شاعر وروائي ومفكر إسلامي سوري، هُجّر من بلاده في ثمانينيات القرن الماضي بسبب مواقفه السياسية، وعاش في منفاه بالأردن أكثر من أربعة عقود.
قرض عبد الله عيسى السلامة الشعر منذ شبابه، واشتهرت قصيدتاه" أيها البلبل إنا أخوان"، و" خلي يديّ فلست من أسراك" اللتان كتبهما في سبعينيات القرن العشرين حتى صارتا من أبرز ما غناه المنشدون الإسلاميون، كما كتب القصة القصيرة والرواية، ونال على ذلك العديد من الجوائز على مستوى العالم العربي.
خاض غمار العمل العام ونشط سياسيا ضمن صفوف جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، واعتُقل بسبب ذلك، ثم هاجر من بلاده هربا من الملاحقة الأمنية.
وقد انعكست توجهاته السياسية وفلسفته في العديد من المقالات والرؤى التي كتبها، فكان المفكر الفيلسوف فضلا عن كونه الشاعر الأديب.
وافته المنية يوم الجمعة 12 يونيو/حزيران 2026 في العاصمة الأردنية عمّان عن 82 عاما، ورثاه العديد من الأدباء والمفكرين والسياسيين في الوطن العربي.
ولد عبد الله عيسى السلامة (أبو ياسر) عام 1944، في قرية الحديدي التابعة لمدينة منبج (مدينة البحتري) في محافظة حلب السورية، وكان والده الحاج عيسى مختار القرية في ستينيات القرن الماضي، وينظم الشعر النبطي، ولا غرابة بذلك في منبج، مدينة الشعراء.
وعبد الله ثالث إخوته العشرة، فله ستة من الإخوة الذكور، وثلاث أخوات إناث.
درس عبد الله الابتدائية في قريته، ثم أكمل تعليمه في مدينة حلب حيث درس الإعدادية في مدرسة سيف الدولة، ثم انتقل إلى ثانوية هنانو، ثم ثانوية الرائد العربي، قبل أن يحصل على شهادة الثانوية الأدبية من المعهد العربي الإسلامي عام 1963.
بعد تخرجه من الثانوية، التحق بقسم اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة دمشق، ومنها حصل على شهادة الليسانس في الآداب عام 1968.
وفي العام التالي، أعدّ أطروحة عن" شعر الحرب في أدب الأندلس" للتقدّم بها إلى الجامعة اللبنانيّة لنيل شهادة الماجستير، إلا أنه لم يتمكن من السفر لمناقشتها.
تلقى في جامعة دمشق عن العديد من علمائها المبرّزين، ومنهم الأستاذ النحوي سعيد الأفغاني الذي درس عليه النحو والصرف، والأستاذ المحقق أحمد راتب النفاخ الذي درس عليه الأدب الجاهلي، والأستاذ مازن المبارك عضو مجمع اللغة العربية بدمشق الذي درس عليه فقه اللغة، والأستاذ محمد أديب الصالح رئيس تحرير مجلة" حضارة الإسلام" الذي أخذ عنه علوم الحديث، والأستاذ محمد سعيد رمضان البوطي الذي أخذ عنه علوم القرآن، وآخرين كثيرين غيرهم.
انتسب عبد الله عيسى السلامة إلى جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، وتبوأ فيها عدة مناصب، فكان عضوا في قيادتها، وفي مجلس شوراها، وفي مكتبها السياسي، كما كان له مساهمات في كتابة دراسات ورؤى سياسية فيها.
اعتقله نظام الرئيس حافظ الأسد عام 1973 بسبب مواقفه السياسية، فدخل سجن الحلبوني بدمشق ضمن موجة اعتقالات شملت العديد من الإسلاميين في سوريا، وعندما كان في المعتقل ترامى إلى سمعه نبأ وفاة المرشد العام للإخوان المسلمين حسن الهضيبي فرثاه بقصيدة حملت عنوان مشعل عزة.
غادر السلامة سوريا بعد أن لوحق فيها لأسباب سياسية ضمن ما عرفه مطلع ثمانينيات القرن الماضي من اعتقالات سياسية واسعة في البلاد، واستقر في الأردن، ومن هناك التحق مرة أخرى بمقاعد الدراسة في جامعة بيروت العربية، ليحصل منها على شهادة الليسانس في الحقوق عام 1988.
بعد تخرجه، عمل عبد الله السلامة مدرسا في مدارس مدينة حلب وريفها بين عامي 1968 و1979، ثم غادر سوريا في ثمانينيات القرن الماضي، وعمل مدرسا في كلية المجتمع الإسلامي في مدينة الزرقاء بالأردن بين عامي 1983 و1987.
كتب عبد الله عيسى السلامة في العديد من الفنون الأدبية، فقد قرض الشعر وكتب القصة القصيرة والرواية، فضلا عن العديد من البحوث والمقالات في الأدب والسياسة والفكر والفلسفة.
ينقل الشاعر يحيى الحاج يحيى أن الناقد حيدر الغدير كان يصف عبد الله السلامة بأنه" بحتري العصر"، بينما يصفه الحاج يحيى بأنه" واضح في غموض، بمعنى أن شعره لا يتأتى لأي قارئ إدراك معانيه ودقة تصويره".
ولعل ذلك راجع إلى أن قصائد السلامة اتسمت بالعمق الفلسفي والغوص في أغوار النفس ولمس معانٍ خاصة فيها أو طرح تساؤلات لاذعة تحركها لاكتشاف مكامنها، فضلا عما تتضمنه من معان فكرية وسياسية واجتماعية.
ويلمس ذلك من العناوين التي صدرت بها دواوينه، مثل: الظل والحرور، وواحة في التيه، وثآليل في جبهة السامري.
وقد اشتهرت قصيدتان له وضعهما في ديوانه" واحة في التيه" (1985)، وكان قد غناهما المنشد السوري محمد منذر سرميني (أبو الجود) في شريطه السابع الصادر في سبعينيات القرن الماضي، ثم ترنم بهما من بعده وبألحانه العديد من رواد النشيد الإسلامي.
إحداهما قصيدته" أنا والبلبل" التي يناجي فيها الطائر الغريد:أيها البلبل إنا أخَوَان.
بيدَ أنا يا أخي مختلفانْأنت تحيا لتغني وأنا.
أجرع الصبر وأجترّ الهوانْقلبُك الوردي لحن ساحر.
وفؤادي فيه نار ودخانْوإذا ما غاب في جوف الثرى.
جسدانا، وتخطانا الزمانْصرتَ ذكرى، أو ترابا أو صدًى.
أو نسيمًا يتهادى في الجنانْوأخوكَ البَرّ في أكفانه.
يمضغُ الآلامَ آنًا بعد آنْوالثانية هي قصيدته" ولادة" التي يشرق بها إشراق النفس الزكية على الحياة، فيخاطبها بعزة وأنَفة ويسمو عليها برفعة سماوية تضع مراتب الروح فوق منازل المادة مهما كانت:خلي يديَّ فلست من أسْراك.
أنا يا حياة علوت فوق علاكِخلي يديَّ فلي مُنى كونية.
تلهو ببعض ذيولهنّ مُناكِخلي يديَّ فإن شوقي واسع.
يحبو ويدرُج في مداه مداكِسامٍ أنا، حتى الخيال يكلّ عن.
دركي ويعيى العاقل عن إدراكيأنا إن حبوتُ على ثراك فإن ذا.
قدري وإن صنعت خطاي خطاكِوإذا تسربلتُ الزمان فإنما.
أنا فيه مثل النور في الأسلاكِقلبُ الوجود أنا وزهرُ حقوله.
وشذاه نفح من شذاي الزاكيفخذي من الأشواق ما نثرت يدي.
وحذار ثم حذار من أشواكيوعاش السلامة آلام أمته، وانعكس ذلك في شعره وأدبه، ومن الأمثلة على ذلك قصيدته" ملحمة الشهيد محمد الدرة" التي رثا فيها الطفل الفلسطيني الذي التقطت الكاميرات مأساته وجريمة إسرائيل فيه، لكنها لم تحرّك العالم لنجدته، فجمع فيها قوافي عديدة، وبحورا متنوعة، وتنقّل بين الشعر العمودي وشعر التفعيلة، ليحكي تلك الجريمة وذلك الخذلان، وهي القصيدة التي كرّمتها مؤسسة البابطين الثقافية بالكويت عام 2001 بالجائزة الثانية في مسابقة ديوان الشهيد محمد الدرة، ومنها قوله:قدرا قُدرت فما محاك الماحي.
هيهات، أنت الروح للأرواحِأنت الشهادة والشهيد وشاهد.
يروي لمن في الأفق، ما في الساحِأنت البراءة كلها، وأقلّها.
أن طرتَ فوق الغيم، دون جناحِغدروا، كذلك يفعلون، مخافة.
من أن يشاب فسادهم بصلاحِاسمع الجَوقة تهذي، يا محمّد:ومَضى جَزّارهمْ دونَ قِصاصْوتوَلّى راجمُ الصاروخ مزهوًّا يغنّيناشرا كفّيه للريح بقلبٍ مطمئنّلا تَعُدْ شِلْوًا مُدَمّى، أو فؤادًا يَتنهّدْأنتَ في وجداننا ذكرى من النيران والأحزانفي كل صباحٍ ومساءٍ تتوقّدْلا إلى ما ظلَّ فينا منكَ في أحداقنا، ممّا رأينادَفْقَ حُبّ، نَفْحَ رَوض، ضَوءَ فَرْقَدْوكما تميّز شعر السلامة فقد تميّز نثره أيضا، ونالت قصته" أين السر" جائزة المركز الرابع من نادي الطائف الأدبي عام 2001.
وقد عالجت قصصه -سواء القصيرة أو الرواية التي أصدر منها ثلاثا- في الغالب قضايا سياسية أو اجتماعية، بقوالب لا تخلو من طرافة في الأسلوب، مع ذكاء في الفكرة والمعالجة.
ومن ذلك قصته" لماذا يكذب الجزار؟ ! " التي جاءت على شكل حوار بين طفلين، ليكشف عن الفساد الذي ينخر الأنظمة السياسية، أو" حكاية الإمام الجرصفي" التي سلطت الضوء بأسلوب طريف على القمع الذي يعيشه الإنسان في ظل الأنظمة القمعية.
وقد رهن السلامة أدبه لكشف الظلم وفضح المتسلطين، لذلك نراه يقول في حواره مع محمد سالم سعد الله المنشور في رابطة أدباء الشام: " إنّ هاجسي الأول هو تسليط أضواء قويّة كاشفة على ما يعانيه الإنسان العربي من ظلم على أيدي حكّامه وأعوانهم وأتباعهم وسائر أصحاب السلطة في مواقعهم المختلفة.
وذلك لِما أراه وأحسّه من معاناة يوميّة لدى المواطن العربي، بين المحيط والخليج، على أيدي هؤلاء المتسلّطين".
الظلّ والحَرور (ديوان-1975)واحة في التيه (ديوان-1977)ثآليل في جبهة السامريّ (ديوان-1985)أمواج بارِقيّة (ديوان-2001)الغيمة الباكية (رواية-1991)من قتل الرجلَ الغامض؟ (رواية-2003)خطّ اللقاء (مجموعة قصصية مشتركة-1988)لماذا يَكذب الجزّار؟ (مجموعة قصصية-1992)دموع ضرغام (مجموعة قصصية-1999)الجائزة الثانية في مسابقة تجمع شعراء بلا حدود، عن قصيدته" سفينة الضاد" (2008)المرتبة الثانية من جائزة مؤسسة البابطين للإبداع الشعري، في مسابقة الشهيد محمد الدرة (2001)، وقد كان يفترض أن يتسلم الجائزة من السفير السوري، بحسب تقاليد الجائزة، غير أن سفير نظام الأسد رفض أن يشارك في تكريمه، ولذلك تقدم بدلا منه سفير المملكة الأردنية، وسلّمه الجائزة.
المرتبة الرابعة في جائزة نادي الطائف الأدبي للقصّة، عن قصته" أين السِرّ؟ "، (2001)توفي الأديب والمفكر عبد الله عيسى السلامة (أبو ياسر) فجر الجمعة 12 يونيو/حزيران 2026، في منفاه بالعاصمة الأردنية عمّان، عن 82 عاما، ونعاه العديد من الروابط والمؤسسات الأدبية، كما نعته جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، مشيدة بدوره الفكري والدعوي.
وكذلك تقدمت وزارة الثقافة السورية بالعزاء والمواساة إلى أسرة الفقيد ومحبيه، وإلى الأسرة الثقافية السورية والعربية، سائلةً الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يجزيه خير الجزاء عمّا قدّمه من عطاء أدبي وفكري.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك