تجاوزت الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران حدود العقل والمنطق، وكأننا نعيش مسرحية هزلية، وفيلم هوليودى «محبوك»، وحاجة فى نفس أمريكا وإسرائيل باتت معلومة ومكشوفة، فالاتفاق الذى يتأرجح يومياً وربما على مدار ساعات ما بين الاقتراب والابتعاد وما بين التفاؤل والتشاؤم، بين الحرب واللاحرب والسؤال فى هذا المشهد الضبابى والغامض: من يدفع الثمن جراء هذه المهزلة والمقامرة بمعاناة دول المنطقة وشعوبها بل دول العالم، فى ظل حالة الاقتصاد العالمى التى تشهد مؤشرات وتراجعاً خطيراً ينعكس على كل الدول غنية ونامية.
تضع الحرب أوزارها أحياناً، ثم تقرع طبول الحرب تارة أخري، ثم يتفاجأ الجميع بهجمات صاروخية وقصف جوى ثم يخرج الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ليزف إلى العالم اقتراب الاتفاق خلال يومين أو ثلاثة، وأنه حقق النصر المبين وأنه قضى على إيران، وبين هذا وذاك هناك دول تدفع الثمن.
وشعوب تتألم، وكأنه أمر مرسوم ومخطط وممنهج، طبقاً للمخطط الصهيوني، أو الصهيو – أمريكى الذى فضحه الكثيرون خاصة الذين شاركوا فى مفاوضات ما قبل الهجوم على إيران، وأكدوا أن النتائج كانت مبشرة وجيدة، وعندما اندلعت الحرب كشفوا الحقيقة واتهموا أمريكا وإسرائيل بأن أهدافهما ليست فى إسقاط النظام الإيرانى أو القضاء على البرنامج النووى ولكن الهدف هو إعادة تشكيل المنطقة العربية، سيراً وراء أوهام الكيان الصهيونى فى رسم شرق أوسط جديد وإعلان إسرائيل الكبرى وهو ما بات واضحاً الآن على أرض الواقع، فالمتضررون الأكثر دفعاً للثمن هم العرب، خاصة دول الخليج الشقيق التى لا ناقة لها ولا جمل فى حرب عبثية، وهجمات إيرانية مجرمة على قدسية السيادة والأراضى الخليجية واستهداف الثروات والمقدرات والبنى التحتية والمطارات والمنشآت النفطية وهى جل قوة الخليج.
لم يكد ينتهى العدوان الصهيونى على قطاع غزة فى أكتوبر الماضى وإن كانت إسرائيل مازالت تحاصر وتستهدف الأبرياء من الشعب الفلسطينى إلا واندلعت الحرب الصهيو – أمريكية على إيران، وبات العالم يئن ويصرخ ويتألم بعد إغلاق مضيق هرمز وتعطل ناقلات النفط وهو ما يمثل مرور أكثر من 20 ٪ من نفط دول العالم، وتأثر الملاحة والتجارة العالمية وارتفاع أسعار النفط والغاز، وبالتالى ارتفاع الأسعار ومعدلات التضخم فى دول المنطقة والعالم، والخطير أيضاً، فبعد إغلاق باب المندب خلال العدوان الصهيونى على قطاع غزة ومشاركة جماعة الحوثى فى استهداف الكيان، عاد الحوثيون من جديد يهددون بإغلاق باب المندب وكأننا نعيش كابوساً أو مسرحية سخيفة يتلاعب فيها أطراف الصراع بمقدرات دول وشعوب المنطقة والاقتصاد العالمى ربما يغلق فى وقت متزامن مضيق هرمز وباب المندب ليزداد الطين بلة، ويتعالى الألم والصراخ وترتفع فواتير التداعيات إلى أرقام فلكية والسؤال وربما يكون طرحاً خيالياً لكن بات كل شيء وارداً، هل هناك اتفاق بين أطراف الحرب على قطاع غزة «حماس» وتل أبيب، وهل هناك اتفاق بين أطراف الحرب على إيران للاضرار واستنزاف دول أخرى بشكل مقصود ومتعمد ومخطط لتعطيل مسيرة النمو والتنمية التى تشهدها، وتنامى القدرات والصعود الاقتصادى أم أن حديثنا عن هذه النقطة محض خيال، الأرقام تشير إلى خسائر فادحة، فمصر وبسبب تأثر قناة السويس فقدت 10 مليارات دولار من عوائد وإيرادات القناة، بسبب إغلاق باب المندب ثم مضيق هرمز، ولم تعد حركة مرور السفن فى القناة كعادتها وكانت تنتظر أرقاماً غير مسبوقة تصل إلى 11مليار دولار سنوياً وأكثر من إنشاء قناة السويس الجديدة، فمن يدفع ثمن هذه التداعيات الخطيرة ومن يتحمل تبعاتها الاقتصادية، وهل تدرى ماذا يعنى أن تخسر دولة 10 مليارات دولار وأهمية هذا الرقم فى مسيرة البناء والتنمية؟ !قلت إن هذا الصراع الأمريكى – الإيرانى المتأرجح بين الحلول والعقد، بين الاتفاق واللااتفاق واستمرار الوضع على ما هو عليه دون تعثر أمر بالغ الخطورة على كافة الأصعدة خاصة الصعيد الاقتصادي، لكن من الواضح أن دول العرب والخليج ومصر هم من يدفعون الثمن وهو ما يثير الكثير من التساؤلات خاصة إذا عدنا إلى أهداف الحرب غير المعلنة فى إعادة تشكيل المنطقة العربية.
فالخليج الشقيق يفقد صادراته النفطية، وتدمير مقدراته ومنشآته للطاقة، وبناه التحتية بفعل الاستهداف الإيرانى الذى يتذرع بأنه يستهدف القوات الأمريكية، ولعل استهداف الأردن والبحرين والكويت مؤخراً دليل واضح على استمرار النظام الإيرانى فى غيه بعد مروحية الطائرة الأباتشى الأمريكية التى قالت واشنطن إنها سقطت بضربة إيرانية، لذلك قامت بشن هجوم على أهداف إيرانية فى جزيرة قشم وبندر عباس وسيريك وميناب وردت طهران ليست على إسرائيل أو القوات الأمريكية التى تفرض حصاراً بحرياً على موانيها، ولكن على دول عربية هى الأردن والبحرين والكويت وهو أمر يثير الكثير من علامات الاستفهام واستمرار الوضع بهذا الشكل فى ظل غياب وجود أفق للحل والاتفاق، فإن الثمن الاقتصادى الذى تدفعه دول الخليج ومصر وغيرها من دول المنطقة العربية أيضاً يثير علامات استفهام وكأنه أمر مقصود، من أجل الاستنزاف وتعطيل مشروع البناء والتقدم ومحاولات لإثارة الشعوب وتحريضها مع ارتفاع أسعار النفط، وبالتالى زيادة أسعار السلع والخدمات، فهل نحن أمام مخطط مرسوم يستهدف مصر وأشقاءها فى دول الخليج ومحاولة استنزاف للموارد والثروات أو توريط أطراف غريبة فى الحرب العبثية، وهل مراسيل ورسائل الاتفاق تصل بالحمام الزاجل وعلى أى شيء يراهن ترامب وحليفه نتنياهو، الذى يواصل تدمير لبنان ويصر على استمرار هذا الصنع مع إيران لمزيد من الخسائر للعرب ورغبة فى إحداث فتنة وتوريط وهو المستفيد، هل يتعلق الأمر بنتنياهو نفسه ورغبته فى العيش على الصراعات من أجل مكاسب شخصية، وهل تنتهى هذه الحرب أم تستمر، وماذا سيكون الوضع والمشهد عقب انتهائها، ومن يلجم جماح ترامب ونتنياهو؟الحقيقة الراسخة، أن مصر دولة مستهدفة لكنها قوية وقادرة على الصدام المباشر أو خوض حرب معهما، لذلك دأبت قوى الشر على مخططات بديلة مثل الإرهاب والأكاذيب والشائعات والحصار الاقتصادى ومحاولات للاستنزاف لكن ذلك لن يفلح.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك