لم يكن قرار مغادرة مصر سهلاً على كثير من السوريين، الذين استقروا فيها لسنوات وأسسوا مشاريع تجارية، وأعادوا بناء حياتهم بعد رحلة لجوء قاسية فرضتها حرب النظام المخلوع على السوريين.
لكن مع تزايد أعداد المغادرين نتيجة حملة التضييق على الوجود الأجنبي في مصر، خلال الفترة الأخيرة، برزت أمام العائلات السورية مشكلة جديدة لا تقل قسوة عن قرار الرحيل نفسه: بيع العقارات والمحال التجارية والأثاث المنزلي بأسعار لا تعكس، وفق شهادات متطابقة، ما أنفقوه عليها خلال سنوات إقامتهم.
وفي وقت يأمل فيه أصحاب الممتلكات استرداد جزء من أموال استثمروها خلال سنوات إقامتهم في مصر، يقول سوريون لموقع تلفزيون سوريا، إن العروض التي يتلقونها تأتي غالباً دون الأسعار المطلوبة، ما يضعهم أمام خيارين صعبين: الانتظار لفترة غير معلومة، أو القبول بخسائر كبيرة لتأمين كلفة بداية جديدة.
بيع العقارات.
خسارة قبل العودةقالت سيدة سورية مقيمة في مصر -فضّلت عدم الكشف عن اسمها- إنها اشترت شقة سكنية في منطقة العبور قرب القاهرة قبل سنوات بنحو 100 ألف دولار، وكانت تعدّها استثماراً طويل الأمد وضماناً لمستقبل عائلتها.
وأضافت أن الشقة تقع في منطقة جيدة ومجهزة بالكامل بالأثاث والأجهزة الكهربائية، إلا أن قرار المغادرة دفعها إلى عرضها للبيع، موضحة: " منذ أشهر ونحن نحاول بيع الشقة، وخفضنا السعر إلى نحو 80 ألف دولار، رغم أن المنزل مفروش بالكامل، ومع ذلك لم نجد المشتري المناسب".
وتؤكد السيدة أن العائلة تدرك أنها قد تخسر ما لا يقل عن 15 ألف دولار من قيمة العقار وحده، من دون احتساب الأثاث والتجهيزات، مضيفة: " الأصعب من الخسارة نفسها هو الشعور بأن سنوات من التعب والعمل تذهب هباءً.
عندما اشترينا الشقة كنا نظن أننا نحافظ على قيمة أموالنا، لكننا اليوم مضطرون للتنازل عن جزء كبير منها حتى نتمكن من المغادرة".
ولا تتوقف المشكلة، بحسب السيدة، عند البيع في مصر، بل تمتد إلى ما ينتظر العائدين في سوريا، حيث تقول: " حتى لو بعنا الشقة بالسعر الذي نطلبه، فإن المبلغ لا يكفي لشراء منزل مشابه في دمشق أو حلب.
كثير من المناطق الجيدة أصبحت أسعار الشقق فيها تتجاوز 150 ألف دولار، لذلك نشعر أننا نخسر هنا ولا نستطيع التعويض هناك".
أشهر من الانتظار وعروض أقل بمئات الآلافوفي منزل آخر، لا تختلف الصورة كثيراً، فمنذ نحو سبعة أشهر يعرض سوري منزله للبيع مقابل أربعة ملايين جنيه (الدولار الواحد يعادل 53 جنيهاً مصرياً تقريباً)، لكنه لم يتمكن حتى الآن من التوصل إلى اتفاق مع أي مشترٍ.
وأوضح، خلال حديثه مع موقع تلفزيون سوريا، أن معظم العروض التي تلقاها تراوحت بين 3.
2 و3.
5 ملايين جنيه فقط، مضيفاً: " في كل مرة يأتي شخص لمعاينة المنزل يقتنع بأنه جيد وأن سعره منطقي، لكن عندما يبدأ الحديث عن المبلغ يعرض رقماً أقل بكثير مما نطلبه".
وتابع: " نحن لا نرفض التفاوض، لكن هناك فرقاً بين التفاوض الطبيعي وبين أن يطلب منك أحد التنازل عن مئات آلاف الجنيهات دفعة واحدة".
ويقول الرجل إن استمرار عرض العقار للبيع طوال هذه المدة خلق ضغطاً نفسياً كبيراً على العائلة، مضيفاً: " كل يوم نتساءل: هل ننتظر أكثر أم نقبل بالخسارة؟ في النهاية نحن بحاجة إلى المال لنبدأ حياتنا من جديد، لذلك نشعر وكأننا عالقون في دائرة مغلقة".
مشاريع تجارية مهددة بالضياعلا تقتصر المشكلة على أصحاب المنازل فحسب، إذ يواجه أصحاب المشاريع التجارية صعوبات مشابهة في بيع محالهم أو استرداد قيمة استثماراتهم.
وقال صاحب مطعم سوري، إنّه قرر عرض مطعمه للبيع منذ أكثر من عام، بعد أن بدأ التفكير في مغادرة مصر، مشيراً إلى أن المشروع لم يكن مجرد محل تجاري بالنسبة له، بل خلاصة سنوات طويلة من العمل والجهد، حيث يبيع فيه الوجبات السريعة (كرسبي، ناغت) وغيرها، إضافة إلى الفول والفلافل.
وأضاف لموقع تلفزيون سوريا: " بدأنا من الصفر.
دفعنا تكاليف التجهيزات والمعدات والديكورات، وبنينا اسماً للمطعم بين الزبائن.
عندما قررنا البيع اعتقدنا أن الأمر سيكون سهلاً، لكن الواقع كان مختلفاً"، موضحاً أنّه تلقى عروضاً، خلال الأشهر الماضية، إلا أن معظمها كان بعيداً عن السعر الذي يراه مناسباً.
وتابع: " الكثيرون يريدون شراء المحل مع كامل معداته وتجهيزاته بسعر منخفض جداً، وكأن سنوات العمل والسمعة التجارية لا قيمة لها"، مردفاً: " نحن لا نبيع طاولات وكراسٍ فقط، بل نبيع مشروعاً قائماً يعمل منذ سنوات، لذلك نشعر أن بعض العروض لا تعكس القيمة الحقيقية لما بنيناه".
أثاث منزل كامل وعروض متدنيةأما الخسارة الأكثر إيلاماً بالنسبة لبعض العائلات، تظهر عند محاولة بيع الأثاث والأجهزة المنزلية، حيث تقول إحدى السيدات السوريات إنها بدأت بعرض أثاث منزلها للبيع بعد اتخاذ قرار المغادرة، معتقدة أن الأمر سيكون أسهل من بيع العقار، لكنها فوجئت بعروض منخفضة للغاية.
وأضافت لموقع تلفزيون سوريا: " غرف النوم والأجهزة الكهربائية كلها بحالة ممتازة، وبعضها لم يُستخدم إلا لفترات قصيرة، ومع ذلك كانت الأسعار المعروضة أقل بكثير مما توقعنا.
أحياناً أشعر أن الناس لا تنظر إلى قيمة الأشياء، بل إلى حاجتنا للبيع فقط".
كذلك، تروي السيدة موقفاً ترك أثراً سيئاً لديها، قائلة: " أحد الأشخاص سأل عن الثلاجة، وبعد أن عرف أننا نغادر قال كلاماً معناه أنه يريدها تقريباً مجاناً.
شعرت وقتها أن كل ما اشتريناه خلال سنوات أصبح بلا قيمة".
زيادة المعروض تؤثر على الأسعارمن جهة أخرى، يقدم العاملون في السوق العقارية تفسيراً مختلفاً لما يحدث، حيث قال سمسار عقاري سوري يعمل في السوق المصرية، إنّ عدد العقارات المعروضة للبيع من قبل السوريين ارتفع خلال الأشهر الأخيرة بشكل ملحوظ، موضحاً: " عندما يرتفع عدد البائعين في الوقت نفسه، ويكون قسم منهم مستعجلاً للبيع، فمن الطبيعي أن تظهر ضغوط على الأسعار".
وأشار لموقع تلفزيون سوريا، إلى أن بعض السوريين ينجحون في بيع عقاراتهم بسعر قريب من توقعاتهم، بينما يضطر آخرون إلى خفض الأسعار تدريجياً بسبب طول فترة الانتظار، مردفاً: " لا يمكن القول إن كل العقارات تُباع بخسارة، أو إن جميع المشترين يستغلون البائعين، لكن من الواضح أن زيادة المعروض وحاجة بعض المالكين إلى البيع بسرعة جعلتا المفاوضات أكثر صعوبة بالنسبة لكثير من السوريين".
عندما تصبح العودة أكثر تكلفةلا تقف معاناة السوريين عند حدود البيع داخل مصر، بل تمتد إلى حسابات العودة إلى سوريا، حيث تشير شهادات متعددة إلى ارتفاع كبير في أسعار العقارات داخل عدد من المدن السورية، ولا سيما دمشق وحلب ومحيطهما.
ويقول سوريون إن المبالغ التي قد يحصلون عليها من بيع ممتلكاتهم في مصر لا تكفي، في كثير من الحالات، لشراء منزل بمستوى مشابه داخل سوريا، في حين ارتفعت تكاليف تجهيز المنازل وشراء الأثاث والأجهزة الكهربائية.
وبحسب شهادات لموقع تلفزيون سوريا، قد يصل سعر غرفة نوم جيدة إلى ما بين 1500 و2000 دولار أو أكثر، بينما تحتاج الأسرة إلى آلاف الدولارات الإضافية لتأمين بقية مستلزمات المنزل، ما يجعل قرار الرحيل أكثر تعقيداً من مجرد بيع شقة أو مشروع تجاري.
وبين الرغبة في طي صفحة من حياتهم والبحث عن بداية جديدة، يجد كثير من السوريين أنفسهم أمام تحدٍّ مالي صعب، يتمثل في كيفية التصرف بممتلكاتهم من دون تكبد خسائر كبيرة.
وفي حين يرى أصحاب العقارات والمشاريع أن العروض لا تعكس القيمة الحقيقية لما يملكونه، يشير عاملون في السوق إلى أن حركة البيع والشراء تبقى مرتبطة بعوامل العرض والطلب والظروف الاقتصادية وضغط الوقت.
وفي المحصلة، تتحول سنوات من العمل والاستقرار بالنسبة إلى كثير من العائلات السورية إلى مفاوضات طويلة بحثاً عن مشترٍ، في وقت يتزايد فيه القلق من المستقبل وتكلفة البدء من جديد.
يأتي ذلك في ظل حملة تضييق على الأجانب في مصر، بمن فيهم السوريون.
وسبق أن أكدت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن أوضاع السوريين في مصر شهدت تراجعاً واضحاً بين كانون الثاني/يناير ونيسان/أبريل 2026، مع تشديد إجراءات تجديد الإقامات، وما رافقها من حالات احتجاز، شملت أشخاصاً مسجلين لدى مفوضية اللاجئين وآخرين يحملون إقامات سارية، الأمر الذي دفع عدداً متزايداً منهم إلى التفكير بالعودة إلى سوريا.
يُشار إلى أن كثيراً من السوريين الذين ما زالوا يحملون إقامات سارية، يعيشون حالة من القلق، خشية صدور قرارات مفاجئة قد تؤثر في استقرارهم ووضعهم القانوني في مصر، وتدفعهم إلى العودة قبل ترتيب ممتلكاتهم وحياتهم من جديد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك