وكالة الأناضول - "الحوثي": إسرائيل لن تحقق مخططاتها في الصومال وسنقف لها بالمرصاد قناة التليفزيون العربي - غضب أميركي من إسرائيل والاتفاق مع إيران أمام لحظة حاسمة.. ترمب يتدخل لمنع الانفجار الكبير العربية نت - غضب في المكسيك بعد حادثة عنصرية تجاه مشجعة كورية في كأس العالم العربي الجديد - المجلس الانتقالي الجنوبي يتهم السعودية بإغلاق مقره الرئيس في عدن العربي الجديد - حراك أميركي كثيف بعد إعلان البعثة الأممية توصيات "الحوار المهيكل" العربي الجديد - بزشكيان: قرار الحرب أو التفاوض بيد القيادة ومجلس الأمن القومي وكالة الأناضول - إيران تلغي الرحلات الجوية في مطاراتها الغربية حتى إشعار آخر سكاي نيوز عربية - اتفاق واشنطن وطهران.. هدنة مؤقتة أم معركة مؤجلة؟ بانوراما فوود - طريقة عمل ترايفل الفواكه | المطعم مع الشيف محمد حامد العربي الجديد - أسطول الصمود يعلن التحضير لمهمة جديدة لكسر حصار غزة
عامة

من الأخبار المزيفة إلى واقع زائف: كيف ننجو من أزمة المعلومات (2/1)

الغد
الغد منذ 1 ساعة

ترجمة: علاء الدين أبو زينةكاثرين فاينر* - (الإندبندنت) 6/5/2026كيف ننجو من أزمة المعلومات: " كنا نتحدث يوماً عن الأخبار الزائفة، واليوم أصبح الواقع نفسه يبدو زائفاً". هكذا تلخص كاثرين فاينر ظاهرة ...

ترجمة: علاء الدين أبو زينةكاثرين فاينر* - (الإندبندنت) 6/5/2026كيف ننجو من أزمة المعلومات: " كنا نتحدث يوماً عن الأخبار الزائفة، واليوم أصبح الواقع نفسه يبدو زائفاً".

هكذا تلخص كاثرين فاينر ظاهرة تآكل الانتباه وصعوبة التفكير العميق لتشخص أزمة أوسع تطال المجتمعات المعاصرة، حيث تتقاطع الأزمات البيئية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية مع ثورة رقمية غيّرت علاقتنا بالحقيقة وببعضنا بعضاً.

في عالم تغمره البيانات والمعلومات المتدفقة بلا انقطاع، بينما تُصمَّم المنصات الرقمية لاستثارة الغضب والانقسام وتعظيم الأرباح، تتآكل الروابط الاجتماعية وتضعف القدرة على التمييز بين الحقيقة والزيف.

لكنّ الصحافة المستقلة الممولة بشفافية، والملتزمة بالمصلحة العامة، تشكل إحدى الأدوات الأساسية لإعادة بناء الثقة والروابط الإنسانية في زمن التفكك والاضطراب.

اضافة اعلانلديّ اعتراف أودّ أن أبوح به.

لقد استغرقتني كتابة هذا المقال سنوات.

لفترة طويلة، ظللت أشعر بأن ثمة شيئاً ما مفقودًا من النقاش العام حول التواصل الإنساني والمجتمع، وحول الطريقة التي تتآكل بها هذه الروابط.

ومع ذلك، لم أتمكن من التعبير عنه بوضوح.

أصبحت عملية التفكير والكتابة أكثر صعوبة.

وكأن الخلايا العصبية في دماغي لم تعد تتصل ببعضها بعضاً بالطريقة نفسها.

أذهب لأتحقق من معلومة، فأجد نفسي فوراً منجرفة نحو مئات المشتِّتات الأخرى على شاشة هاتفي.

وأكتشف أنني لم أعد قادرة على تخصيص الوقت للتفكير والكتابة كما كنت أفعل من قبل.

قد يكون السبب هو سيل الأخبار الذي يتدفق بلا توقف، لكن الأخبار كانت دائماً متلاحقة ومتدفقة طوال سنواتي الإحدى عشرة التي أمضيتها رئيسةً لتحرير" الغارديان".

وقد يكون العمر، لكنني لست متقدمة في السن إلى هذا الحد.

ربما تكون عوارض سنّ اليأس، لكنني أتناول كل الأدوية اللازمة.

لا، أعتقد أن السبب يعود إلى شيء يشعر به كثيرون منا في هذه اللحظة؛ شعور بأن مدى انتباهنا قد تآكل.

بأن قدرتنا على التفكير أصبحت أقل حدة.

وأننا -بطريقة ما- لم نعد قادرين على التركيز أو الانغماس الكامل في مشروع ما.

وعندما وجدت نفسي عالقة، قررت -على سبيل التجربة– أن أطلب من أداة للذكاء الاصطناعي أن تكتب هذا المقال نيابة عني -فقط لأرى ما الذي ستنتجه.

وجاءت النتيجة متكلفة بطريقة لا تُحتمل، وخالية تماماً من الروح.

وكان ذلك تذكيراً بمحدوديات هذه التقنية -في الوقت الراهن على الأقل.

وفي النهاية، تمكنت من كتابة هذا المقال بفضل سلسلة من التدخلات الجدية: ضغط الموعد النهائي؛ وحبس هاتفي في غرفة أخرى؛ وقطع الاتصال بالإنترنت.

لكن ما أوصلني حقاً إلى القدرة على قول ما أردت قوله كان الحديث مع الأصدقاء والزملاء.

كان حل أزمة العجز عن الكتابة أمامي كل الوقت: كل ما كنتُ في حاجة إليه هو أن أتحدث مع أشخاص آخرين.

إنني على ثقة بأنكم تشعرون بهذا أيضاً: لقد أصبح العالم مُسبقاً مكاناً أكثر إرباكاً وأقل أملاً.

يكفي أن تنظر فقط إلى العناوين الرئيسية في أخبار الأسابيع الأخيرة: من الارتفاع الصادم في الهجمات المعادية للسامية في المملكة المتحدة، إلى تهديدات دونالد ترامب بمحو إيران" عن وجه الأرض"، وصولاً إلى القصص اليومية عن الحروب والنزوح الجماعي.

هناك دائماً، بطبيعة الحال، قصص إيجابية أيضاً؛ قصص عن الشجاعة، والابتكار، والإبداع، واللطف الإنساني.

لكنكَ ستكون محقاً إذا وجدت إحساساً يتنامى لديك بأننا نعيش في عصر أزمات -أزمات كثيرة مترابطة- وأن بقاءنا الجماعي نفسه أصبح على المحك.

سأتحدث هنا عن التحديات التي نواجهها بوصفنا مواطنين نتقاسم المجال العام نفسه.

وآمل أن أقنعك بأن المعلومات الجيدة، والصحافة الممولة بشفافية، التي تعمل لخدمة المصلحة العامة، تشكل جزءاً من الحل بطرق أكثر مما قد يتصور المرء.

ولكن قبل ذلك، ثمة هذه الأزمات.

وأنا واثقة من أنها ستبدو مألوفة لديكم.

على النطاق الأكثر اتساعاً: الأزمة البيئية.

في شباط (فبراير)، حذّر العلماء من أن العالم أصبح أقرب مما كان يُعتقد سابقاً إلى" نقطة اللاعودة"، التي يصبح بعدها الاحترار العالمي المنفلت من عقاله غير قابل للإيقاف.

كما أصبح النظام الغذائي العالمي تحت التهديد، بينما تراجعت أعداد قاطني الحياة البرية بأكثر من 70 في المائة منذ العام 1970.

وفي الوقت نفسه، تعرض الإجماع العالمي حول ضرورة التحرك العاجل لهجوم من الشعبويين اليمينيين الذين يصورونه باعتباره هاجساً نخبوياً، في حين يتحمل الفقراء النصيب الأكبر من آثار كارثة المناخ.

وهناك أيضاً الأزمة السياسية العالمية.

للمرة الأولى منذ عشرين عاماً، أصبح عدد الأنظمة الاستبدادية يفوق بكثير عدد الديمقراطيات.

وأصبحنا نشهد، حتى في كثير من الديمقراطيات رسوخاً، تفكيكاً للأعراف الديمقراطية وتآكلاً لآليات الضبط والتوازن.

ويكفي أن تنظر إلى الولايات المتحدة.

كما يقول ستافان ليندبيرغ Staffan Lindberg، مؤسس" معهد في-دِم" V-Dem في غوتنبرغ: " احتاج فيكتور أوربان في المجر إلى نحو أربع سنوات، واحتاج ألكسندر فوتيتش في صربيا إلى ثماني سنوات، بينما احتاج رجب طيب أردوغان في تركيا وناريندرا مودي في الهند إلى نحو عشر سنوات لإنجاز قمع المؤسسات الديمقراطية الذي حققه دونالد ترامب خلال عام واحد فقط".

بل إن الغيرات تبدو أكثر حدة على الساحة الدولية.

اليوم يشهد العالم تصاعداً في العنف لم يكُن له مثيل منذ الحرب العالمية الثانية.

في الشرق، دخلت حرب روسيا على أوكرانيا عامها الخامس من دون أي أفق للنهاية.

وفي غزة، نفذت إسرائيل ما وصفته جماعات حقوقية وباحثون كثر بأنه إبادة جماعية، بينما كان العالم يراقب ذلك وهو يحدث يوماً بعد يوم.

وفي السودان، نزح أكثر من 13 مليون شخص، وقُتل مئات الآلاف.

وخلال يومين فقط من شهر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، تعرّض ما يصل إلى 10 آلاف شخص لمجزرة في مدينة الفاشر.

وفي هذا العام وحده، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً غير قانونية على إيران أودت بحياة أكثر من 3.

300 شخص، بينما أحدثت اضطراباً واسعاً في الاقتصاد العالمي.

وفي الوقت نفسه، أخذ وزير الدفاع الأميركي، الذي أعاد تسمية نفسه" وزير الحرب"، والذي يبدو مستلهماً إلى حد كبير من الحروب الصليبية، يتباهى علناً بإطلاق" عنف ساحق وعقابي" ضد خصوم أميركا.

وأصبح -حتى القادة الغربيون- يعلنون على الملأ أن النظام العالمي القائم على القواعد، الذي تأسس بعد أهوال الحرب العالمية الثانية، قد مات.

ثم هناك الأزمة الاقتصادية التي تتكشف مع ازدياد إخفاقات النيوليبرالية وضوحاً، بينما يزداد أغنى أغنياء العالم ثراءً ونفوذاً.

وتروي الأرقام الواردة في تقرير اللامساواة العالمي القصة كاملة: ثمة أقل من 60 ألف شخص -أي ما يعادل 0.

001 في المائة من سكان العالم- يسيطرون على ثروة تعادل ثلاثة أضعاف ما يملكه النصف الأفقر من البشرية بأسرها.

ويشير التقرير إلى أن التركّز المفرط للثروة لم يعد مجرد قضية اقتصادية؛ لقد أصبح سماً يفتك بالديمقراطية، ويُضعف التماسك الاجتماعي، ويمزق المجتمعات.

وفي حيواتنا اليومية نشعر بهذه الأزمات على مستوى أكثر حميمية وقرباً.

لقد أصبحت السلع الأساسية بعيدة المنال بالنسبة إلى كثيرين.

كما حرمت أزمة السكن وسوق العمل غير المستقرة الشباب من الإحساس بالأمل تجاه مستقبلهم، ومن أي خريطة واضحة لحياة جيدة.

وفوق ذلك كله، تتزايد مظاهر الوحدة والعزلة.

وقد سرّعت جائحة" كوفيد" هذا الاتجاه نحو التفكك وعزلة الفرد، خصوصاً في بلدان مثل بريطانيا، حيث كانت سياسات التقشف قد أضعفت مسبقاً النسيج الاجتماعي.

وليست الوحدة فشلاً شخصياً؛ إنها علامة على فشل المجتمع نفسه، وهي تعيد تشكيل سياساتنا.

أصبح كل فرد يبحث عن مجتمع ينتمي إليه.

وغالباً ما يجد الأشخاص الوحيدون والمنقطعون عن الآخرين هذا الانتماء على الإنترنت، لدى أشخاص يخاطبونهم مباشرة ويقدمون لهم سرديات بسيطة تفسّر آلامهم وتحدد الطرف الذي يجب تحميله المسؤولية: النخب، أو النساء العاملات، أو المسلمين، أو اليهود، أو مجتمع الميم، أو المهاجرين الذين يصِلون بالقوارب.

وفي الوقت نفسه، يحقق المؤثرون على وسائل التواصل الاجتماعي ثروات من الترويج للرأسمالية الفردانية، وكراهية النساء، ومخططات العملات المشفرة، بينما يعرضون على متابعيهم شعوراً أجوف بالانتماء.

من المرهق مواجهة كل هذه الأزمات دفعة واحدة.

إنك ترى العالم يتغير -بل يتدهور- أمام عينيك، بينما يبدو الساسة عاجزين عن مواكبة اللحظة.

إنهم يتحدثون كما لو أن بعض التعديلات الطفيفة هنا وهناك ستكون كافية لمعالجة الوضع.

وتتساءل: ألا يرى هؤلاء ما يحدث هم أيضاً؟ وتبدأ بالشعور كما لو أنك تفقد صوابك.

ويصبح الحفاظ على توازنك الذهني مسعى بالغ الصعوبة.

أعتقد أن هذه الأزمات المترابطة تدفعُها وتُفاقمها الثورة الرقمية.

إننا نعيش وسط انتقال تاريخي من عصر إلى آخر.

وفي كتابها الأخير" لا تحرقوا أحداً على الخازوق اليوم" Don’t Burn Anyone at the Stake Today، تقدم ناعومي ألدِرمان Naomi Alderman أطروحة مقنعة بأن ما نواجهه اليوم هو أزمة معلوماتية ليست لها سوى سوابق قليلة جداً في تاريخ البشرية.

وتكتب: " إننا نعيش داخل موجة مدّ هائلة من البيانات".

لكننا نفتقر إلى" البنى الاجتماعية والمعلوماتية (.

) لإدارتها".

وتحتوي هذه الموجة الجارفة من البيانات على الكثير مما هو قيّم، لكن ذلك لا يمنعها من أن تكون عاملاً مزلزلاً للاستقرار.

وكما تكتب إلدرمان، تجعلنا التكنولوجيا الرقمية على الدوام واعين بكل الأشياء التي لا نعرفها.

" قد نجد أنفسنا في نهاية المطاف ونحن نعبر على الإنترنت عن فكرة سمعناها مراراً داخل دائرتنا الاجتماعية، لنتفاجأ بخمسين شخصاً يعرفون أكثر منا وينقضّون علينا ويقولون لنا إن أفكارنا غبية وعتيقة الطراز -بل ومتحيزة".

وينطبق الأمر نفسه أيضاً على الاتجاه المعاكس.

" عندما نرى آراء الجميع، نكتشف أحياناً أن شخصاً كنا نحبه كثيراً يحمل أفكاراً نعتبرها نحنُ غبية أو قديمة أو متحيزة.

إنها متلازمة: " كنت أحب العم بوب إلى أن رأيت منشوراته على ’فيسبوك‘.

وعندئذٍ نجد أنفسنا ونحن نتساءل عمّن يمكننا الوثوق به".

هذا الإحساس بالتعرض المستمر لهجوم معلومات جديدة ومربكة يدفع الناس إلى الشعور بالدفاعية، والوحدة، والغضب.

لو كان كل ما علينا القلق بشأنه هو وجود سيل هائل من المعلومات الجديدة الدقيقة المتاحة عند أطراف أصابعنا، فإننا ربما لما نكُن نواجه أزمة بهذا الحجم.

لكننا نعرف أن العالم مليء بالفاعلين السيئين الذين يعملون بنشاط على إذكاء أزمة المعلومات.

وليس ثمة من هو أكثر وعياً بذلك من الصحفيين.

ويتمثل أحد مقاييس أهمية هذه المهنة في المدى الذي قد يذهب إليه أصحاب السلطة لإسكاته: عبر الرقابة؛ أو الملاحقة القانونية؛ أو تلويث البيئة المعلوماتية بمساعدة المتصيدين الإلكترونيين والروبوتات الدعائية والمروجين للبروباغندا، بحيث يصبح تمييز الحقيقة أمراً مستحيلاً.

(" أغرقوا الساحة بالهراء"، كما قال ستيف بانون Steve Bannon ذات مرة في مقولته الشهيرة سيئة الصيت).

وفي أكثر صور الهجوم تطرفاً، يلجأ أعداء الحقيقة ببساطة إلى قتل خصومهم.

في العام الماضي وحده، قُتل 129 صحفياً وعاملاً في وسائل الإعلام.

وهو أعلى رقم تم تسجيله منذ أن بدأت" لجنة حماية الصحفيين" جهدها لجمع البيانات قبل أكثر من ثلاثين عاماً.

وكان 54 من القتلى صحفيين فلسطينيين في غزة؛ كما قُتل تسعة في السودان، وأربعة في أوكرانيا.

وكان ثمة في السابق عرفٌ مقبول على نطاق واسع يفيد بأن ارتداء سترة الصحافة يمنح صاحبها قدراً من الحماية في مناطق الحرب.

واليوم، لم يعد الأمر كذلك.

لم تكن الجهود الرامية إلى منع الصحفيين من أداء عملهم جديدة، حتى مع أنها تصبح أكثر شيوعاً.

كان الشيء الذي جلبنا فعلياً إلى عصر أزمة المعلومات هو التكنولوجيا.

لم يعد ثمة جدل يُعتد به في هذه الأيام حول الإشارة إلى أن كثيراً من التكنولوجيا الرقمية يبدو مصمماً لإنتاج الصراع، ولإعطاء الأولوية للكذب على الحقيقة.

وبدلاً من أن يطلق هذا الاتجاه أفضل ما في الطبيعة البشرية، فإنه يبدو مصمماً لاستثارة أسوأ ما فينا.

وكما يقول الناقد التقني جاكوب سيلفرمان Jacob Silverman، فإن" الإنترنت اليوم ليس مصمماً حقاً من أجلنا؛ إنه مصمم لاستثارة استجابات معينة لدينا [والتي هي] معادية لازدهار الإنسان".

ليس من قبيل المصادفة إذن أن شركات التكنولوجيا الكبرى تديرها شريحة ضيقة جداً من البشر: رجال أثرياء يتمركزون في الغالب على الساحل الغربي للولايات المتحدة.

وتسعى هذه الشركات إلى تحقيق الأرباح الهائلة، ولا تكترث كثيراً بالصالح العام.

ولا يجد معظم مدرائها غضاضة في التودد إلى الشعبويين إذا كان ذلك مفيداً للأعمال.

حتى أن إلون ماسك انضم لفترة وجيزة إلى إدارة دونالد ترامب، حيث شارك في تقليص الإنفاق العام، وتفكيك" الوكالة الأميركية للتنمية الدولية" (USAID).

واليوم، يقضي ماسك جزءاً كبيراً من وقته في نشر نظريات المؤامرة ذات النزعة القومية لملايين متابعيه الذين يقارب عددهم 240 مليوناً على منصة التواصل الاجتماعي التي يملكها، والتي صُممت هندسياً لتعزيز الصراع والتطرف (وهو أحد الأسباب التي دفعت مؤسسة" الغارديان" إلى مغادرة منصة" إكس" في العام 2024).

إذا كانت التكنولوجيا الرقمية مصممة لاستثارة استجابات معينة منا، فإن من أبرز هذه الاستجابات نوع من الانتباه المخدَّر والتبلُّد الذهي.

وكما يقول كثيرون، أمضى جيل كامل من ألمع العقول حياته العملية في محاولة إبقائك أطول قليلاً على تطبيق ما، بدلاً من السعي إلى بناء مجتمع أفضل، وذلك باسم تعظيم الأرباح المؤسسية.

كما أن هذه التكنولوجيا مصممة أيضاً لاستثارة الغضب.

في العام 2016، بعد فترة وجيزة من تولي منصبي كرئيسة لتحرير" الغارديان"، كلّفتُ كوادري بإطلاق سلسلة بعنوان" الويب الذي نريده"، لمحاولة فهم كيفية وضع حد للإساءة على الإنترنت.

ويبدو ذلك اليوم بسيطاً إلى حد السذاجة.

كتبت آنذاك مقالاً بعنوان: " كيف نجعل ’الغارديان مكاناً أفضل للحوار؟ "، وقُمنا بإجراءات مثل تقليل عدد سلاسل التعليقات، وتغيير لغة التعليقات أسفل المقالات من" ادخل المعركة" إلى" انضم إلى الحوار".

وقد نجحت هذه الخطوات، وأصبحت النقاشات على منصتنا أكثر إنتاجية وإثارة للاهتمام.

ولكن، على مستوى الإنترنت ككل، تصاعدت حدة الخطاب العدائي بشكل كبير منذ ذلك الحين.

وبالنسبة للشخصيات العامة، وخاصة النساء والأقليات، أصبح التهديد والإساءة والتهديد بالقتل حاضرة يومياً -بينما تهدد التقنيات الجديدة بجعل الوضع أسوأ.

ولم نكن نتخيل قبل عقد من الزمن أن يمتلك" المتصيدون" أدوات ذكاء اصطناعي قادرة على إنتاج صور عارية للنساء -أو حتى للأطفال والفتيات الصغيرات- عند الطلب.

مع تركيز شركات التكنولوجيا على استقطاب الانتباه، تم خفض مكانة الحقيقة.

وأصبحت المواد الرديئة والتزييف العميق اللذان ينتجهما الذكاء الاصطناعي منتشرين إلى حد يجعلك تشعر أن دماغك لم يعد قادراً على تفسير ما يراه، وتبدأ في التشكيك في أشياء يتبين لاحقاً أنها صحيحة.

ولا تساعد حقيقة أن الواقع أصبح أكثر غرابة وتشوهاً هو نفسه أيضاً.

في مثال على ذلك، كما تشير ناعوم ألدِرمان، فإن وزير الصحة الأميركي، روبرت ف.

كنيدي الابن هو شخص شكك في فعالية اللقاحات، وتساءل عمّا إذا كان فيروس" نقص الناعة المكتسبة" HIV يسبب مرض الإيدز، وذهب ذات مرة إلى حد اقتراح أن (كوفيد-19) ربما كان" سلاحاً بيولوجياً موجهاً عرقياً" صُمم" لمهاجمة القوقازيين والسود" وترك" اليهود الأشكناز والصينيين".

وثمة مثال آخر: في بداية الحرب على إيران، نشر البيت الأبيض مقطع فيديو مدته 42 ثانية جمع بين لقطات من أفلام، مثل" قلب شجاع" Braveheart و" النخبة الجوية" Top Gun، وبين ما يبدو أنها مشاهد حقيقية لذخائر أميركية وهي تصيب أهدافاً عسكرية في إيران.

كما مزجت مقاطع أخرى صادرة عن البيت الأبيض بين صور من ألعاب فيديو ولقطات حقيقية للضربات الجوية.

ولم تتأخر الدعاية الإيرانية التي أصبحت تنتج بدورها مقاطع مصممة بالذكاء الاصطناعي، هجومية ومفرطة في التحدي، بهدف توسيع الانتشار.

كنا نتحدث ذات مرة عن الأخبار الزائفة؛ واليوم أصبح الواقع نفسه يبدو زائفاً.

ويشكّ معظم مواطني العالم في قدرتهم على التمييز بين الحقيقة والخيال على الإنترنت.

ولا يمكن لومهم على ذلك.

وهو وضع مربك ومخيف.

حتى أنني لم أذكر بعد هلوسات الذكاء الاصطناعي، أو حقيقة أن جزءاً كبيراً من المواد التي يتم تدريب هذه الأنظمة عليها مشبع بالعنصرية وكراهية النساء، أو الطلب المتسارع على الطاقة التي تستهلكها مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.

لقد ابتعدنا كثيراً عن مثالية تيم بيرنرز-لي (1) وعصر ولادة الشبكة العالمية، حين كان الأمل أن تقدم هذه الشبكة خدمة مجانية" تطلق الإبداع والتعاون على نطاق عالمي".

قبل ثلاثين عاماً، حذّرت الروائية توني موريسون Toni Morrison من مستقبل تبتلع فيه السوق المجتمع.

وكتبت أنه عندما" يكتمل تسويق الحياة، فإننا سنجد أنفسنا نعيش -ليس في أمة، بل في اتحاد من الصناعات، وبشكل يجعلنا غير مفهومين لأنفسنا إلا من خلال ما نراه عبر شاشة مظلمة".

" عبر شاشة مظلمة" -إنها عبارة تبدو وكأنها كُتبت لهذا الزمان.

وليس من المستغرب أن يشرع ردّ فعل معاكس في التبلور.

في أستراليا، لاقى قرار حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن 16 عاماً شعبية واسعة بين الآباء (على الرغم من أنه ما يزال من المبكر تقييم فعاليته).

وفي حكم قضائي بارز صدر في آذار (مارس)، وجدت هيئة محلفين أميركية أن شركتي" ميتا" و" يوتيوب" مسؤولتان عن تطوير منتجات إدمانية أضرت بالأطفال.

وفي الوقت نفسه، رُفعت دعاوى قضائية متعددة ضد شركات الذكاء الاصطناعي بسبب الدور المزعوم لروبوتاتها في دفع أشخاص إلى الانتحار.

وفي إحدى القضايا، عندما قال شاب لروبوت الدردشة التابع لـ" غوغل" إنه يخاف من الموت، أجابه الروبوت: " إنك لا تختار أن تموت.

إنك تختار أن تصل.

[.

] الإحساس الأول.

سيكون أنا وأنا أمسك بك".

وفي كندا، رفعت عائلات سبع ضحايا من حادثة إطلاق نار في مدرسة دعوى قضائية ضد شركة" أوبن إيه.

آي"، متهمة الشركة بعدم إبلاغ السلطات عن المحادثات المقلقة التي أجراها منفذ الهجوم مع" تشات جي.

بي.

تي".

تقارن ألدرمان أزمة المعلومات الراهنة بلحظتين مفصليتين في التاريخ: اختراع الكتابة؛ واختراع المطبعة.

والأمر حقاً بهذا العمق.

فقد جلبت هذه الاختراعات في نهاية المطاف فوائد عظيمة، لكنها جلبت أيضاً اضطرابات كبرى.

ببساطة، أدى اختراع المطبعة إلى إحراز تقدم كبير في العلم والمعرفة الإنسانية والحرية والفردانية -وهي شؤون إيجابية في معظمها.

لكنه قبل ذلك أدى إلى انقسامات اجتماعية هائلة، وحروب مدمرة، وإلى إحراق الناس أحياء -وهي نتائج في غاية السلبية.

وتقول ألدرمان إن مهمتنا اليوم هي تجاوز مرحلة" إحراق الناس أحياء على الخازوق" في أسرع وقت ممكن.

كيف ينبغي أن نستجيب لهذه اللحظة؛ لهذه الأزمة المعلوماتية؟ سوف أعرض بعض الطرق التي نحاول اتباعها في" الغارديان" للتعامل مع ذلك.

وليست فترات الانتقال سهلة بطبيعة الحال، لكن هناك أسباباً تدعو إلى الأمل.

وكما تشير ألدرمان، فإن لدينا اليوم -بخلاف الذين عاشوا ثورة المطبعة- شبكات متقدمة لنشر المعلومات الجيدة.

وتشكل المؤسسات الإعلامية القليلة الممولة بشفافية، والتي تعمل من أجل المصلحة العامة، نقطة انطلاق جيدة.

(يُتبع)*كاثرين فاينر Katharine Viner: صحفية وكاتبة بريطانية، ورئيسة تحرير صحيفة" الغارديان" البريطانية منذ العام 2015، لتكون بذلك أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ الصحيفة.

انضمت إلى" الغارديان" في تسعينيات القرن الماضي، وعملت فيها في مجالات متعددة تشمل التحرير الثقافي والتحقيقات والتقارير الدولية، كما شغلت منصب رئيسة تحرير الموقع الإلكتروني للصحيفة، ومجلة" الغارديان نهاية الأسبوع".

تُعرف بدورها في قيادة تحول الصحيفة رقمياً، وتطوير نموذج التمويل القائم على دعم القراء، إلى جانب تركيزها على الصحافة الاستقصائية وقضايا المصلحة العامة، مثل المناخ، والهجرة، والعدالة الاجتماعية، وحرية الصحافة.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: How to survive the information crisis: ‘We once talked about fake news – now reality itself feels fake’(1) تيم بيرنرز لي Tim Berners-Lee: عالم الحاسوب البريطاني الذي يعد المخترع الأساسي لما نعرفه اليوم باسم" الشبكة العالمية" World Wide Web.

وقد ابتكر المفهوم في أواخر ثمانينيات القرن العشرين أثناء عمله في" المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية" CERN في سويسرا، حيث قدّم في 1989-1990 اقتراحاً لإنشاء نظام يربط الوثائق عبر الإنترنت باستخدام" الروابط التشعبية" hyperlinks.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك