هٰذا المَقالُ هُوَ مُقارَبَةٌ مِن مَنْظُورٍ مادِّيٍّ جَدَلِيٍّ لِمَنْهَجِيَّةِ سَيْلٍ مِن المُقارَباتِ الناقِدَةِ لِمَواقِفِ الحِزْبِ الشُيُوعِيِّ السُودانِيِّ الَّتِي نُشِرَتْ مُؤَخَّراً.
مَعَ الاِحْتِرامِ كُلِّهِ لِمُقارَباتِ كُلِّ مَنْ قارَبَ نَقْدِيّاً مَواقِفَ وَسِياساتِ الحِزْبِ الشُيُوعِيِّ فِي هٰذِهِ المَرْحَلَةِ البالِغَةِ الحَرِجِ مِن تارِيخِنا الوَطَنِيِّ؛ وَهِيَ مُقارَباتٌ لا شَكَّ يَظَلُّ الكَثِيرَ مِنْها وَثائِقُ مُهِمَّةٌ فِي النَقْدِ السِياسِيِّ الرَصِينِ، إِلّا أَنَّ مُعْظَمَها – مِنْ وِجْهَةِ نَظَرِي– قَدْ وَقَعَتْ فِي فَخِّ “المِثالِيَّةِ السِياسِيَّةِ” حِينَ اِخْتَزَلَت مَواقِفُ الحِزْبِ الشُيُوعِيِّ السُودانِيِّ فِي “نَزْعَةٍ طَهْرانِيَّةٍ” أَوْ “عَقْلٍ اِحْتِجاجِيٍّ” جامِدٍ.
تَقْرَأُ جُلَّ المُقارَباتِ نَتائِجَ اِعْتِزالِ الحِزْبِ الشُيُوعِيِّ لِلتَحالُفاتِ السِياسِيَّةِ الحالِيَّةِ، لٰكِنَّها تَتَجَنَّبُ نَبْشَ التَناقُضاتِ المادِّيَّةِ الَّتِي أَنْتَجَتْها تَجْرِبَتُهُ مَعَ مُكَوِّناتِها السِياسِيَّةِ فِي أَثْناءٍ وَبَعْدَ اِنْتِصارِ ثَوْرَةِ 19 دِيسَمْبِرَ 2018م.
نَحْنُ هُنا لا نُدافِعُ عَنْ الحِزْبِ كَقَداسَةٍ، بَلْ نَطْمَحُ لِتَفْكِيكِ تَجْرِبَتِهِ بَعْدَ دِيسَمْبِرَ بِآلَةِ الجَدَلِ المادِّيِّ، لِنَرَى ما إِذا كانَتْ “العُزْلَةُ” المُتَوَهِّمَةُ فَشَلاً تَنْظِيمِيّاً أَمْ اِنْعِكاساً لِتَناقُضٍ مَوْضُوعِي لَمْ تَسْتَوْعِبْهُ بَعْدَ مُكَوِّناتِ تِلْكَ التَحالُفاتِ السِياسِيَّةِ.
قَبْلَ الدُخُولِ فِي تَفاصِيلِ مَواقِفِ الحِزْبِ الشُيُوعِيِّ، لا بُدَّ لَنا مِنْ وَقْفَةٍ نَفْضَحُ فِيها مُغالَطَةً كُبْرَى يُكَرِّسُها كَثِيرٌ مِنْ مُنْتَقِدِيهِ، وَهِيَ تَقْدِيسُ “وِحْدَةِ الصَفِّ المُعارِضِ” كَغايَةٍ فِي ذاتِها، بِغَضِّ النَظَرِ عَنْ مَضْمُونِها.
وَكَأَنَّ الخَلَلَ كُلَّهُ هُوَ فِي “الاِنْقِسامِ”، وَلَيْسَ فِي طَبِيعَةِ ما يَجْمَعُنا! ؛ يَقُولُ لَنا المَنْطِقُ المادِّيُّ الجَدَلِيُّ أَنَّ الوَحْدَةَ لَيْسَتْ قِيمَةً مُطْلَقَةً.
فَالوَحْدَةُ الَّتِي لا تَقِفُ عَلَى ساقَيْنِ مِنْ المَبادِئِ الواضِحَةِ – ساقُ العَدالَةِ لِلشُهَداءِ، وَساقُ المُواجَهَةِ الصارِمَةِ مَعَ مُمارَسَةِ العَسْكَرِ لِلسِياسَةِ– لَيْسَتْ وِحْدَةً حَقِيقِيَّةً.
إِنَّها مُجَرَّدُ “غازٍ طَبِيعِيٍّ مُسالٍ” يُخَدِّرُ الجَماهِيرَ، وَيَلْبَسُ الحُلَفاءُ بَعْضَهُمْ بَعْضاً شَرْعِيَّةً زائِفَةً، لِيَسْتَمِرَّ اِسْتِنْزافُ الثَوْرَةِ مِنْ داخِلِها.
حِينَ يَحْرِصُ مُنْتَقِدُو الحِزْبِ عَلَى مَسْأَلَةِ “لَمِّ الشَمْلِ” بِأَيِّ ثَمَنٍ، فَإِنَّهُمْ يُمارِسُونَ لا شُعُورِيّاً دَوْراً مَوْضُوعِيّاً فِي إِعادَةِ إِنْتاجِ الأَزْمَةِ.
لِأَنَّ أَيَّ تَحالُفٍ يُعْقَدُ فَوْقَ التَناقُضاتِ الأَساسِيَّةِ (العَدالَةِ الاِنْتِقالِيَّةِ، حَلَّ المِلِيشْياتِ كافَّةً وَتَكْوِينِ جَيْشٍ مِهْنِيٍّ واحِدٍ، اِسْتِئْصالُ الفَسادِ)، سَيَظَلُّ يُراوِحُ مَكانَهُ، ثُمَّ لا يَلْبَثُ أَنْ يَنْفَجِرَ حَتْماً عَلَى أَوَّلِ مُنْعَطَفٍ.
الحِزْبُ الشُيُوعِيُّ لَمْ يُفْسِدْ الوَحْدَةَ، بَلْ كَشَفَ وَهْمَها.
وَكانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَظَلَّ داخِلَ هٰذِهِ التَحالُفاتِ طَوِيلاً – كَما تَفْعَلُ أَحْزابٌ أُخْرَى – لِيَتَقاسَمَ غَنائِمَ وَهْمِيَّةً، لٰكِنَّهُ اِخْتارَ الصِدْقَ الثَوْرِيَّ عَلَى حِسابِ الشَعْبَوِيَّةِ.
هٰذا لَيْسَ “اِنْعِزالاً”، يا سادَةُ بَلْ فِصالاً أَخْلاقِيّاً-سِياسِيّاً وَوَطَنِيّاً ضَرُورِيّاً.
تُفْتَرَضُ المُقارَباتُ المَبْذُولَةُ أَيْضاً أَنَّ الاِنْتِقالَ الدِيمُقْراطِيَّ هُوَ “عَمَلِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ تَقُومُ عَلَى التَوازُناتِ وَالتَنازُلاتِ”، وَكَأَنَّها عَلاقَةٌ رِياضِيَّةٌ بَيْنَ أَنْدِيَةٍ سِياسِيَّةٍ.
بَيْنَما يَنْطَلِقُ التَحْلِيلُ المادِّيُّ الجَدَلِيُّ مِن أَنَّ أَيَّ عَمَلِيَّةٍ اِنْتِقالِيَّةٍ فِي مُجْتَمَعٍ رَأْسُمالِيٍّ هامِشِيٍّ مِثْلِ السُودانِ، هِيَ بِالأَساسِ اِنْعِكاسٌ لِـصِراعِ الطَبَقاتِ عَلَى فائِضِ القِيمَةِ وَشُرُوطِ إِعادَةِ الإِنْتاجِ.
وَهُنا نَضْرِبُ مِثالاً حاضِرٌ فِي الذاكِرَةِ وَناصِعِ الوُضُوحِ؛ عِنْدَما اِنْسَحَبَ الحِزْبُ الشُيُوعِيُّ مِنْ “قُوَى الحُرِّيَّةِ وَالتَغْيِيرِ”، لَمْ يَكُنْ يَهْرُبُ مِن “التَسْوِياتِ”، بَلْ كانَ يَقْرَأُ التَناقُضَ الرَئِيسِيَّ فِي تِلْكَ المَرْحَلَةِ؛ يُحَلِّلُ جَدَلِيّاً وَيَتَسَأَّلُ هَلْ العَدُوُّ الأَساسِيُّ هُوَ بَقايا النِظامِ القَدِيمِ فَقَط؟ أَمْ أَنَّ شَكْلَ الدَوْلَةِ العَمِيقَةِ (العَسْكَرِ + رَأْسُ المالِ الاِحْتِكارِيِّ + الأُمَراءُ الإِقْلِيمِيُّونَ) هُوَ الَّذِي يُعِيدُ إِنْتاجَ الاِسْتِبْدادِ؟أَيُّ مُحَلِّلٍ سِياسِيٍّ أَوْ مُراقِبٍ مُنْصِفٍ سَيُقِرُّ دُونَ جِدالٍ أَنَّ الأَحْداثَ الَّتِي تَلاحَقَت ما بَعْدَ اِعْتِزالِ الحِزْبِ الشُيُوعِيِّ لِتَحالُفِ قُوَى الحُرِّيَّةِ وَالتَغْيِيرِ وَأَفْضَت بِنا لِواقِعِ الحَرْبِ المَأْساوِيَّةِ الدائِرَةِ اليَوْمَ قَدْ أَثْبَتَت أَنَّ الحِزْبَ الشُيُوعِيَّ كانَ مُصِيباً فِي قِراءَةِ جَدَلِيَّةِ الشَكْلِ وَالمَضْمُونِ؛ فَقَدْ ظَلَّ مَضْمُونُ الدَوْلَةِ بَعْدَ الثَوْرَةِ عَلَى حالِهِ ثابِتاً (اِسْتِغْلالُ الطَبَقاتِ الدُنْيا، إِخْضاعُ الثَوْرَةِ لِشُرُوطِ الإِمْبِرِيالِيَّةِ الإِقْلِيمِيَّةِ وَالعالَمِيَّةِ)، بَيْنَما تَغَيَّرَ شَكْلُ الحُكْمِ.
فَفِي مِثْلِ هٰذا الوَضْعِ المُخْزِي الاِنْسِحابُ مِن تَحالُفٍ لا يُحافِظُ عَلَى أَهْدافِ وَشِعاراتِ الثَوْرَةِ لَمْ يَكُنْ “طَهْرانِيَّةً”، كَما يَتَوَهَّمُ البَعْضُ بَلْ كانَ فِطاماً سِياسِيّاً عَن وَهْمِ أَنَّ الاِنْتِقالَ يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ “فَوْقَ” التَناقُضاتِ الطَبَقِيَّةِ.
تُواصِلُ تِلْكَ المُقارَباتُ الحَدِيثَ عَن “صُعُودِ النَزْعَةِ الطَهْرانِيَّةِ” كَسَبَبٍ لِلعُزْلَةِ المُتَوَهِّمَةِ.
لٰكِنْ بِاِسْتِخْدامِ المَنْطِقِ الجَدَلِيِّ يَنْهَضُ فِي وَجْهِ المُقارَباتِ سُؤالٌ بالِغُ الأَهَمِّيَّةِ: هَلْ الطَهْرانِيَّةُ هِيَ السَبَبُ أَمْ هِيَ النَتِيجَةُ؟ التَحْلِيلُ المادِّيُّ يَرَى أَنَّ “الطَهْرانِيَّةَ” هِيَ اِنْعِكاسٌ ذاتِيٌّ عَلَى المُسْتَوَى الفَوْقِيِّ (الأيديولوجِيِّ) لِحالَةٍ مِن التَراكُمِ الكُمِّيِّ لِلإِحْباطِ مِن جِهَةٍ، وَمِن التَحَوُّلِ النَوْعِيِّ لِطَبِيعَةِ العَدُوِّ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى.
عِنْدَما رَأَى الشُيُوعِيُّ أَنَّ حُلَفاءَهُ المَدَنِيِّينَ يَتَنازَلُونَ عَن العَدالَةِ لِشُهَداءِ (فَضِّ الاِعْتِصامِ) وَيَتَفاوَضُونَ لِلشَراكَةِ مَعَ القَتَلَةِ تَحْتَ مُبَرِّرِ “المَنْفَعَةِ الاِنْتِقالِيَّةِ”، فَإِنَّ التَشَدُّدَ السِياسِيَّ الَّذِي مارَسَهُ لَمْ يَكُنْ مَرَضاً عَقائِدِيّاً، بَلْ كانَ اِسْتِجابَةً أَخْلاقِيَّةً-مادِّيَّةً مَشْرُوعَةً لِاِنْهِيارِ الثِقَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حُلَفائِهِ.
وَالجَدِيرُ بِالنَقْدِ هُنا لَيْسَ “طَهْرانِيَّةً” الشُيُوعِيَّ، بَلْ المُرُونَةُ الاِنْتِهازِيَّةَ لِغَيْرِهِ مِن القُوَى الَّتِي كانَتْ تَرَى فِي الاِنْتِقالِ فُرْصَةً لِتَقاسُمِ الكَعْكَةِ لا تَغْيِيرَ بِنِيَّةِ العَجِينِ.
الحِزْبُ الشُيُوعِيُّ دَفَعَ ثَمَناً باهِظاً لِهٰذا التَشَدُّدِ، لٰكِنَّ هٰذا الثَمَنَ هُوَ الَّذِي حافَظَ عَلَى شُعْلَةِ المَبْدَأِ فِي ثَوْرَةٍ تُحاوِلُ جاهِدَةَ قُوَى الرَدَّةِ اِبْتِلاعَها.
جَمِيعُ تِلْكَ المُقارَباتِ دُونَ اِسْتِثْناءِ تَأْسَفُ عَلَى “إِضْعافِ المُعَسْكَرِ المَدَنِيِّ”، وَكَأَنَّ هٰذا المُعَسْكَرَ كانَ ذاتاً مُتَجانِسَةً.
بِاِسْتِخْدامِ قانُونِ “نَفْيِ النَفْيِ” المادِّيِّ الجَدَلِيِّ، نَسْتَطِيعُ القَوْلَ: كانَ لا بُدَّ مِن هَدْمِ هٰذا المُعَسْكَرِ الوَهْمِيِّ (الَّذِي ضَمَّ اليَمِينَ الإِصْلاحِيَّ بِتَيّاراتِهِ اللِيبِرالِيَّةِ العِلْمانِيَّةِ وَالطائِفِيَّةِ العَشائِرِيَّةِ وَاليَسارِ المارْكِسِيِّ فِي بَوْتَقَةٍ واحِدَةٍ) لِكَيْ يَنْبَثِقَ مُعَسْكَرٌ حَقِيقِيٌّ قائِمٌ عَلَى الطَبَقَةِ وَالمِنَصَّةِ النِضالِيَّةِ الواضِحَةِ.
الوَثائِقُ الَّتِي نَشَرَها الحِزْبُ تُظْهِرُ أَنَّهُ لَمْ يُقاطِعْ التَحالُفاتِ مُطْلَقاً، بَلْ وَضَعَ شُرُوطاً مادِّيَّةً (جَيْشٌ مِهَنِيٍّ واحِدٍ، حَلَّ مِلِيشْيا الجِنْجاوِيدِ وَكافَّةَ المِلِيشْياتِ المُسَلَّحَةِ الأُخْرَى؛ مُحاكَمَةَ مُجْرِمِي الحَرْبِ، اِسْتِبْعادُ رَأْسِ المالِ الطُفَيْلِيِّ الاِحْتِكارِيِّ مِن الحُكْمِ).
هٰذِهِ الشُرُوطُ كانَت بِمَثابَةِ اِخْتِبارٍ واقِعِيٍّ لِحَقِيقَةِ الآخَرِينَ.
حِينَ رَفَضَ الآخَرُونَ هٰذِهِ الشُرُوطَ، لَمْ يَكُنْ “اِعْتِزالُ” الحِزْبِ لِتَحالُفاتِهِمْ بِسَبَبِ تَعْقِيداتِهِ الأيدلوجِيَّةِ، بَلْ بِسَبَبِ تَخَلِّي الآخَرِينَ عَنْ المَضْمُونِ الثَوْرِيِّ.
العُزْلَةُ المُتَوَهِّمَةُ هُنا لَيْسَتْ ضَعْفاً، بَلْ هِيَ قُوَّةٌ فِي مَرْحَلَةِ تَراجُعِ المَوْجَةِ الثَوْرِيَّةِ، إِلَى حِينِ عَوْدَةِ الوَعْيِ الطَبَقِيِّ.
تَطْرَحُ بَعْضُ تِلْكَ المُقارَباتِ سُؤالٌ هامٌّ يُبَيِّنُ لِحَدٍّ بَعِيدٍ مَدَى الحِرْصِ عَلَى بَقاءِ الحِزْبِ الشُيُوعِيِّ وَسَطَ القُوَى المَدَنِيَّةِ مَفادُهُ: “كَيْفَ وَمَتَى يَسْتَعِيدُ الحِزْبُ الشُيُوعِيُّ رُوحَهُ الوَطَنِيَّةَ الجامِعَةَ؟ ”.
وَهُوَ حِرْصٌ نُقَدِّرُهُ وَنَحْتَرِمُهُ وَلٰكِنْ مِن مَنْظُورِنا المادِّيِّ الجَدَلِيِّ، هٰذا السُؤالُ يَحْتاجُ إِلَى قَلْبٍ وَإِعادَةِ صِياغَةٍ فَالمَطْلُوبُ لَيْسَ هُوَ اِسْتِعادَةَ الشُيُوعِيِّ رُوحاً وَطَنِيَّةً جامِعَةً فَوْقَ الطَبَقاتِ، بَلْ اِسْتِعادَةُ قُدْرَتِهِ عَلَى إِنْتاجِ المَعْرِفَةِ مِنْ رَحِمِ الصِراعِ الحَقِيقِيِّ.
فِي اِعْتِقادِنا أَنَّ نَقْدَ مَواقِفِ الحِزْبِ الشُيُوعِيِّ يَجِبُ أَلّا يَكُونَ بِدافِعِ الدَهْشَةِ مِن “اِعْتِزالِهِ”، لِتَحالُفاتٍ لا تُراعِي الحَدَّ الأَدْنَى مِن المَبْدَئِيَّةِ الثَوْرِيَّةِ بَلْ بِدافِعِ تَفْكِيكِها تِلْكُم المَواقِفَ جَدَلِيّاً.
فَمِن أَهَمِّ الخُلاصاتِ الَّتِي اِسْتَخْلَصَها الحِزْبُ الشُيُوعِيُّ مِنْ تَجارِبِ تَحالُفاتِهِ الأَخِيرَةِ؛ أَنَّ الحِرْصَ عَلَى الوَحْدَةِ دُونَ مَبادِئَ ناظِمَةٍ وَحاكِمَةٍ وَمُلْزِمَةٍ لِلتَحالُفِ لَيْسَ فَضِيلَةً، بَلْ يَجْعَلُ مِنْهُ شَرِيكٌ مَوْضُوعِيّاً فِي إِعادَةِ إِنْتاجِ الأَزْمَةِ.
الحِزْبُ رُبَّما أَخْطَأَ فِي تَوْقِيتِ بَعْضِ مَواقِفِهِ، أَوْ فِي حِدَّةِ خِطابِهِ أَحْياناً، لٰكِنَّهُ لَمْ يُخْطِئْ فِي رَفْضِهِ لِأَنْ يَكُونَ جُزْءاً مِنْ “مُعَسْكَرٍ” يَسْتَبْدِلُ العَدالَةَ بِالمَصالِحِ الشَخْصِيَّةِ وَالحِزْبِيَّةِ، وَالثَوْرَةِ بِالتَسْوِياتِ الهَشَّةِ.
الواقِعُ الحالِيُّ – الحَرْبُ، تَفَكُّكُ الدَوْلَةِ، عَوْدَةُ العَسْكَرِ – هُوَ مِعْيارُ المُمارَسَةِ الَّذِي يَحْكُمُ.
وَذاكِرَةُ الجَماهِيرِ، وَإِنْ غابَتْ لَحْظَةً، لا تَغِيبُ طَوِيلاً.
وَبِاِخْتِصارٍ شَدِيدٍ: لا يَعْتَقِدُ الحِزْبُ الشُيُوعِيُّ أَنَّهُ فِي عُزْلَةٍ سِياسِيَّةٍ وَإِنْ رَأَى البَعْضُ ذٰلِكَ؛ بَلْ فَرَضَت عَلَيْهِ “شُرُوطُ التَحالُفاتِ” المُتَهافِتَةُ المُغادَرَةَ وَالاِخْتِيارَ بَيْنَ الاِنْتِحارِ البَطِيءِ فِي “وِحْدَةٍ بِساقٍ واحِدَةٍ عَرْجاءَ”، أَوْ المُضِيِّ فِي طَرِيقِ الحُلُولِ الجِذْرِيَّةِ المُرْهَقِ لِاِسْتِرْدادِ ثَوْرَةِ دَفْعِ مَهْرِها ثُلَّةً مِنْ خِيرَةِ أَبْناءِ شَعْبِنا تُحاوِلُ اليَوْمَ تَحالُفاتِ التَسْوِياتِ شَراكَةً مَعَ العَسْكَرِ وَقُوَى الرَدَّةِ وَأَدَها وقد اختار الحزب بكل شجاعة الخيار الثاني.
تَيْسِيرُ حُسَن إِدْرِيسَ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك