال الحادة من أفلام الأربعينيات، لكن المسلسل يذهب إلى أبعد من ذلك بكثير، فهو عمل يبتعد عن حدود الاقتباس الخارجي للفيلم نوار، ويعيد بناء عالم سبايدرمان وفق القواعد الدرامية التي حكمت هذا الأسلوب السينمائي لعقود.
البطل في أفلام النوار الكلاسيكية شخصية ضائعة داخل شبكة معقدة من المصالح والأسرار والخداع، ويتحرك داخل مدينة تبدو أكبر منه وأكثر نفوذا من قدرته على تغييرها.
فلا أحد بريء تماما، ولا أحد يمكن الوثوق به بشكل كامل، وهي من السمات الأساسية التي ميزت أعمالا مثل" الصقر المالطي" (The Maltese Falcon) و" النوم الكبير" (The Big Sleep).
ويظهر هذا التبني الواعي لتقاليد النوار في الشخصيات المحيطة بالبطل كذلك، مثل شخصية كيت هاردي التي تقدمها لي جون لي، والتي تستدعي نموذج" الفيم فاتال" (Femme Fatale) أو المرأة الغامضة المغوية، وهي إحدى الشخصيات الأكثر حضورا في تاريخ الفيلم نوار.
فهذه شخصية يصعب تحديد نواياها الحقيقية، وتتحرك دوما بين الغموض والإغواء وإخفاء الأسرار، مما يجعل علاقتها بالبطل مصدرا للشك والتوتر.
ويمتد الأمر إلى إعادة تشكيل شخصيات سبايدرمان التقليدية نفسها، التي تظهر في سياق متناسب مع عالم الجريمة المنظمة والفساد السياسي.
وتتحول شخصيات مثل سيلفرمان وساندمان وإلكترو وغيرهم من خصوم القصص المصورة إلى شخصيات تنتمي إلى البيئة النوارية، حيث تصبح السلطة والنفوذ والابتزاز أدوات أكثر أهمية من القدرات الخارقة ذاتها.
ويوازي هذا التحول الدرامي معالجة بصرية شديدة الوعي بالجذور التاريخية لهذا الأسلوب السينمائي، إذ أُنتج المسلسل بنسختين، إحداهما بالأبيض والأسود والأخرى بالألوان، في اعتراف بالدور المركزي الذي لعبه غياب الألوان في تشكيل هوية النوار الكلاسيكي، حين استغلت الكاميرا التباين الحاد بين الضوء والظلام والظلال الممتدة فوق الوجوه والجدران لتصنع ذلك الشعور الدائم بالتهديد وعدم اليقين.
عودة النوار.
حين فقد الأبطال يقينهملا يبدو" سبايدر نوار" تجربة معزولة أو مجرد محاولة لإعادة تقديم شخصية شهيرة في قالب مختلف، فالمسلسل يأتي ضمن موجة أوسع تشهدها الثقافة الشعبية خلال السنوات الأخيرة، أعادت الاعتبار إلى النوار ومشتقاته بعد عقود من هيمنة نماذج البطولة التقليدية.
ففي مقابل البطل الخارق الذي ساد مطلع الألفية الجديدة، والذي غالبا ما امتلك يقينا أخلاقيا واضحا ورسالة محددة وقدرة على الانتصار في نهاية المطاف، برزت أعمال أكثر اهتماما بالشخصيات المتصدعة نفسيا والمثقلة بالشكوك والهواجس.
وتجلت هذه النزعة في عدد من الأعمال البارزة خلال العقد الأخير، منها فيلم" ذا باتمان" (The Batman) عام 2022، الذي أعاد الشخصية إلى جذورها كمحقق يعمل في مدينة غارقة في الفساد، ومسلسل" ترو ديتيكتيف" (True Detective) في مواسمه المختلفة، الذي قدم شخصيات محققين تطاردهم هواجسهم وأسئلتهم الوجودية بينما يطاردون المجرمين.
وينتمي" سبايدر نوار" إلى هذا السياق الثقافي تحديدا، فهو يستخدم أسلوب النوار للتعبير عن مزاج معاصر يتسم بالقلق وعدم اليقين، عالم لا توجد فيه إجابات سهلة أو مباشرة، ولا يمكن الفصل فيه بوضوح بين الخير والشر، وهي رؤية تبدو أكثر قربا من خبرة المتلقي المعاصر مقارنة بالثنائيات الأخلاقية الحادة التي تحكم كثيرا من قصص الأبطال الخارقين التقليدية.
وربما لهذا السبب تحديدا تبدو عودة النوار اليوم أكثر من مجرد موجة فنية عابرة.
فكما ظهر هذا الأسلوب السينمائي لأول مرة في أعقاب الحروب والأزمات الاقتصادية والتحولات الاجتماعية الكبرى في منتصف القرن العشرين، فإنه يعود اليوم في عالم يواجه بدوره أزمات متلاحقة وشعورا متزايدا بعدم الاستقرار.
وفي الحالتين معا يصبح البطل المنهك والمتردد والمطارد بأخطائه أكثر قدرة على تمثيل روح عصره مقارنة بالبطل الواثق الذي يمتلك جميع الإجابات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك