خلال صيف عام 1975 اجتمع قادة 35 دولة في العاصمة الفنلندية هلسنكي لتوقيع ما عُرف لاحقاً بـ" اتفاق هلسنكي"، في واحدة من أهم محطات الحرب الباردة.
ظاهرياً، بدا الاتفاق انتصاراً استراتيجياً للاتحاد السوفياتي، إذ حصل على اعتراف غربي ضمني بالحدود التي فرضها بعد الحرب العالمية الثانية وبنفوذه في أوروبا الشرقية، مقابل تعهدات تتعلق بالتعاون الاقتصادي واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية.
في حينه، اعتقد كثير من المراقبين بأن الغرب قدّم تنازلاً تاريخياً لموسكو مقابل خفض التوتر النووي.
لكن ما حدث لاحقاً كان مختلفاً تماماً، فقد تحولت البنود المتعلقة بالحريات وحقوق الإنسان إلى أداة ضغط داخلية استخدمها المعارضون في الكتلة الشرقية لمساءلة الأنظمة الشيوعية، مما أسهم تدريجاً في إضعاف شرعيتها وفتح الطريق أمام التحولات الكبرى التي انتهت بسقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي نفسه.
ولذلك يتحدث المؤرخون حتى اليوم وفق المجلس الأطلسي عن" أثر هلسنكي" بوصفه مثالاً لاتفاق صُمم لتثبيت نظام قائم، فانتهى إلى تسريع تغييره.
هذا السياق التاريخي هو ما استحضره مدير قناة" العربية" رئيس تحرير صحيفة" الشرق الأوسط" اللندنية سابقاً الكاتب السعودي عبدالرحمن الراشد عند قراءته للتفاهمات المسربة بين واشنطن وطهران.
فالمفكر السعودي يرى أن" في الاتفاق المسرّب رائحة اتفاق هلسنكي عام 1975"، ليس بسبب تطابق التفاصيل، بل بسبب التشابه الهيكلي في الفكرة الأساسية، تجميد الصراع بدلاً من حسمه.
ففي الحالتين تسعى واشنطن إلى منع مواجهة مفتوحة طويلة الكلفة، بينما تحصل القوة المقابلة على اعتراف ضمني بنفوذ أو واقع سياسي قائم.
لكن المقارنة لا تخلو من الفوارق الجوهرية، فالاتحاد السوفياتي كان قوة عظمى تملك كتلة جغرافية وسياسية مستقرة نسبياً، بينما تواجه إيران اليوم ضغوطاً عسكرية واقتصادية وأمنية غير مسبوقة، إضافة إلى شبكة من الأزمات الداخلية والإقليمية، على رغم أذرعها التي أثبتت فاعليتها في الحرب حتى مع خسائرها المتراكمة بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول).
ومع ذلك، ثمة تشابه مهم يتمثل في أن أي اتفاق مرتقب قد يمنح طهران اعترافاً ضمنياً بدورها الإقليمي مقابل التزامات تتعلق بالملف النووي والملاحة والأمن الإقليمي.
تشير مسودة مذكرة التفاهم المتداولة بين الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق مرحلي يهدف إلى احتواء التصعيد وتهيئة الأرضية لتسوية أشمل خلال 60 يوماً.
وبحسب مسؤول إيراني تحدث إلى" رويترز"، تتعهد طهران بإعادة فتح مضيق هرمز فوراً أمام الملاحة التجارية، مقابل رفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية بصورة تدريجية خلال شهر.
كما تنص المسودة على تجميد أية عقوبات أميركية جديدة، والسماح لإيران باستئناف جزء من صادراتها النفطية، والإفراج عن 25 مليار دولار من أصولها المجمدة، تمهيداً لمفاوضات أوسع حول رفع العقوبات وإعادة الإعمار.
وفي الملف النووي، توافق إيران على عدم إنتاج أو حيازة سلاح نووي، مع الإبقاء على الوضع الراهن لبرنامجها النووي خلال الفترة الانتقالية، بما يشمل وقف التخصيب الإضافي وعدم توسيع المنشآت القائمة.
وفي المقابل، توافق واشنطن على مناقشة آليات التعامل مع مخزون اليورانيوم عالي التخصيب ومستقبل أنشطة التخصيب ضمن اتفاق نهائي يجري التفاوض عليه خلال الشهرين التاليين، مما يجعل المذكرة إطاراً موقتاً لخفض التوتر أكثر من كونها تسوية نهائية للخلافات بين الطرفين.
أما البند الأكثر خطورة بالنسبة إلى المفكر السعودي الراشد، فهو ما تسرب عن" اتفاق إقليمي بعدم الاعتداء"، مما قد يمنح أذرع طهران المزعزعة للاستقرار في المنطقة حصانة، يصعب التسليم بها إقليمياً.
من هنا يبرز السؤال هل سيكون الاتفاق المحتمل مكافأة لإيران أم بداية احتوائها؟في الحالة الإيرانية، قد يكون الرهان الأميركي مشابهاً إلى حد ما، فبدلاً من فشل السعي إلى إسقاط النظام أو تغيير سلوكه بالقوة، ربما تفضل واشنطن شراء الوقت ودمج إيران تدريجاً في ترتيبات إقليمية ودولية جديدة، على أمل أن تقود التحولات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية إلى تعديل سلوكها مستقبلاً.
وهو ما يلمح إليه المفكر السعودي حين يفترض أن المفاوضين الأميركيين قد يكون هدفهم" المهادنة وشراء الوقت"، انطلاقاً من قناعة بأن إيران ستتغير عاجلاً أم آجلاً.
لكن التاريخ يقدم تحذيراً موازياً أيضاً، فـ" أثر هلسنكي" لم يظهر بين ليلة وضحاها، بل احتاج إلى أكثر من عقد ونصف العقد قبل أن تتجلى نتائجه الكبرى.
كما أن نجاحه ارتبط بوجود تيارات إصلاحية ومجتمعات مدنية وحركات معارضة استطاعت استثمار بنود الاتفاق ضد الأنظمة الشمولية.
لذلك فإن إسقاط التجربة الأوروبية على إيران يظل افتراضاً نظرياً أكثر منه معادلة مؤكدة.
وفي سياق هذا النقاش حول مستقبل الأمن الإقليمي، أكدت الوزيرة المفوضة بوزارة الخارجية السعودية منال رضوان خلال مشاركتها في منتدى أوسلو 2026 أن" عقوداً من محاولات فرض الهيمنة الإقليمية فشلت، وخلّفت كلفة بشرية وسياسية واقتصادية باهظة على شعوب المنطقة"، مشددة على أن" الاستقرار الدائم لا يمكن تحقيقه من خلال الهيمنة أو فرض الأمر الواقع"، بل عبر" إطار للأمن الجماعي قائم على التعاون والشراكة واحترام سيادة الدول".
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)ودعت رضوان إلى" تعزيز المؤسسات الوطنية وحصر استخدام القوة بالجهات الحكومية الشرعية ومعالجة دور الجماعات المسلحة العاملة خارج هياكل الدولة"، مؤكدة أن" الأمن والاستقرار لا يمكن أن يأتيا على حساب السيادة أو حقوق الشعوب".
وأشادت في الوقت ذاته بالأدوار التي قامت بها الصين وسلطنة عمان والعراق في دعم التقارب السعودي- الإيراني، واصفة تلك الجهود بأنها" إسهام مهم في الاستقرار الإقليمي والحوار".
وتوثق الموسوعة البريطانية، أنه بعد اجتماع لوزراء الخارجية في هلسنكي في يوليو (تموز) عام 1973، اجتمعت لجان في جنيف لصياغة اتفاق، وهي عملية استمرت من سبتمبر (أيلول) 1973 إلى يوليو 1975.
وكان الاهتمام الرئيس للاتحاد السوفيتي ينصب على الحصول على اعتراف ضمني بهيمنته في فترة ما بعد الحرب في أوروبا الشرقية، من خلال ضمانات بحرمة الحدود وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
في مقابل اعترافهم الرسمي بذلك، ضغطت الولايات المتحدة وحلفاؤها في أوروبا الغربية على الاتحاد السوفياتي للحصول على التزامات في شأن قضايا مثل احترام حقوق الإنسان وتوسيع الاتصالات بين أوروبا الشرقية والغربية وحرية السفر والتدفق الحر للمعلومات عبر الحدود.
وعكست" الوثيقة الختامية" التي وُقِّعت في قمة هلسنكي، وجهتي النظر كلتيهما.
وبحكم الواقع، مثّل الاتفاق نهاية رسمية للحرب العالمية الثانية، إذ اعترف بجميع الحدود الوطنية الأوروبية (بما في ذلك تقسيم ألمانيا إلى دولتين) التي نشأت في أعقاب تلك الحرب.
في مناسبة مرور 50 عاماً على ذلك الاتفاق التاريخ، قبل نحو عامين، أعاد الأوروبيون تقييم تلك الخطوة، إذ لفت تقرير موسع لمركز الإصلاح الأوروبي إلى أن النتائج اللاحقة كانت مفاجئة للغرب نفسه، على رغم التسليم بمهارات الساسة الذين صاغوا بنوده، وعلى رأسهم وزير الخارجية الأميركي ذائع الصيت هنري كيسنجر.
وأشارت رضوان إلى أن الطبيعة الدولية في ذلك الحين، خلقت الفرص الجوهرية للتحولات التي حدثت بعد ذلك بسقوط جدار برلين، فقد" تجاوزت بنود حقوق الإنسان في وثيقة هلسنكي الختامية كونها نصوصاً نظرية، لتصبح العنصر الأكثر ديمومة وحيوية بفضل مناخ الانفراج الدولي الذي سمح بتوسيع التبادلات الثقافية والأكاديمية والإعلامية بين الغرب والاتحاد السوفياتي، مما أتاح لجيل جديد من الدبلوماسيين والباحثين والصحافيين الغربيين بناء جسور تواصل مباشرة مع جيل ناشئ من المعارضين السوفيات والمفكرين المستقلين في أوروبا الشرقية".
وهو ما قالت الوثيقة الأوروبية إنه مكّن أولئك المعارضين، على رغم قلة عددهم، من إحداث تأثير هائل عبر التغلغل في وعي النخبة الغربية، وتحويل الاتحاد السوفياتي وإمبراطوريته من كيانات مجردة إلى واقع ملموس خضع للمراقبة والتأثير عبر قنوات دبلوماسية غير رسمية.
لكن لدى إسقاط هذه النتائج على المجال الإيراني، في الداخل والمعارضة، فإن نقاطاً جوهرية كثيرة مغايرة، أهمها شخصية النظام الأيدولوجية بصبغته الدينية، وتهافت المعارضة في الخارج التي برهنت تطورات الحرب الحالية هشاشتها، لدرجة بات معها تأثير الداخلية التي نشأت في أعقاب مقتل مهسا أميني عام 2022 أشد منها وقعاً وأكثر زخماً، على رغم الضغط الأمني.
في غضون ذلك يصف المحللون الوضع الإقليمي الراهن بأن استمراره سيكون أسوأ من أي اتفاق مهما كان من دون الطموح، على رغم المقاربة الخليجية التي نجحت في الموازنة بين الدفاع والردع وتجنب الدخول في المواجهة المفتوحة مع إيران.
ويؤكد الأمين العام المساعد لمجلس التعاون الخليجي للشؤون السياسية والتفاوض عبدالعزيز العويشق أن اقتصادات دول المجلس تأثرت بصورة مباشرة، وبدرجات متفاوتة، بالأزمة.
ففي أكتوبر (تشرين الأول) عام 2025، توقع صندوق النقد الدولي معدلات نمو جيدة عام 2026 لبعض دول المجلس، تتجاوز ستة في المئة.
أما الآن، فيتوقع الصندوق انكماش بعضها بأكثر من ثمانية في المئة، تبعاً لمدى استمرار الإغلاق ومدى اعتماد كل دولة على الممر المائي لصادراتها.
وإضافة إلى انخفاض الصادرات أو توقفها، هناك الضرر المادي الناتج من الهجمات الإيرانية والضرر غير المرئي الناتج من ضياع الفرص، إذ يجري تأجيل قرارات الاستثمار أو إعادة تقييمها.
من جهته يصف المحلل السياسي السعودي سعد الحامد الصراع الراهن بين واشنطن وطهران بأن تعقيداته المختلفة، جعلت من مفاوضات التسوية" الأصعب في هذا القرن".
وأشار إلى أن الأسباب تعود للتوقعات الأولية بانهيار النظام الإيراني تحت ضربات التحالف الأميركي-الإسرائيلي، قبل أن تصدم بقدرة النظام على الصمود وتهديد الاقتصاد العالمي عبر حصار مضيق هرمز، مما أدخل المنطقة في حال معقدة من" لا سلم ولا حرب"، وحال عجز عن الوصول إلى سيناريو نهائي بسبب عدم الموثوقية بين الطرفين، وبروز أزمة بنيوية تتمثل في تباين مراكز القوى بين الحكومة والحرس الثوري والمتشددين، وغياب قيادة موحدة واضحة يمكنها اتخاذ القرار السياسي الحاسم".
ويؤكد الحامد أن" التباينات الداخلية الإيرانية" تُعد أساس المشكلة، إذ تتعدد الرؤى بين الأطراف المختلفة حول تقديم التنازلات، بخاصة في ظل الضغوط الاقتصادية الخانقة، ويضاف إلى ذلك دور الطرف الإسرائيلي الذي يسعى وفقاً للحامد إلى" إفساد أي اتفاق محتمل، رغبةً من نتنياهو في إطالة أمد الحروب".
ولا تُعدّ السعودية الدولة الأكثر تضرراً من إغلاق المضيق، نظراً إلى وجود قنوات تصدير أخرى عبر البحر الأحمر وشبكة واسعة من الطرق البرية.
ومع ذلك، تزدهر المملكة عندما ينمو الاقتصاد العالمي لأن حجم وقيمة صادراتها يعتمدان على الطلب العالمي القوي.
في وقت توشك الأطراف أن توقع على المسودة الأولى من الاتفاق الصعب الذي جرى الحديث عنه وفق إحصاء أحد المحللين نحو 80 مرة من جانب ترمب وإيران، تعود المسارات الدبلوماسية لمقترحات السعودية والخليج الأولى قبل الحرب، يوم نادت بتسوية تفاوضية لتجنب خسائر الحرب الباهظة، فقد تكبد الإقليم دماراً استنزافياً شمل دماراً واسع النطاق في إيران، وأكثر من 7000 هجوم صاروخي ومسيّر على دول الخليج.
ويضاف إلى ذلك الشلل التام لمضيق هرمز الذي عطل 13 مليون برميل نفط يومياً، فضلاً عن انكماش اقتصادي حاد وتهديد للأمن الغذائي العالمي.
وعلى رغم ذلك، يواجه الاتفاق عقبة بنيامين نتنياهو الذي قد يتنصل من التزام البند المتعلق بلبنان، إيثاراً لمصلحته السياسية في إدامة الحرب، ورفضاً لربط استراتيجي يراه معوقاً لأهدافه العسكرية.
وهكذا يبقى الدرس الأهم من هلسنكي أن الاتفاقات الكبرى لا تُقاس بما تمنحه للأطراف يوم توقيعها، وإنما بما تزرعه من تحولات بعيدة المدى.
فعام 1975 ظن السوفيات أنهم انتزعوا اعترافاً دائماً بنفوذهم، لكن الاتفاق نفسه أصبح لاحقاً جزءاً من البيئة السياسية التي انتهت بانهيار الاتحاد السوفياتي.
واليوم، وبينما تتشكل ملامح تفاهم جديد بين واشنطن وطهران، يبقى السؤال مفتوحاً، هل سيكون الاتفاق المرتقب شهادة بقاء لإيران، أم أنه قد يتحول بمرور الزمن إلى نسخة شرق أوسطية من" أثر هلسنكي" الذي غيّر وجه أوروبا؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك