عمان - لم تكن لحظة عادية تلك التي شاهد فيها الأردنيون علم وطنهم يرفرف بين أعلام المنتخبات الـ48 المشاركة في نهائيات كأس العالم 2026، بل كانت لحظة كتبت بحروف من فخر واعتزاز في سجل الوطن، وأعادت إلى الأذهان عقوداً طويلة من الأحلام والانتظار والمحاولات التي امتدت قرابة أربعين عاماً، منذ المشاركة الأولى للمنتخب الوطني في تصفيات كأس العالم العام 1985.
اضافة اعلانفي طابور عرض المنتخبات المشاركة خلال افتتاح مونديال كأس العالم 2026 بالمكسيك مساء الخميس الماضي، ارتفع العلم الأردني عاليا للمرة الأولى في تاريخ المونديال، فتوقفت الكلمات أمام المشهد، وامتزجت دموع الفرح بمشاعر الاعتزاز الوطني، ومن الأردن إلى مختلف بقاع العالم، كان الأردنيون يرددون بصوت واحد ومن القلب: “علا علم بلادي وعلا”، وكأن الأغنية الوطنية الشهيرة تحولت إلى نشيد جماعي لملايين الأردنيين الذين عاشوا لحظة تاريخية طال انتظارها.
مشهد يصعب على ريشة فنان مهما بلغت مهارته أن تجسد تفاصيله، فهنا وطن بأكمله يحتفل بحلمه الذي أصبح حقيقة، وهنا شعب التف حول رايته وقيادته الهاشمية وجيشه وأجهزته الأمنية ومنتخبه الوطني، في لوحة وطنية زاهية بألوان الوفاء والانتماء.
واليوم، وبعد أن أصبح الحلم واقعاً، يقف موسى التعمري ورفاقه على أعتاب كتابة فصل جديد من التاريخ الأردني في المحفل الكروي الأكبر على مستوى العالم.
ففي الوقت الذي تستعد فيه الولايات المتحدة الأميركية لاستضافة مباريات البطولة، تستعد معها قلوب الأردنيين في الداخل والخارج لمساندة منتخبهم الوطني، في أول ظهور مونديالي.
ومع بدء العد التنازلي لمواجهة النمسا، في افتتاح مشوار النشامى ضمن منافسات المجموعة العاشرة التي تضم أيضاً حامل اللقب الأرجنتين والجزائر، تتجه الأنظار إلى هذا الجيل الذهبي الذي أعاد رسم ملامح الكرة الأردنية، ونجح في تحقيق ما عجزت عنه أجيال متعاقبة طوال أربعة عقود.
ولم يكن وصول النشامى إلى هذه اللحظة التاريخية وليد الصدفة، بل جاء ثمرة رحلة طويلة وشاقة بدأت في العام 2023 ضمن التصفيات الآسيوية المؤهلة إلى كأس العالم 2026، بقيادة المدير الفني المغربي حسين عموتة.
استهل المنتخب مشواره بالتعادل مع طاجيكستان (1-1)، قبل أن يتعرض لخسارة أمام السعودية (0-2)، لكنه سرعان ما استعاد توازنه بفوز على باكستان (3-0) في إسلام أباد، ثم اكتسحها في عمّان بسبعة أهداف دون رد، ليواصل تقدمه بثقة نحو الأدوار الحاسمة.
وبعد انتصار مهم على طاجيكستان (3-0)، حسم المنتخب تأهله إلى الدور التالي قبل جولة من النهاية، ثم أكد جدارته بالفوز على السعودية في الرياض (2-1)، لينهي الدور الثاني متصدراً مجموعته برصيد 13 نقطة.
ومع تسلم المدرب المغربي جمال السلامي المهمة الفنية خلفاً لعموتة، دخل المنتخب المرحلة الحاسمة من التصفيات بطموحات كبيرة، وسط قناعة متزايدة بأن الحلم المونديالي أصبح أقرب من أي وقت مضى.
وفي الدور الثالث، تعادل النشامى مع الكويت (1-1)، ثم تفوقوا على فلسطين (3-1)، قبل خسارة أمام كوريا الجنوبية (0-2).
لكن المنتخب رد بقوة على تلك “الكبوة”، عندما أمطر شباك سلطنة عُمان بأربعة أهداف نظيفة، ثم عاد بنقطة ثمينة من البصرة بعد التعادل مع العراق دون أهداف.
ومع انطلاق مرحلة الإياب، واصل المنتخب عروضه المميزة، فتعادل مع الكويت خارج أرضه، وجدد فوزه على فلسطين بالنتيجة ذاتها (3-1)، قبل أن يحقق تعادلاً تاريخياً مع كوريا الجنوبية في سيؤول (1-1)، في إحدى أهم محطات التصفيات.
وجاءت اللحظة المفصلية في مسقط، عندما قدم النشامى عرضاً استثنائياً وهزموا سلطنة عُمان بثلاثية نظيفة حملت توقيع علي علوان، فيما كانت الجماهير الأردنية تتابع بلهفة نتيجة مواجهة العراق وكوريا الجنوبية.
وفي تلك الليلة التي ستظل محفورة في الذاكرة الوطنية، فازت كوريا الجنوبية على العراق (2-0)، ليُعلن رسمياً تأهل المنتخب الوطني الأردني إلى كأس العالم للمرة الأولى في تاريخه، ولتنطلق الأفراح في جميع محافظات المملكة، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب.
واليوم، يقف النشامى بين كبار العالم، فيما يقف خلفهم ملايين الأردنيين في الملاعب الأميركية، وخلف الشاشات في الأردن وفي مختلف قارات العالم، يرفعون العلم الأردني بفخر، ويشدون أزر اللاعبين بالدعوات والهتافات والأغنيات الوطنية، التي تتغنى بحب الوطن والقيادة الهاشمية.
إنها ليست مجرد مشاركة كروية، بل قصة وطن آمن بحلمه حتى تحقق، وقصة جيل من اللاعبين حمل طموحات شعب بأكمله إلى أكبر مسرح كروي في العالم.
ومع اقتراب صافرة البداية أمام النمسا، تبدو القلوب الأردنية على قلب رجل واحد، فيما تتوحد الحناجر خلف النشامى مرددة: “علا علم بلادي وعلا.
”، لتصبح هذه الكلمات عنوان مرحلة جديدة من تاريخ الأردن الرياضي، وعنواناً لحكاية وطن نجح أخيراً في إيصال رايته إلى حيث تستحق أن تكون بين كبار العالم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك