إيلاف- واشنطن: الرئيس الأميركي يصل إلى فرنسا بعد أشهر من السخرية والانتقادات والتهديدات، فيما تنتظر القادة ملفات إيران وأوكرانيا والصين وسط علاقات شخصية مثقلة بالتوتر.
يصل الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى فرنسا، الاثنين، للمشاركة في قمة «مجموعة السبع»، لكنه لن يدخل قاعة الاجتماعات محاطاً بحلفاء تجمعه بهم خلافات سياسية عابرة فحسب؛ إذ سيجلس إلى طاولة واحدة مع قادة سخر منهم، وانتقد سياساتهم، وهدد دولهم، أو وضعهم في مواقف دبلوماسية شديدة الحرج خلال الأشهر الماضية.
وتنعقد القمة في إيفيان الفرنسية من 15 إلى 17 حزيران (يونيو) 2026، وسط توقعات بأن يناقش القادة الاتفاق الأميركي الإيراني الجديد، والسياسات التجارية الصينية، والحرب الروسية على أوكرانيا.
لكن خلف جدول الأعمال الرسمي، تتحرك شبكة من الخصومات الشخصية والتوترات التي قد تجعل كل مصافحة محمّلة بذاكرة مواجهة سابقة.
اجتماع عائلي و«عمّ» لا يحبه أحدشبّه ماكس بيرغمان، المحلل في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أجواء القمة بتجمع عائلي خلال عطلة، يحضره «عمّ لا تحبه تماماً».
وأضاف أن أحداً لا يرغب في الوصول إلى مواجهة مباشرة، حتى عندما تصبح الأجواء عدائية بصورة غير معلنة، لكنه حذر من احتمال انفلات الموقف وتحوله إلى مشهد درامي.
ويلخص التشبيه المعضلة التي يواجهها قادة «السبع»: فهم يحتاجون إلى التعاون مع ترامب في ملفات دولية شديدة الحساسية، بينما يدركون أن أي خلاف علني قد يتحول سريعاً إلى هجوم شخصي أو تهديد اقتصادي أو أمني.
ستارمر ليس تشرشل في نظر ترامبتركزت انتقادات ترامب لرئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر على تردد بريطانيا في مساعدة الضربات العسكرية الأميركية ضد إيران، إلى جانب سياسات الهجرة والطاقة المتجددة في المملكة المتحدة.
وجاءت أقسى عباراته بعدما رفض ستارمر في البداية السماح للطائرات العسكرية الأميركية باستخدام قاعدة بريطانية في المحيط الهندي للمشاركة في قصف إيران.
وقال ترامب عن ستارمر: «هذا ليس ونستون تشرشل الذي نتعامل معه»، في مقارنة سلبية مع رئيس الوزراء البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية.
وفي الأيام الأولى من الحرب، هاجم ترامب رئيس الوزراء البريطاني بعد وضع حاملة الطائرات «إتش إم إس برنس أوف ويلز» في حالة استعداد متقدمة لاحتمال نشرها في الشرق الأوسط.
وكتب ترامب عبر وسائل التواصل الاجتماعي: «لسنا بحاجة إلى أشخاص ينضمون إلى الحروب بعدما نكون قد انتصرنا بالفعل».
رئيس وزراء كندا أم «الحاكم»؟كثيراً ما أعرب ترامب عن غضبه من الاختلال التجاري مع كندا، وكرر حديثه عن ضمها وجعلها «الولاية الـ51» للولايات المتحدة.
كما اعتاد وصف رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بـ«الحاكم»، وهو لقب يتجاهل موقعه رئيساً لحكومة دولة مستقلة.
وبلغ التصعيد ذروته بعدما ندد كارني، خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، باستخدام القوى الكبرى الإكراه ضد الدول الأصغر، من دون أن يذكر ترامب بالاسم.
ورد الرئيس الأميركي قائلاً: «كندا تعيش بفضل الولايات المتحدة.
تذكّر ذلك يا مارك في المرة المقبلة التي تدلي فيها بتصريحاتك».
وحاول كارني تجنب الانجرار إلى مواجهة مفتوحة، قائلاً إن ترامب «مستخدم نشط للغاية لوسائل التواصل الاجتماعي»، وإنه لن يرد على كل منشور يصدر عنه.
ماكرون وزوجته يدخلان خطاب ترامبلم يقتصر الخلاف بين ترامب والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على السياسات التجارية أو موقف فرنسا من الحرب على إيران.
فخلال مأدبة غداء في البيت الأبيض في نيسان (أبريل)، انتقد ترامب معارضة فرنسا ودول أخرى في حلف شمال الأطلسي مساعدة الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، قبل أن ينتقل إلى التعليق على مقطع مصور ظهر فيه ماكرون وزوجته بريجيت أثناء نزولهما من طائرة في زيارة إلى فيتنام.
وقال ترامب إن بريجيت تعامل ماكرون «بشكل سيئ للغاية»، وزعم أن الرئيس الفرنسي «لا يزال يتعافى من لكمة على الفك».
ورد ماكرون بأن ما حدث لم يكن سوى مزاح بينه وبين زوجته، واصفاً تعليقات ترامب بأنها «ليست أنيقة ولا مناسبة».
كما اعتاد ترامب تقليد لهجة ماكرون بطريقة مبالغ فيها أثناء روايته محادثات تجارية جرت بينهما، مقدماً الرئيس الفرنسي دائماً بوصفه الطرف الذي يتراجع سريعاً أمام مطالبه.
ميلوني تنتقل من الإشادة إلى التشكيك في شجاعتهاحتى وقت قريب، كانت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني تحظى بمكانة مميزة لدى ترامب.
وخلال قمة عقدت في مصر لمناقشة مرحلة ما بعد الحرب في غزة، وصفها بأنها «سياسية ناجحة جداً» و«جميلة».
لكن موقفه تغير بعدما رفضت إيطاليا مساعدة الولايات المتحدة في الحرب ضد إيران، وانتقدت ميلوني خلاف ترامب مع البابا ليو الرابع عشر بشأن النزاع.
وقال ترامب عنها في حديث إلى صحيفة «كورييري ديلا سيرا» في ميلانو: «هل يحبها الناس؟ لا أستطيع تصديق ذلك».
وأضاف: «اعتقدت أنها تملك الشجاعة.
كنت مخطئاً».
بيرل هاربر تحضر إلى جانب رئيسة وزراء اليابانلم يوجه ترامب انتقاداً مباشراً إلى رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي منذ توليها منصبها في تشرين الأول (أكتوبر)، لكن أول زيارة لها إلى البيت الأبيض لم تخلُ من موقف محرج.
فعندما سأله صحافي ياباني عن سبب عدم إبلاغ الحلفاء في أوروبا وآسيا قبل الهجوم الأميركي على إيران، استدعى ترامب هجوم بيرل هاربر لتبرير عنصر المفاجأة.
وقال بينما كانت تاكايتشي تقف إلى جواره: «من يعرف المفاجآت أفضل من اليابان؟ لماذا لم تخبروني عن بيرل هاربر؟ ».
وأثارت العبارة استغراباً في اليابان، بعدما اعتاد اليابانيون على رؤساء أميركيين يتجنبون استخدام الهجوم الذي دفع الولايات المتحدة إلى دخول الحرب العالمية الثانية بهذه الطريقة.
واكتفت تاكايتشي بالنظر إلى وزرائها الجالسين في المكان، من دون الرد، وهو موقف أثار مزيجاً من الإشادة والانتقادات داخل بلادها.
حرب إيران تفجر الخلاف مع ميرتسأغضب المستشار الألماني فريدريش ميرتس ترامب في نيسان (أبريل)، عندما قال إن إيران «تهين» الولايات المتحدة، وانتقد دخول واشنطن الحرب من دون استراتيجية، معتبراً أن غياب الخطة جعل إنهاء النزاع أكثر صعوبة.
ورد ترامب في اليوم التالي، داعياً ميرتس إلى قضاء وقت أطول في إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وإصلاح بلاده «المحطمة»، ولا سيما في ملفي الهجرة والطاقة.
وبعد أيام، أعلنت وزارة الدفاع الأميركية سحب نحو 5 آلاف جندي من ألمانيا، فيما ألمح ترامب إلى احتمال خفض الوجود العسكري الأميركي بدرجة أكبر.
ذكرى الإنزال تتحول إلى إحراج تاريخيسبق أن شهد لقاء جمع ترامب وميرتس في البيت الأبيض موقفاً آخر، عشية ذكرى إنزال النورماندي الذي مهّد لتحرير أوروبا الغربية وهزيمة ألمانيا النازية.
وأشار ميرتس إلى الذكرى وهو يتحدث عن قدرة الولايات المتحدة مجدداً على المساعدة في إنهاء حرب ذات أهمية كبرى لأوروبا، في إشارة إلى الحرب الروسية على أوكرانيا.
لكن ترامب قاطعه قائلاً إن ذلك اليوم «لم يكن يوماً سعيداً بالنسبة إليكم».
ورد المستشار الألماني بأن الإنزال شكّل أيضاً بداية «تحرير بلادي من الديكتاتورية النازية»، ليقر ترامب بأن ميرتس لديه وجهة نظر وجيهة.
إيران وأوكرانيا والصين فوق طاولة مثقلة بالخصوماترغم هذه العلاقات المتوترة، سيكون على القادة مناقشة قضايا لا تحتمل المجاملات الطويلة.
وفي مقدمة الملفات الاتفاق الذي أُعلن بهدف إنهاء الحرب مع إيران، بعد انتقادات وجهها عدد من قادة المجموعة إلى طريقة إدارة ترامب للنزاع ودخول الولايات المتحدة فيه.
كما ستناقش القمة السياسة التجارية الصينية والحرب الروسية على أوكرانيا، في وقت يبدو فيه ترامب أكثر إصراراً على اعتماد مسار منفرد في القضايا ذات التداعيات العالمية، وفق وكالة «أسوشييتد برس».
هل تصمد المصافحات أمام أول خلاف؟يدخل ترامب القمة وفي يده اتفاق مع إيران يمنحه ورقة سياسية جديدة، لكنه يصل أيضاً إلى مكان يجمع معظم القادة الذين اصطدم بهم أخيراً.
وبين ستارمر الذي قورِن سلباً بتشرشل، وكارني الذي يسميه «الحاكم»، وماكرون الذي طالت السخرية حياته الشخصية، وميلوني التي شكك في شجاعتها، وتاكايتشي التي واجهها ببيرل هاربر، وميرتس الذي لوّح بعد خلافه بتقليص القوات الأميركية، تبدو الصورة الجماعية أسهل أجزاء القمة.
أما الاختبار الحقيقي، فسيبدأ عندما تُغلق الأبواب، وتتحول الإهانات القديمة إلى مفاوضات جديدة بشأن الحرب والتجارة والأمن العالمي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك