أعترف بأنني لم أقرأ رواية مارسيل بروست «بحثا عن الزمن المفقود» كاملةً، اقتنيتها حال صدور ترجمتها العربية وشرعت في قراءتها، لكن حجمها الضخم (3730 صفحة في 7 مجلدات) وكثرة الشواغل حالا دون إنهائها، وحين شكوت ذلك لصديق روائي أجابني ساخرا بلؤم: ومن يصرف عمره الثمين يقرأ آلاف الصفحات عن رجل يتأمل كعكة مادلين، ولا أتذكر أين قرأت أن العمر يتسع لأحد أمرين: إما أن تعيشه أو أن تقرأ كتاب بروست.
وبعيدا عن هذا الغمز أعترف ثانية بأنني صرت أتهيّب الروايات الطويلة، رغم ولعي بهذا الجنس الأدبي من ناحية، وقراءتي، بل واستمتاعي بعدد كبير من الروايات كبيرة الحجم من ناحية ثانية، فقد قرأت وبحب كبير «مدن الملح» بأجزائها الخمسة و»ثلاثية غرناطة» وثلاثية نجيب محفوظ و»الحرب والسلم» و»البؤساء» في طبعتها ذات الخمسة أجزاء وغيرها.
«فما عدا ممّا بدا» حتى صرت أتهيب الرواية الطويلة، ولقد أمسكت نفسي متلبسة بهذا الجرم، إن صحت التسمية السنة الماضية حين كنت أكتب عن روايات القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، حيث بدأت برواية «دانشمند» لأحمد فال الدين ذات الـ630 صفحة، فقرأتها وكتبت عنها خوف أن أتكاسل عنها إن أخّرتها، وهو ما وقعت فيه هذه السنة فقد كتبت عن خمس من ست روايات في البوكر العربية، ولم يسعفني الوقت للكتابة عن رواية «الرائي»، فقد أخّرت قراءتها لكبر حجمها 620 صفحة، فأدركني الإعلان عن الفائز بالجائزة قبل أن أكتب عنها.
وردت على ذهني هذه الفكرة، وأنا أتابع الجدل الكبير الذي أثارته أولغا توكارتشوك الروائية البولندية الحائزة جائزة نوبل سنة 2018، حيث أسالت تصريحاتها قبل أيام في مؤتمر «إمباكت» في بولندا حبرا كثيرا، حين اعترفت بأنها استعانت بالذكاء الاصطناعي لإتمام بعض المهمات في كتابة روايتها الأخيرة، وبلغ «السخط عند البعض إلى حدّ المطالبة بسحب جائزة نوبل منها».
وللحقيقة لم يفاجئني هذا التصريح، بل أراه مآلا طبيعيا لا غنى عنه لأي كاتب في المستقبل، فسيدخل الذكاء الاصطناعي في التدقيق اللغوي، وفي توسعة الأفكار وفي جمع المعلومات وتوثيقها، بل حتى لتحسين الأسلوب، والمكابرة والإنكار لن يحولا دون سيرورة الأمور الحتمية، لكن ما لفت انتباهي في تصريحات توكارتشوك كان أمرا آخر تماما له علاقة بمقدمة مقالي، حين لاحظتْ الروائية النوبلية أن «القراء المعاصرين فقدوا شهيتهم للروايات الطويلة، حيث يختار الكثيرون التوقف في منتصف الروايات الكثيفة، ليكتفوا بقراءة ملخصات الحبكة على الإنترنت»، وأعربت عن حزنها على زوال الأدب التقليدي، لذلك اتخذت قرارا حاسما بالتوقف عن كتابات الروايات الطويلة، بعد أن تنهي روايتها الأخيرة، والتركيز بشكل صارم على كتابة القصص القصيرة من الآن فصاعدا.
وهو قرار سيحزن حتما كل من قرأ روايتها الضخمة «كتب يعقوب» (ألف صفحة في جزأين) أو رواية «رحالة» الحائزة جائزة البوكر.
ما صرحت به أولغا توكارتشوك، ليس ناجما عن إرهاق شخصي، فقد قضت مثلا سبع سنوات كاملة في كتابة روايتها «كتب يعقوب»، وليس مرجعه إلى عدم تساوي المردود المادي مع الجهد المبذول، وإن كانت قد ذكرت ذلك صراحة بقولها «إذا قارنا عدد الساعات التي قضيتها في تأليف (كتب يعقوب) بأجر عامل، فلن يشتريها أي ناشر»، ولكنها جرس إنذار للإنسان المعاصر، الذي بدأ يفقد القدرة على التركيز والصبر وتحمل السرد الطويل، فالعصر الرقمي الذي نعيشه غيّر الكثير من طبائعنا، وبقدر ما يسر لنا حياتنا أفقدنا ميزات كثيرة كفضيلة البطء مثلا.
ولكن بنظرة واقعية بعيدا عن كل تهويل: هل فعلا تسير الروايات الطويلة إلى الانقراض؟ورغم ما ذكرته من تجربتي الشخصية أجد في الأمر كثيرا من التهويل، فرغم هيمنة ثقافة السرعة وتغير نوعية القارئ، نجد أمثلة كثيرة من روايات طويلة حققت نجاحا جماهيريا ونقديا كبيرا، فرواية توكارتشوك نفسها ذات الألف صفحة من بين أكثر الكتب مبيعا، وترجمت إلى لغات عدة، وكذلك رواية «حياة صغيرة» لهانيا ياناغيهارا، التي باعت مئات آلاف النسخ وهي في 830 صفحة، وقد سبق أن كتبتُ عن رواية «الرهينة» لسارة ريفانس، فرغم حجم الرواية بأجزائها الثلاثة 1500 صفحة فقد باعت أكثر من ثلاثمئة ألف نسخة، والأمثلة لا تعوز، وحسبنا أن الأعمال الكلاسيكية الشهيرة في القرن التاسع عشر ذات الأجزاء المتعددة مثل «الحرب والسلم» و»الإخوة كارامازوف» ما زالت تقرأ وتطبع وتكثر الاقتباسات منها في وسائل التواصل المختلفة، إذن المشكلة ليس في انقراض جمهور الروايات الطويلة، بل في تحوله إلى جمهور أكثر انتقائية لا مشكلة عنده في طول الرواية، إذا كان ذلك مبرَّرا فنيا، من دون أن ننكر أن القارئ المعاصر يتعرض لهجمة شرسة من ثقافة الاستهلاك السريع، التي طبّعت وسائل التواصل الاجتماعي عقله وعاداته عليها، فالمنصات الرقمية تكافئ متابعيها على الإشباع الفوري، لا على الصبر والتدرج والتركيز، والتذكر والقدرة على تحمل الغموض الذي تستلزمه قراءة السرد الطويل، يضاف إلى ذلك المنافسة الشرسة على وقت القارئ، فلم تعد الروايات سيدة الترفيه غير المنازعة، بل حوصرت بالمسلسلات التلفزيونية والبودكاست والأفلام وألعاب الفيديو والمحتوى القصير الذي يتسلسل أمام عين المشاهد، من دون توقف على الإنترنت.
هذه المنافسة غير العادلة إذا أضفنا إليها ساعات العمل الطويلة، التي فرضها علينا إيقاع حياتنا المعاصرة، مصحوبة بالإرهاق النفسي وتقلص أوقات الفراغ، كل هذا يجعل القارئ المفترض يلجأ إلى وسائل ترفيه أكثر إمتاعا وأقل جهدا من قراءة رواية ضخمة تحتاج تركيزا ووقتا.
فعدو الرواية الطويلة الأول ما أصبح الباحثون يطلقون عليه «اقتصاد الانتباه»، حيث تسعى فيه كل منصة إلى تضخيم التفاعل وتقليل الجهد المطلوب من مستخدمها، فالرسائل القصيرة ومقاطع الفيديو المقتضبة والتمرير المستمر تزرع عادات تقوم على الانتباه المتقطع فيعتاد المستخدم على استهلاك المعلومات في وحدات صغيرة، بدلا من التركيز على السرد الطويل، لذلك يلجأ القارئ المستعجل كثيرا إلى الملخصات، ولكن في مجال الرواية هل يغني الملخص عن قراءة الرواية كاملة؟لا ينكر فائدة الملخصات إلا مكابر فهي وسيلة ناجعة لمعرفة أكبر كمية من المعلومات في أقل وقت، وفائدتها تتجلى خصوصا في الكتب الحافلة بالمعلومات، وحتى في الروايات مثلا، فهي مدخل جيد إلى النصوص الصعبة ومفاتيح تسهل لنا دخول عالم السرد، لكن المشكلة حين تتحول إلى بديل عن قراءة الرواية نفسها، الملخص هو خريطة طريق لمعرفة معالم المدينة وتَبيُّن طرقها وأحيائها كي لا نضيع وقتنا، ولكن الخريطة لا تغنينا عن زيارة المدينة والتجول فيها واقعيا.
وقد بالغ كثيرٌ من تطبيقات تلخيص الكتب، خاصة تلك المولدة بالذكاء الاصطناعي في تقدير إمكانياتها، وأصبحنا نرى جملا إعلانية شبيهة بكتيبات تعلم الإسبانية في ثلاثة أيام، وتعلم السباحة في جلسة واحدة، فنتعثر ببودكاست يلخص «موبي ديك» في ربع ساعة، ويختصر «الجريمة والعقاب» في صفحات معدودة، متناسين أن الرواية والطويلة منها خاصة ليست معلومات نستخرجها من النص، بل عالم قائم بذاته مواز للعالم الواقعي، وفي أحيان كثيرة أشد تعقيدا منه، ولولا هذا البناء السردي لحذفنا عشرات الصفحات من الإيقاع السحري المنوم من «مئة عام من العزلة» واكتفينا بشجرة أنساب لعائلة بونديا، أو خريطة معمارية لمدينة ماكوندو المتخيلة.
ولأصبحت رواية «البؤساء» قصة من سطرين عن رجل سرق رغيفا فقضى حياته مُطاردا من ماضيه.
مما يذكرنا بالرجل الذي سئل عن قصة النبي يوسف فقال: صبي ضاع ووجده أهله.
فالرواية نسيج محكم من اللغة والإيقاع والأجواء والشخصيات، بل قد لا تكون فيها أحداث كالروايات النفسية إذ إن قيمتها في الأسلوب كما في المضمون، والأسلوب لا يلخص.
قيمة الرواية الحقيقية في الطريق لا في الوصول، ومتعتها في رحلة البناء اللغوي لا في النهاية، ولعل هذا ما أزعج أولغا توكارتشوك، حين يقرأ القارئ المستعجل 150 صفحة من «كتب يعقوب» ثم يقفز مباشرة ليسألها عن النهاية!قد لا يكون السؤال اليوم: هل انتهى زمن الرواية الطويلة؟ بل هل انتهى صبرنا على العيش داخلها؟ فالرواية ذات الصفحات الكثيرة، ليست اختباراً لطول النفس، بقدر ما هي مساحة لتجربة العالم بعمقه وبطئه وتفاصيله.
وما دامت هناك حاجة إلى هذا العمق والبطء والتفاصيل، ستبقى الرواية الطويلة قادرة على البقاء، حتى لو ضاق جمهورها بها أو تبدلت عاداته القرائية.
شاعرة وإعلامية من البحرين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك