إيلاف من واشنطن: قلّما حظي قائد أعمال بحضور طاغٍ في الثقافة الشعبية كالذي حققه إيلون ماسك، رجل الأعمال الطموح الذي تحوّل إلى أيقونة في عالم الإنترنت، وجمع ثروة هائلة جعلته أول تريليونير في العالم، عقب الطرح العام الأولي لشركة «سبيس إكس».
وفي وقت تتصاعد فيه المخاوف بشأن أشكال عدم المساواة، وتتدهور نظرة الرأي العام إلى فاحشي الثراء، حافظ ماسك على قاعدة جماهيرية وفية، رغم ثروته الفلكية، ومن دون امتلاكه الشخصية البسيطة القريبة من الناس التي ميّزت رجال أعمال آخرين، مثل وارن بافيت.
ويرى معجبوه أن أسلوبه الصريح وغير المتحفظ يمثل جزءاً أساسياً من جاذبيته، بينما يتهمه منتقدوه بممارسة نفوذ يشبه نفوذ أصحاب الثروات المؤثرين في السياسة والاقتصاد، ويلفتون إلى مخاوف مرتبطة بالحوكمة في شركاته، فضلاً عن اعتراضهم على تدخلاته السياسية التي أصبحت أكثر انحيازاً.
طرح قياسي يدفع الثروة إلى 1.
1 تريليون دولارنجحت شركة «سبيس إكس»، المتخصصة في الصواريخ والأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي، والتي تشكل إلى جانب شركة «تسلا» للسيارات الكهربائية العمود الفقري لإمبراطورية ماسك، في جمع مبلغ قياسي بلغ 75 مليار دولار من طرحها العام الأولي، الخميس.
وشهد سهم الشركة ارتفاعاً حاداً خلال أول يوم من التداول، في انعكاس لحماس المستثمرين تجاه مشروعات ماسك.
وبعد طرح الأسهم، قدّرت مجلة «فوربس» صافي ثروة ماسك بنحو 1.
1 تريليون دولار، ليبتعد بفارق كبير عن أقرب منافسيه، لاري بيدج، الشريك المؤسس لشركة «ألفابت»، الذي جاء بعده في الترتيب.
وقال مات دوروت، نائب رئيس تحرير «فوربس ويلث»: «ثاني أغنى شخص تقترب ثروته من 300 مليار دولار».
وأشار دوروت إلى أن شخصاً واحداً فقط، هو لاري إليسون، مؤسس «أوراكل»، سبق أن تجاوزت ثروته 400 مليار دولار.
الجزء الأكبر من الثروة داخل «سبيس إكس»يتركز الجزء الأكبر من ثروة ماسك حالياً في شركة «سبيس إكس»، إذ يمتلك فيها حصة تقدر قيمتها بنحو 866 مليار دولار.
وتشمل ثروته الصافية، التي بلغت 1.
1 تريليون دولار، مكونات من الأسهم ستستحق له تدريجياً.
وجاء هذا التحول بعد أن أصبح ماسك اسماً مألوفاً بفضل «تسلا» و«سبيس إكس»، قبل أن يوسع نطاق نفوذه من خلال الاستحواذ على منصة «تويتر» في صفقة بلغت قيمتها 44 مليار دولار عام 2022.
ومنحه الاستحواذ قناة تواصل مباشرة مع مئات الملايين من المستخدمين، وجعله صوتاً بارزاً في قضايا تمتد من السياسة والهجرة إلى الإنفاق الحكومي وحرية التعبير.
السياسة تضع إمبراطوريته أمام اختبار مختلفكان دخول ماسك إلى الساحة السياسية، ولا سيما دوره خلال العام الماضي في إدارة الكفاءة الحكومية داخل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، من أكثر خطواته إثارة للجدل.
وتزامنت التداعيات السياسية مع تراجع مبيعات «تسلا» في عدد من الأسواق العالمية خلال عام 2025، وسط احتجاجات وحملات مقاطعة استهدفت الشركة المصنعة للسيارات الكهربائية.
ولم يقتصر تأثير تحركات ماسك السياسية على صورته العامة، بل تداخل مع الجدل المحيط بشركاته، وعلاقته بالمستثمرين والجهات التنظيمية، ودوره المتزايد في النقاشات السياسية والاقتصادية.
من بريتوريا إلى قيادة «تسلا»ولد ماسك، البالغ 54 عاماً، في بريتوريا بجنوب أفريقيا، لأم كندية وأب جنوب أفريقي.
والتحق بجامعة بنسلفانيا، وتخرج فيها عام 1997.
وفي عام 2008، تولى منصب الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، مدفوعاً بقناعته بأن السيارات الكهربائية تستطيع الجمع بين الأداء العالي والميزات البرمجية المتقدمة.
وساهم هذا التوجه في إعادة تشكيل صناعة السيارات العالمية.
ويقول بعض مراقبي القطاع إن نجاح «تسلا»، ووصول قيمتها السوقية إلى أكثر من تريليون دولار، دفعا شركات صناعة السيارات التقليدية إلى التحول نحو إنتاج السيارات الكهربائية.
المستثمرون يراهنون على الفضاء والذكاء الاصطناعييراهن عدد كبير من المستثمرين على قدرة ماسك على تكرار تجربة «تسلا» في مجالي الفضاء والذكاء الاصطناعي.
ومع ذلك، لا تزال «سبيس إكس» بحاجة كبيرة إلى التمويل، فيما يعتمد جزء كبير من قيمتها على تقنيات قد تستغرق سنوات، أو حتى عقوداً، حتى تصبح قابلة للتطبيق التجاري.
وإلى جانب «تسلا» و«سبيس إكس»، شارك ماسك في تأسيس 5 شركات أخرى، من بينها شركة «ذا بورينغ كومباني» الناشئة والمتخصصة في حفر الأنفاق، وشركة «نيورالينك» المتخصصة في زراعة الشرائح الدماغية.
إشادة وانتقادات في قيادة «تسلا»بصفته الرئيس التنفيذي لشركة «تسلا»، أثار ماسك الجدل وحظي بالثناء في الوقت نفسه.
وينسب إليه الفضل في تحويل «تسلا» إلى أغلى شركة سيارات في العالم من حيث القيمة السوقية.
وكان قادة شركات السيارات التقليدية قد تجاهلوا هذا التهديد لسنوات، إذ شككوا في قدرة شركة سيارات ناشئة على إنتاج المركبات الكهربائية بأعداد كبيرة وتحقيق الأرباح منها.
وقال بوب لوتز، نائب الرئيس السابق لشركة «جنرال موتورز»: «لقد أعاد إيلون ماسك احترام العالم للإبداع الأميركي في هندسة السيارات».
«اقتصاد ماسك» يتجاوز الشركاتأصبح نفوذ ماسك واسعاً إلى درجة أن مراقبي الأسواق أطلقوا على شبكة الشركات المحيطة به مصطلح «اقتصاد ماسك».
وأفرزت هذه الظاهرة ما يسميه بعض المستثمرين «علاوة إيلون»، وهي زيادة في تقييمات شركاته لا تستند فقط إلى المؤشرات المالية التقليدية، بل أيضاً إلى ثقة المستثمرين في رؤية ماسك وطموحاته.
وقال مات كيندي، كبير المحللين في «رينيسانس كابيتال»، وهي شركة تقدم أبحاثاً تركز على الاكتتابات العامة وصناديق الاستثمار المتداولة: «كما كان الحال مع تسلا، فإن سبيس إكس هي رهان على إيلون ماسك».
وأضاف: «من المؤكد أن القيمة السوقية التي تتراوح بين 1.
5 تريليون وتريليوني دولار ستطيح بجميع منهجيات التقييم التقليدية، ويمكن وصفها بدلاً من ذلك بأنها علاوة إيلون ماسك».
أدى تركز هذا القدر من النفوذ حول رجل أعمال واحد إلى تفاقم المخاوف بشأن طريقة إدارة الشركات، وتضارب المصالح، والمخاطر الناتجة من ربط مصير شركات ضخمة بشخص واحد على نحو وثيق.
وعلى مدى سنوات، حوّل ماسك خلافاته مع الجهات التنظيمية والمليارديرات والمستثمرين الذين يراهنون على انخفاض أسهم الشركات، إضافة إلى الصحافيين والمؤسسات الإعلامية، بما فيها وكالة «رويترز»، إلى معارك علنية متكررة، دارت في كثير من الأحيان عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
من تمويل حملة ترامب إلى خصومة علنيةاتبع تحالف ماسك مع ترامب نمطاً مألوفاً في مسيرته العامة.
فبعد أن ساهم في تمويل الحملة الانتخابية التي أعادت ترامب إلى البيت الأبيض، وشغل منصباً استشارياً رفيعاً من خلال مبادرة إدارة الكفاءة الحكومية، أصبح ماسك أحد أقرب حلفاء الرئيس من عالم الأعمال.
لكن العلاقة بينهما توترت لاحقاً، وسط خلافات بشأن السياسات والإنفاق، قبل أن تتحول إلى خصومة علنية.
ورغم أن الطرفين تبنيا منذ ذلك الوقت موقفاً أكثر تصالحاً، فإن خلافهما سلط الضوء على تداخل الخطوط الفاصلة بين إمبراطورية ماسك التجارية وطموحاته السياسية.
المستثمرون يضعون الإنجازات فوق السلوك المثير للجدلعلى الرغم من المخاوف المتعلقة بسلوك ماسك غير التقليدي، يرى كثير من المستثمرين أن هذه المخاوف تتراجع أمام سجله في تحويل الأفكار الطموحة إلى بعض من أغلى الشركات في العالم.
وقال جيمي ديمون، الرئيس التنفيذي لمؤسسة «جيه.
بي مورغان تشيس»، خلال محادثة جرت في الآونة الأخيرة مع ماسك: «إيلون هو إديسون عصرنا».
وكان المصرفي، الذي دخل سابقاً في خصومة مع ماسك خلال معركة قانونية طويلة، قد تحول إلى أحد المؤيدين له.
وقال ديمون لشبكة «سي.
إن.
بي.
سي» العام الماضي إن الاثنين «تصالحا»، وأشاد بماسك، واصفاً إياه بأنه «أينشتاين عصرنا».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك