رغم الضغوط البيعية القوية التي دفعت أسعار الذهب إلى خسائر حادة خلال الأشهر الأخيرة، لا يزال عدد من المحللين يتمسك بنظرة متفائلة تجاه المعدن النفيس على المدى الطويل، معتبرين أن التراجع الحالي قد لا يكون سوى تصحيح طبيعي ضمن دورة صعود أكبر لم تكتمل بعد.
وتستند هذه الرؤية إلى مقارنات تاريخية تشير إلى تشابه لافت بين أداء الذهب الحالي وأحد أقوى الأسواق الصاعدة التي شهدها المعدن في سبعينيات القرن الماضي، ما يفتح الباب أمام توقعات باستمرار الاتجاه الصعودي خلال السنوات المقبلة رغم التقلبات الراهنة.
ومن جانبه، قال جيف كلارك، مؤسس منصة" ذا جولد أدفايزر" المتخصصة في أسواق المعادن الثمينة، إن التراجع الحالي في أسعار الذهب يتطابق بدرجة كبيرة مع التصحيح الذي شهده المعدن خلال السوق الصاعدة الشهيرة في سبعينيات القرن الماضي، والتي انتهت لاحقا بواحدة من أكبر موجات الارتفاع في تاريخ الذهب.
وأوضح كلارك أنه أجرى مقارنة إحصائية بين دورة الصعود الحالية للذهب والدورة التي امتدت بين عامي 1976 و1980، مشيرا إلى أن معامل الارتباط بين الفترتين بلغ نحو 95%.
وأضاف أن هذا المستوى المرتفع من التشابه يشير إلى أن التصحيح الحالي قد يكون جزءا طبيعيا وصحيا من مسار صعود أكبر لا يزال مستمرا، لافتا إلى أن استمرار هذا النمط التاريخي قد يمنح الذهب مساحة واسعة لتحقيق مكاسب إضافية خلال السنوات المقبلة.
وبحسب تقديراته، فإن استمرار حركة الأسعار وفق المسار التاريخي نفسه قد يتطلب ارتفاع الذهب إلى ما يقرب من ثلاثة أضعاف مستوياته الحالية حتى يعادل حجم الصعود الذي تحقق خلال سوق السبعينيات الصاعدة.
وتأتي هذه التوقعات الإيجابية في وقت يواجه فيه الذهب واحدة من أصعب فتراته منذ سنوات، إذ تحول أداء المعدن النفيس إلى المنطقة السلبية خلال العام الجاري بعد تسجيله مستوى قياسيا تاريخيا عند 5600 دولار للأوقية في يناير الماضي.
وتسارعت وتيرة التراجع خلال الأيام الأخيرة عقب كسر الأسعار أحد أبرز مستويات الدعم طويلة الأجل والمتمثل في المتوسط المتحرك لـ200 يوم، ما عزز موجة البيع في الأسواق.
وخسر الذهب نحو 8% من قيمته خلال أقل من أسبوع، لترتفع خسائره إلى نحو 25% مقارنة بالقمة التاريخية المسجلة مطلع العام.
ويتداول المعدن النفيس حاليا قرب مستوى 4200 دولار للأوقية، بعدما تعرض لضغوط بيعية قوية دفعت الأسعار إلى أدنى مستوياتها في عدة أشهر، وسط استمرار المخاوف المرتبطة بالتضخم واتجاهات أسعار الفائدة الأمريكية.
هل يمثل التراجع الحالي أزمة استثنائية؟ورغم حدة الخسائر الأخيرة، يرى كلارك أن ما يشهده الذهب لا يزال ضمن الحدود التاريخية للتصحيحات الكبرى التي مرت بها السوق في دورات سابقة.
وأشار إلى أن المعدن النفيس فقد نحو 25% من قيمته مقارنة بذروة يناير الماضي، إلا أن هذه النسبة تبقى أقل من التصحيح الذي شهده الذهب خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008، عندما تراجعت الأسعار بنحو 30% قبل أن تستأنف مسارها الصاعد لاحقا.
وقال الدكتور وليد فاروق، مدير مرصد الذهب للدراسات الاقتصادية، إن السوق المحلية ما زالت تحتفظ بجزء من مكاسبها منذ بداية العام رغم التراجع الحاد الذي شهدته الأسعار العالمية، مدعومة بتحركات سعر الصرف وارتفاع تكاليف الاستيراد والتصنيع.
وأضاف أن الضغوط الحالية على الذهب ترتبط بشكل أساسي بارتفاع التضخم الأمريكي وقوة الدولار وتراجع احتمالات خفض أسعار الفائدة، في حين تواصل مشتريات البنوك المركزية العالمية توفير دعم طويل الأجل للمعدن النفيس.
وأضاف فاروق- خلال تصريحات لـ" صدى البلد"، أن سعر جرام الذهب عيار 24 سجل نحو 7154 جنيها، وسجل جرام الذهب عيار 18 نحو 5366 جنيها، فيما بلغ سعر الجنيه الذهب نحو 50080 جنيها.
وأوضح أن أسعار الذهب كانت قد تراجعت بنحو 25 جنيها خلال تعاملات أمس الجمعة، حيث افتتح سعر جرام الذهب عيار 21 التداولات عند مستوى 6270 جنيها واختتمها عند مستوى 6245 جنيها، في حين استقرت الأوقية العالمية قرب مستوى 4219 دولارا مع نهاية تعاملات الأسبوع.
وأضاف أن موجة التراجع الأخيرة قلصت مكاسب الذهب بالسوق المحلية منذ بداية العام إلى نحو 430 جنيها للجرام بنسبة 7.
4%، بينما سجلت الأوقية العالمية خسائر تقدر بنحو 99 دولارا وبنسبة 2.
3% منذ بداية العام الجاري.
ورغم تراجع الأسعار العالمية، حافظت السوق المحلية على جزء من مكاسبها منذ بداية العام بدعم من تحركات سعر الصرف وارتفاع تكلفة الاستيراد والتصنيع.
وأشار إلى أن الأسواق شهدت خلال الأسبوع الماضي حالة من التذبذب الحاد، حيث ارتفعت أسعار الذهب في بداية الأسبوع مدعومة بتزايد المخاوف الجيوسياسية في الشرق الأوسط وتصاعد التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، قبل أن تتراجع بقوة عقب صدور بيانات التضخم الأمريكية التي جاءت أعلى من توقعات الأسواق.
وأظهرت بيانات مؤشر أسعار المستهلكين الأمريكي لشهر مايو ارتفاع التضخم السنوي إلى 4.
2%، في حين ارتفع مؤشر أسعار المنتجين بنسبة 1.
1% على أساس شهري و6.
5% على أساس سنوي، وهو ما عزز توقعات المستثمرين باستمرار أسعار الفائدة الأمريكية عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.
وأوضح فاروق أن ارتفاع التضخم دفع الأسواق إلى إعادة تسعير توقعاتها للسياسة النقدية الأمريكية، الأمر الذي انعكس في ارتفاع الدولار وعوائد سندات الخزانة الأمريكية، وزيادة الضغوط على الذهب باعتباره أصلا لا يدر عائدا.
وأضاف أن تقديرات الأسواق تشير إلى تراجع احتمالات خفض أسعار الفائدة خلال الاجتماعات المقبلة للاحتياطي الفيدرالي، مع تنامي الرهانات على استمرار السياسة النقدية المتشددة حتى نهاية العام، وهو ما يمثل أحد أبرز العوامل الضاغطة على أسعار الذهب خلال الفترة الحالية.
وأكد أن الطلب الرسمي من البنوك المركزية العالمية لا يزال يمثل أحد أهم عوامل الدعم طويلة الأجل للمعدن النفيس، حيث أظهرت بيانات مجلس الذهب العالمي ارتفاع صافي مشتريات البنوك المركزية إلى 244 طنًا خلال الربع الأول من عام 2026، وهو ما يعد من بين أعلى مستويات الطلب الرسمي المسجلة خلال السنوات الأخيرة، مع استمرار العديد من الدول في تعزيز احتياطياتها الذهبية ضمن استراتيجيات تنويع الأصول وتقليص الاعتماد على العملات الأجنبية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك