قناة القاهرة الإخبارية - خريطة طريق "العهد الجديد".. أبرز بنود الاتفاق بين واشنطن وطهران وكالة شينخوا الصينية - إسرائيل تسيطر على أجزاء من مجدل زون وتحاصر تلال "علي الطاهر" بجنوب لبنان وكالة شينخوا الصينية - عقد منتدى المضيق الـ18 في شيامن الصينية وكالة شينخوا الصينية - أسبوع الموضة في بلدية تيانجين بشمالي الصين العربي الجديد - تهاوي أسعار دواجن مصر... فرحة للمستهلكين وخسائر للمنتجين روسيا اليوم - رئيس الوزراء القطري: الدوحة ترحب بالتوصل لاتفاق حول مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران وكالة شينخوا الصينية - إسرائيل: قضينا على القيادي في حزب الله علي موسى دقدوق بهجوم نهاية الأسبوع الماضي العربي الجديد - ليبيا: مخاوف من عودة أزمة الكهرباء خلال الصيف قناة القاهرة الإخبارية - واشنطن وطهران.. بين جولات التصعيد والتفاوض | عرض تفصيلي مع سلمى مروان وكالة شينخوا الصينية - تظاهرة حاشدة في طوكيو ضد سياسات التوسع العسكري للحكومة اليابانية
عامة

مسارح الوهم: حين تشرذمت الخلافة في رقعة الأندلس

السوسنة
السوسنة منذ 3 ساعات
1

لم تكن الأندلس في خريف عهدها مجرد جغرافيا تنحسر أطرافها وتتآكل حدودها تحت ضربات القشتاليين، بل غدت مسرحاً لملهاة سياسية سوداء، تثير الشفقة وتُبكي عيون التاريخ بمرارةٍ وأسى. فبينما كانت سيوف النصارى تُ...

لم تكن الأندلس في خريف عهدها مجرد جغرافيا تنحسر أطرافها وتتآكل حدودها تحت ضربات القشتاليين، بل غدت مسرحاً لملهاة سياسية سوداء، تثير الشفقة وتُبكي عيون التاريخ بمرارةٍ وأسى.

فبينما كانت سيوف النصارى تُشحذ على الثغور الشمالية وتتحفز للوثوب، كان الداخل الأندلسي يموج بمخاض عبثي مرير، تفتتت فيه هيبة" إمارة المؤمنين" العريقة، وتحولت من رمز جامع لوحدة الأمة وسياج حياضها إلى ألعوبة بأيدي الطامحين من ملوك الطوائف، حتى غدت الخلافة مجرد قميص يرتديه كل مغامر ملَك بقعة أرض ضيقة، أو حشد خلفه بضعة رجال من المرتزقة والحشم.

وينقلنا الإمام الفيلسوف ابن حزم الأندلسي، وهو الشاهد العيان الذي اكتوى بنار تلك الفتنة العمياء وعاين سقوط الخلافة الأموية بقرطبة، إلى قلب ذلك المشهد التراجيدي، راصداً لوحة يمتزج فيها العجب بالخزي.

يروي ابن حزم، بنبرة تنضح بالحسرة والحرقة، كيف ضاقت الأرض بملوكها، وكيف استشرى داء التشرذم حتى اجتمع في صقع واحد من الأندلس الممزقة أربعة خلفاء دفعة واحدة، يدعي كل منهم لنفسه الطاعة المطلقة على المسلمين.

ولم يكن هذا التنافس المحموم قائماً بين قارات متباعدة أو أقاليم شاسعة تفصل بينها البحار، بل كانت مسرحية الخلافة الجوفاء تُعرض كاملة في رقعة جغرافية ضيقة للغاية لا تتجاوز مسافة السير فيها مسيرة ثلاثة أيام؛ وهي مسافة قصيرة وضئيلة بالعرف الجغرافي، لكنها كانت بالعرف السياسي كافية لتلد أربعة جيوش متناحرة، وأربعة منابر متصارعة، وأربعة ألقاب ضخمة ينادي أصحابها في الفراغ بلقب" أمير المؤمنين".

وفي إشبيلية، ارتفعت الستارة عن فصول المسرحية الأكبر والأشد إمعاناً في الوهم والتدليس؛ إذ تفتق ذهن القائمين على تدبير شؤون المعتضد بن عباد عن حيلة غريبة لشرعنة مُلكهم وتوسيع رقعة نفوذهم.

فأخرجوا للعامة رجلاً بائساً خامل الذكر يُدعى" خلف الحُصري"، كان يعمل في صياغة الحصر، وادعوا بهتاناً وزوراً أنه الخليفة الشرعي الغائب" هشام المؤيد بالله"، زاعمين أنه لم يمت بل كان متوارياً عن الأنظار، وذلك بعد مرور اثنتين وعشرين سنة كاملة على وفاة المؤيد بالله وتحلل جسده في ثرى قرطبة! ولأن تزوير التاريخ وصناعة الضلال يحتاجان إلى شهود يؤيدون الإفك، فقد سيق الخصيان ونساء القصر القدامى ليشهدوا زيفاً أمام الملأ على هذه الأعجوبة المفتعلة والكرامة المزعومة.

ورغم تهافت الرواية وسخفها البادي للعيان، إلا أن منابر إشبيلية وأعمالها اهتزت هزاً باسم هذا الخليفة المزور، وسُفكت في سبيل تثبيت هذا الكذب دماء غزيرة، وأُزهقت أرواح بريئة لم تكن تدري أنها تموت رخيصة في سبيل حارس من حراس الوهم وسدنة العروش المصطنعة.

ولم تكن بقية الحواضر الأندلسية المجاورة بمنأى عن هذا الجنون السياسي الذي ضرب العقول؛ ففي الجزيرة الخضراء، كان محمد بن القاسم يرى في نفسه الأحق دون غيره ببردة الخلافة ولقبها، فأقام لنفسه دولة داخل الدولة وامتنع عن طاعة جيرانه.

وعلى بعد فراسخ ضئيلة من ذلك المعقل، وتحديداً في حاضرة مالقة الساحلية، كان محمد بن إدريس يخطب لنفسه على المنابر بلقب إمارة المؤمنين، منافساً في الوقت ذاته وبضراوة ابن عمه إدريس بن يحيى بن علي، الذي فر من الصراع واتخذ من حصن" ببشتر" المنعزل في الجبال منبراً يطلق منه دعوته، ويردد ألقاب خلافته وصيحات سلطانه الموهوم.

إن هذه اللوحة القاتمة التي سطرها يراع ابن حزم بمداد الأسى، لم تكن مجرد رصد تاريخي لحدث عابر، بل هي وثيقة إدانة بليغة لشهوة السلطة عندما تعمي أبصار الرجال وتنزع البصيرة من قلوب الحكام.

فحين يتحول الوطن الأكبر إلى إقطاعيات صغيرة مستباحة للغزاة، وتصبح الخلافة العظمى مجرد رداء فضفاض ومبتذل يخلعه المغامرون على عروشهم الواهية المستندة إلى حماية النصارى، تسقط الهيبة في وحل الابتذال والضياع.

وأمام هذا العبث السياسي المتلاطم والأمواج العاتية من صناعة الوهم، لم يكن المجتمع الأندلسي بمعزل عن الشروخ العميقة والصدوع الفادحة التي أصابت قمة الهرم السلطوي؛ بل كانت العامة من أبناء الشعب هي الوقود المستعر الذي احترق بلا رحمة في أتون هذه الطموحات الزائفة والمطامع الطائشة.

فبين عشية وضحاها، وجد المواطن الأندلسي البسيط نفسه غريباً مستوحشاً في عقر داره، حائراً تائهاً بين منابر متناحرة تتنازع سمعه وبصره وعقله، وكل منها يطالبه بالسمع والطاعة والولاء المطلق، ويهدده بتهمة الخروج من ربقة الدين والمرق من الجماعة إن هو عصى أو تقاعس عن نصرة" خليفة الوقت" وإمام الزمان المزعوم.

وتحولت الأسواق والمساجد، التي كانت بالأمس القريب نوادي مشعة بالتدبير والعلم والحضارة، إلى ساحات مشحونة بالوجل والترقب، مستباحة بالشكوك والريبة؛ حيث غدا التفتيش في الضمائر والسرائر، والامتحان في الولاءات السياسية، هو الخبز اليومي الذي يتجرعه الناس بمرارة، وبات المرء يخشى أن يبوح باسم خليفة في أرض نفوذ خليفة آخر، فيدفع مهجته ورأسه ثمناً غالياً لزلّة لسان أو هفوة خاطر.

ولم يكن موقف الشعب الأندلسي من هذه الفوضى العارمة مجرد استسلام أعمى أو خنوع مألوف، بل تباينت مشاعره المحتقنة وتعمقت جراحه النازفة بين طائفتين من الناس.

طائفة انخرطت في غمرة الذهول والإنكار، حيث غلبت السخرية السوداء الممزوجة بالمرارة والحسرة على مجالس العامة وخاصتهم، فباتوا يتندرون في خلواتهم بألقاب ملوكهم وخلفائهم، الذين ادعوا الألقاب الضخمة العظيمة والنعوت الفخمة الجوفاء، مقابل جيوش هزيلة ودول كرتونية لا تملك من أمرها نفعاً ولا ضراً.

فكيف لعاقل لبيب أن يصدق أن رجلاً بائساً يخرج فجأة من غياهب النسيان والمجهول بعد عقدين من الزمان، ليُبايع في إشبيلية إماماً للمسلمين بشهادة الخصيان والنساء، بينما خصمه في مالقة يزعم أنه خليفة الله حامي الحِمى وناصر الدين؟ لقد أورثت هذه الادعاءات السمجة في نفوس العقلاء والمثقفين والمفكرين حالة من الاغتراب النفسي الحاد والتمزق الداخلي؛ فشعروا بمرارة أن دولتهم المجيدة التي بناها الصناديد والعظماء من الأوائل تتحول بغتة إلى مسرح هزلٍ تتقاذفه الدمى، وصار اليأس من الإصلاح يسري في عروق المجتمع سريان النار في الهشيم، مطفئاً كل جذوة للأمل.

أما على الجانب الآخر المقابل، فقد استغلت النخب العسكرية المستبدة والحواشي الانتهازية هذه الفوضى الضاربة لتأجيج نيران العصبيات القبلية والإقليمية البائدة بين العوام من الناس.

فصُبغت الصراعات السياسية والمطامع الشخصية بصبغة" الغيرة على الدين وحراسة الشرعية"، مما دفع بقطاعات واسعة من الرعاع والدهماء وسفلة الناس إلى الانقياد وراء هذه الأباطيل، والخروج في ثورات عمياء شعواء، وسفك دماء إخوانهم في العقيدة والوطن تحت رايات وهمية وعقود مزيفة.

كان المواطن يرى جاره وصاحبه بالأمس عدواً لدوداً اليوم، لمجرد أنه يتبع حاضرة من حواضر الخلافة الأخرى المنافسة، فانفرط عقد السلم الأهلي، وتمزق النسيج الاجتماعي الفريد الذي ميز الأندلس لقرون عديدة من التسامح والوئام.

وبدلاً من أن توجَّه الطاقات والجهود، وتُشحذ العزائم لصد الخطر القشتالي الداهم الذي كان يتربص بالجميع ويهدد باجتثاث شأفتهم، نُهبت ثروات البلاد وأقوات العباد، واستُنزفت الأموال في تمويل جيوش المرتزقة الأجانب وحروب الإخوة الأعداء، ليجد الشعب الأندلسي نفسه في نهاية المطاف عارياً تماماً أمام مصيره الأسود المحتوم، بعد أن أدرك — ولكن بعد فوات الأوان وتكسر النصال على النصال — أن تعدد الرؤوس وتشرذم الملوك لم يكن يوماً دليلاً على القوة والمنعة، بل كان أولى علامات التحلل، والنذير الأكيد بالزوال والاندثار.

لقد دفع الأندلسيون ثمن هذا التشرذم الفاضح من أمنهم وحضارتهم ودمائهم، لتظل قصة" الخلفاء الأربعة" درساً أندلسياً بليغاً وعبرة تسير بها الركبان، تذكر دائماً بأن العروش التي تبنى على التمزق والادعاء وتزوير الحقائق، لا تصنع دولاً تحمي الذمار، بل تمهد الطرق سراعاً للفناء والاستئصال.

الباحث في التاريخ الأندلسيالمصادر: الكامل في التاريخ / الجزء ٧ / ٦٢٦، أعمال الأعلام في من بيوع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام / ص ١٤٣.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك