بالرغم من حديث الرئيس إيمانويل ماكرون قبل عامين بأن" الاتساق في الموقف من الحرب على غزة ولبنان يقتضي عدم توفير الأسلحة لإسرائيل" واصلت 6 شركات فرنسية أعمالها في تزويد جيش الاحتلال بآلات الفتك وشحن الأميركية منها لقواته.
- في ختام أعمال القمة الفرنكوفونية وتحديداً في الخامس من أكتوبر/تشرين الأول 2024، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنه" إذا كنّا ندعو إلى وقفٍ لإطلاق النار في غزة ولبنان، فإن الاتساق يقتضي عدم توفير أسلحة الحرب لإسرائيل"، وهي جملة توقف أمامها" مرصد التسلح" وتمعن في ما جرى قبلها وبعدها للإشارة إلى تناقضها مع ما جرى توثيقه على أرض الواقع.
والمرصد الذي تأسس عام 1984 ويتخذ من مدينة ليون الفرنسية مقراً له، هو مركز مستقل للتوثيق والأبحاث حول الحروب والنزاعات ويركّز في إصداراته على تعزيز الرقابة على صناعة وتصدير الأسلحة وعلى القضاء على الأسلحة النووية، ومن بين أعماله، مذكرة تحليلية صادرة في شهر يونيو/حزيران 2025 بعنوان" الحرب في غزة، كيف تتعاون فرنسا مع إسرائيل"، عرض فيها أنشطة ست شركات فرنسية لم تُوقف تعاونها مع الجانب الإسرائيلي رغم الحرب على قطاع غزة هي STMicroelectronics, Exxelia, Safran, Nicomatic, Radiall, Airbus Helicopters.
تكشف عملية التتبع لأنشطة تلك الشركات عن تصدير آلاف المكونات الداخلة في صناعة الصواريخ والطائرات الحربية والأقمار الاصطناعية، فضلاً عن العديد من الأسلحة التي يستخدمها الجيش الإسرائيلي ضد الفلسطينيين ودول الشرق الأوسط.
خفايا الصادرات الفرنسية إلى إسرائيللا يعد مرصد التسلح الجهة الفرنسية الوحيدة التي تناولت الملف، إذ أصدرت منظمات Urgence Palestine, People's Embargo For Palestine وحركة الشباب الفلسطيني تقريراً مشتركاً في السابع من إبريل/نيسان 2026 حمل عنوان" خفايا الصادرات العسكرية الفرنسية إلى إسرائيل" وخلص إلى تورط باريس في تسليح إسرائيل على مستويين: أولاً، خلال الفترة الممتدة ما بين أكتوبر 2023 ومارس/آذار2026، إذ أرسلت فرنسا 525 شحنة سلاح إلى شركات إسرائيلية متخصصة في الصناعات الدفاعية والجوفضائية، واستناداً إلى بيانات جمركية، يتبين أن محتوى الشحنات كان متنوعاً، ويشمل مشغلات ميكانيكية، وأنظمة بصرية، وبطاريات لأنظمة الطيران والأنظمة الأرضية، ووصلات الذخيرة للبنادق والمدافع الرشاشة، وأجهزة استشعار للمركبات المدرعة ومكونات لأنظمة مدفعية.
بينما المستوى الثاني من التورط يتمثل في تحوّل فرنسا إلى محطة" ترانزيت" على طريق تصدير المعدات العسكرية الأميركية إلى إسرائيل: " بين 4 إبريل 2025 و25 أكتوبر 2025 فقد أُرسلت 117 شحنة من قواعد جوية أميركية ومن مقار شركة Lockheed Martin الأميركية (متخصصة في الصناعات الدفاعية والأمنية) إلى قاعدة نيفاتيم الجوية الإسرائيلية".
تصنف المكونات المُصدَّرة أساسية في عمليات صيانة وإصلاح الطائرات الإسرائيلية المقاتلة من طراز F-35I التي استخدمت في غزة وجنوبي لبنان وإيران، حتى بات هذا الطراز مرتبطا بالمجازر وجرائم الحرب والهجمات المتعمدة ضد المدنيين.
ويتبين من التسهيلات الإدارية التي تحظى بها شركة الشحن الأميركية، FedEx، داخل مطار" شارل ديغول" الباريسي، تحول الميناء الجوي إلى حلقة وصل رئيسية في عملية نقل الشحنات العسكرية الأميركية إلى سلاح الجو الإسرائيلي.
ومن هنا وفي حديث مع" العربي الجديد"، أوضح مسؤول برنامج المناصرة والتقاضي عن الأسلحة في منظمة العفو الدولية إمريك إيلوان أن" فرنسا تواجه خطر اتهامها بالتواطؤ في الجرائم التي ترتكبها إسرائيل".
بحسب إيلوان، الذي أصدر كتاباً عام 2021 حمل عنوان" مبيعات الأسلحة، عار فرنسي"، أجرت منظمة العفو الدولية تحقيقات دلت نتائجها على ارتكاب إسرائيل إبادة جماعية في قطاع غزة بالتالي لا يمكن لباريس التذرع، مثلا، بغياب حكم قضائي لتبرير تقاعسها عن وقف صادراتها من الأسلحة إلى إسرائيل.
المشاركة في الإبادة الجماعيةيعيد الحقوقي الفرنسي إيلوان التذكير بما صدر عن محكمة العدل الدولية في 26 يناير/كانون الثاني 2024 بشأن" الإبادة الجماعية المحتملة" في قطاع غزة ومطالبتها باتخاذ كافة التدابير لمنعها.
واستطرد مستشهداً بـ" اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها"، الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948: " الاتفاقية لا تنص فقط على معاقبة مرتكبي الإبادة الجماعية، بل تُلزم الموقعين عليها بالعمل على منع وقوعها".
يؤكد ما سبق أن برلمانيين فرنسيين استجوبوا كُلاً من وزير الجيوش السابق سيباستيان لوكورنو (قبل ترؤسه الحكومة الفرنسية الحالية)، ورئيس الحكومة السابق غابريال آتال، ووزير الخارجية جان نويل بارو، حول استمرار الصادرات العسكرية الفرنسية إلى إسرائيل بعد 7 أكتوبر.
ستّ شركات فرنسية واصلت تعاونها مع الجانب الإسرائيلي أثناء الحرب على غزّةلكن ردود المسؤولين الثلاثة جاءت متطابقة بعد تصديرهم ذات الحجج ومفادها أن المعدات العسكرية الفرنسية المُصدَّرة ليست أسلحة بل مكونات تدخل في صناعة الأسلحة ووجهتها واحدة من اثنين: إما لاستخدامها في أنظمة دفاعية كالقبة الحديدية، أو لصناعة معدات عسكرية سيعاد تصديرها.
وبدوره التقرير السنوي لوزارة الجيوش لعام 2025 حول صادرات الأسلحة الفرنسية أكد هذه الحجج مشيراً إلى أن ثلثي المعدات المُصدَّرة إلى إسرائيل عبارة عن مكونات تدخل إما في صناعة معدات دفاعية أو لإعادة التصدير.
لكن الموقف الرسمي الفرنسي لم يكن مقنعاً لإمريك إيلوان: " فالتركيز على أن الصادرات العسكرية الفرنسية إلى إسرائيل ليست سوى مكونات، هو محاولة للتخفف من المسؤولية".
وفي ما يتعلق بالأنظمة الدفاعية، توقف الحقوقي الفرنسي عند تكرار المسؤولين الفرنسيين مثال القبة الحديدية حصراً، متسائلاً: ما هي الأسلحة أو الأنظمة الدفاعية الإسرائيلية الأخرى التي تستخدم مكونات فرنسية الصنع؟ غياب الشفافية يضاعف احتمال توجيه تلك المكونات نحو وجهات مغايرة.
توقف الحقوقي الفرنسي أيضا عند غياب الضمانات الإسرائيلية لإعادة تصدير المنتج النهائي (المستخدم الأخير) الذي يحتوي على مكونات فرنسية: " فافتقادنا لهذه الضمانات يشير إلى إمكانية توجيه تلك المكونات نحو المعدات المستخدمة في غزة".
بالنظر إلى غياب الشفافية اعتبر إيلوان أن" السلطات الفرنسية تطلب منا تصديقها بشكل أبوي كما يصدق الابن والده".
لكن المنظمات الثلاثة المذكورة أعلاه ردت بدورها على حجج السلطات الفرنسية لا سيما دعواها بأن بعض تلك المكونات موجهة للاستخدام المدني، مؤكدة أن العمليات العسكرية الإسرائيلية تشن في ظروف" غير طبيعية" وينبغي التحقق مما يرسل إلى تل أبيب، وفي الإطار نفسه، أشارت المذكرة التحليلية الصادرة عن مرصد التسلح إلى رهان الجهات الرسمية الفرنسية على" جهل الرأي العام بقطاع الصناعات العسكرية"، لتذكر التالي: " المكونات الإلكترونية المستخدمة في الحياة اليومية كافية لصناعة مسيرات زهيدة الثمن وبقدرة تدميرية تفوق الصواريخ التي تكلف ملايين اليوروهات".
هكذا في سياق حديثه مع" العربي الجديد" حرص إمريك إيلوان على توضيح الموقف القانوني تجنبا لأي مغالطة: " حتى اللحظة لا يمكن الجزم بتواطؤ فرنسا مع إسرائيل في ما ترتكبه من إبادة وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، هو مجرد احتمال وارد".
بالنظر إلى هذا الاحتمال من الممكن طرح التساؤل التالي: ما الذي يدفع باريس إلى المجازفة بتحمل تبعات قانونية من هذا النوع"؟" بخلاف ما يظنه بعضهم، تصدير معدات عسكرية فرنسية إلى إسرائيل لا يدر عوائد مالية ضخمة على فرنسا"، بهذه الكلمات استهل مدير مرصد التسلح باتريس بوفيريه حديثه لـ" العربي الجديد".
حديث بوفيريه مدعوم بالتقرير السنوي لوزارة الجيوش الفرنسية لعام 2025 عن صادرات الأسلحة الفرنسية: بين عامي 2015 و2024 إذ شكلت الصادرات العسكرية الفرنسية إلى إسرائيل 0.
28% من إجمالي الصادرات العسكرية الفرنسية خلال الفترة المذكورة.
يوضح باتريس بوفيريه، الذي أصدر في عام 2017 كتاباً بعنوان" التعاون العسكري والأمني بين فرنسا وإسرائيل"، أن كل الأرقام الصادرة عن الجهات الرسمية الفرنسية تقتصر على المعدات العسكرية المباشرة فقط، ولا تشمل المكونات ذات الاستخدام المزدوج (عسكري، مدني).
رغم محدودية الأرقام واستنادا إلى ما توصل إليه مرصد التسلح من معطيات خلال سنوات عمله، اعتبر بوفيريه أن المصلحة الفرنسية من مواصلة تصدير المعدات العسكرية وكافة أشكال التعاون العسكري مع إسرائيل، يجري تبريرها بالاستفادة من التقدم التقني الإسرائيلي في عدد من المجالات: " الحروب التي خاضتها إسرائيل جعلتها متقدمة في مجال الروبوتات والمعلوماتية وميكنة المعدات العسكرية بما يقلل الخسائر البشرية في حين لا تزال فرنسا متأخرة نسبياً في هذه المجالات ولا تمتلك القدرة على اختبار جميع منتجاتها ميدانيا كما تفعل إسرائيل".
ويذهب إمريك إيلوان في الاتجاه ذاته، مشيراً إلى ما يثار حول التقدم الإسرائيلي في مجال المسيرات ما يسمح بتطوير القدرات الفرنسية في هذا القطاع مضيفا أن فرنسا تتحفظ عن المعلومات الخاصة بوارداتها من إسرائيل.
للتحقق من هذه المعلومات تواصلت" العربي الجديد" مع الجنرال تييري بوركار، رئيس أركان الجيوش الفرنسية السابق، ومع الكولونيل برتران شاندوينو، الملحق العسكري الفرنسي السابق في إسرائيل.
لكنهما اعتذرا عن الحديث لالتزامهما بعدم الكشف عن معلومات مصنفة سرية.
وعليه، جرى الاعتماد على المصادر المفتوحة التي تقاطعت مع ما ورد على لسان بوفيريه وإيلوان.
في الأول من إبريل 2026، نشرت الجمعية الوطنية الفرنسية تقريراً بعنوان" التبعية العسكرية الفرنسية للدول الأجنبية".
التقرير ذكر أنه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ساد انطباع في القارة الأوروبية بانتهاء زمن الحروب لتتراجع بذلك ميزانية الدفاع الفرنسية وتتقلص الإمكانات البشرية واللوجستية الموجهة إلى الصناعات الدفاعية طوال العقود الثلاثة الأخيرة.
وهو تراجع انعكس على الصناعات الدفاعية الفرنسية التي ظلت موجهة بشكل رئيسي إلى المعدات العسكرية التقليدية على حساب القطاعات الحديثة (الاستخبارات الفضائية، الذكاء الاصطناعي، الحرب السيبرانية، المسيرات.
) لتبدو المنتجات الفرنسية أقل جودة.
رغم تركيز التقرير على العلاقة مع الولايات المتحدة، لكنه صنف إسرائيل" شريكاً مفضلاً لفرنسا بالنظر إلى قدراتها التكنولوجية".
وفي السياق نفسه، أوضحت المذكرة التحليلية لمرصد التسلح أن الشركات الفرنسية تعتبر إسرائيل مركزاً لتطوير تقنيات" جرى اختبارها خلال المعارك" (المسيرات، الذكاء الاصطناعي، مراقبة السكان.
).
وفقاً للمرصد، غاية الشركات الفرنسية ليس التغلغل في السوق الإسرائيلية لمضاعفة أرباحها، إنما ترى في تصدير المعدات العسكرية مدخلاً للإبقاء على التعاون مع الجانب الإسرائيلي بغرض الاستفادة من ابتكاراته.
وعليه تحرص الشركات الفرنسية على الحضور في أي مشروع تطوير عسكري أو مدني إسرائيلي لمراكمة خبرة تتيح لها مضاعفة حصتها من السوق العالمية، بحسب المذكرة.
أما وزارة الجيوش الفرنسية، فأوضحت في تقريرها لعام 2025 أن فرنسا تعتمد على الشركات الوطنية لتلبية احتياجاتها الدفاعية.
غير أن" قاعدة الصناعة والتكنولوجيا الدفاعية" لا يمكنها الاكتفاء بالطلب الداخلي، ما يجعل الصادرات عنصراً أساسياً للحفاظ على استمرارية العملية الإنتاجية وتطوير القدرات وتحديثها بما يعزز السيادة الفرنسية.
ولم يغفل التقرير الأهداف السياسية من تصدير معدات عسكرية فرنسية عبر" الاستجابة للاحتياجات الدفاعية لشركائنا، ما يشكل رافعة لأمننا.
كما يمكن لصادرات الأسلحة إلى دول حريصة على الاستقرار الإقليمي أن تردع جيرانها الذين قد يميلون إلى سياسة القوة".
وأشار باتريس بوفيريه إلى" غياب المحاسبة" سبباً إضافياً لتفسير الاستمرار في تصدير المعدات العسكرية الفرنسية إلى إسرائيل.
المذكرة التحليلية الصادرة عن المرصد ذكرت حادثة وقعت خلال حرب العام 2014 على غزة: " بين حطام أحد الصواريخ التي أدت إلى مقتل ثلاثة أطفال، عُثر على مُكوِّن يعود إلى شركة Exxelia الفرنسية".
يقول بوفيريه لـ" العربي الجديد": " رغم مرور 12 عاماً على رفع دعوى قضائية مصحوبة بالأدلة المادية، لم نصل بعد إلى أي نتيجة، بالتالي ليس هناك ما يُقلق المسؤولين الفرنسيين كما الشركات الفرنسية".
هل موازين القوى مختلة لصالح إسرائيل؟في موازاة استمرار تصدير المعدات العسكرية الفرنسية إلى إسرائيل، أعلنت تل أبيب في 31 مارس 2026 التوقف عن استيراد المعدات العسكرية والدفاعية من فرنسا، رداً على ما وصفته" بسياسة فرنسا العدائية" خاصة بعد قرار باريس إغلاق مجالها الجوي أمام نقل أسلحة أميركية إلى إسرائيل لاستخدامها في الحرب ضد إيران.
يوضح باتريس بوفيريه لـ" العربي الجديد" أنه يصعب الجزم ما إذا كان الإعلان الإسرائيلي سيترجم على أرض الواقع، خاصة لجهة المكونات ذات الاستخدام المزدوج.
كما تساءل عن توقيت تطبيقه لوجود عقود مبرمة بين الجانبين لا تزال قيد التنفيذ: " هل ستفسخ كل العقود فوراً أم سيقتصر الأمر على العقود المستقبلية؟ ".
بوفيريه رأى في إغلاق المجال الجوي الفرنسي وما تبعه من إعلان إسرائيلي ترجمة لسلسلة من التباينات السياسية بين فرنسا وإسرائيل (الاعتراف بالدولة الفلسطينية، الموقف الفرنسي من الحرب على لبنان، ما يثار عن امتعاض ماكرون من نتنياهو.
).
يوضح بوفيريه في هذا السياق أن ما جعل تل أبيب أكثر استعداداً للإقدام على هذه الخطوة من باريس هو مقاربتها شراكتَها مع فرنسا في هذا القطاع، إذ تنظر إليها من زاوية المصلحة السياسية: " هاجس إسرائيل تجنب الوصم وتعزيز حاجة دول العالم إليها".
على ضوء ما ذكره بوفيريه، يبرز السؤال التالي: لماذا توحي هذه التباينات بتآكل في النفوذ الفرنسي (إسرائيل تعاقب فرنسا التي لا ترد عليها بالمثل)؟ هل موازين القوى مختلة لصالح إسرائيل؟ أم يعود الأمر إلى عيوب في الأداء الدبلوماسي الفرنسي؟الباحثة في مؤسسة البحث الاستراتيجي، أحد مجامع التفكير الفرنسية، لور فوشيه، نشرت مذكرة بتاريخ السادس من أكتوبر 2025 بعنوان" التحول الإقليمي لإسرائيل وتأثيره على المصالح الإستراتيجية الفرنسية".
فوشيه المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط رأت أن إسرائيل، بعد 7 أكتوبر، أعادت صياغة مفهومها للأمن القومي وباتت تبلور سياستها الإقليمية اعتماداً على الهيمنة العسكرية أكثر منها على الحلول السياسية والدبلوماسية، وهو ما يتجلى في التضييق على أي دور للأطراف الأممية، مثل قوات حفظ السلام، أو الوسطاء مثل فرنسا.
وتخلص فوشيه في مذكرتها إلى أن هذا التحول الإسرائيلي يضع فرنسا أمام أربعة تحديات، ليس فقط في الشرق الأوسط بل أيضا داخل فرنسا وأوروبا، وتتمثل هذه التحديات في: غياب أي أفق لعودة الاستقرار، تآكل الدبلوماسية والقانون الدولي، تدخل الحكومة الإسرائيلية في الشؤون الداخلية الفرنسية والأوروبية لصالح اليمين المتطرف، " لعبة تل أبيب الغامضة مع موسكو".
بحسب فوشيه، يقود هذا الواقع إلى خطر استبعاد فرنسا تدريجياً من الشرق الأوسط وحرمانها من قدرتها على التحرك بوصفها لاعباً مستقلاً وذا سيادة في المنطقة.
السفير الفرنسي السابق جان دوغلينياستي استعرض من جهته المسار العام لانكماش النفوذ الفرنسي الذي بدأ، وفقاً له، قبل 7 أكتوبر.
دوغلينياستي، وهو مدير للأبحاث في معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية، أصدر كتاباً في فبراير/شباط 2024 حمل عنوان" فرنسا، دبلوماسية مشوشة"، تناول فيه مسار هذا الانكماش.
يشير دوغلينياستي إلى أن فرنسا كانت لاعباً سياسياً لا يمكن تجاوزه في منطقة الشرق الأوسط، لكن هذه المكانة تزعزعت بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003، " صحيح أن استقلالية القرار الدبلوماسي الفرنسي بلغت ذروتها مع رفض هذا الغزو، لكنها كانت، بنظره، بداية النهاية مع تعرض فرنسا لحملة إعلامية أميركية، إلى جانب مقاطعة البضائع الفرنسية في الولايات المتحدة، فضلاً عن تضييق واشنطن على مؤسساتها المالية والصناعية".
يعتبر دوغلينياستي أن باريس اضطرت إلى" الإنحناء أمام العاصفة" التي كشفت هيمنة النفوذ الأميركي في ظل العولمة الليبرالية.
كما توقف دوغلينياستي عند التحولات التي شهدها الشرق الأوسط منذ العام 2003، وكان أبرزها: تنامي النفوذ الإيراني، الربيع العربي والحرب على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).
وعليه، لم تعد القضية الفلسطينية أولوية لدى فرنسا، بعدما كانت في صلب ما كان يُعرف بـ" السياسة العربية لفرنسا".
يضيف دوغلينياستي أن القضية الفلسطينية وتداعياتها باتت جزءاً من الحياة السياسية الداخلية الفرنسية، وتحديداً منذ عهد نيكولا ساركوزي، ومع فرنسوا هولاند، أصبح تفهم الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية أكثر أهمية من حقوق الفلسطينيين.
بالتالي لم تعد فرنسا توحي بتبنيها خطاً مستقلاً عن شركائها الغربيين، خاصة بعد تكيفها مع" ثلاثية اليمين الإسرائيلي": التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية وحصار غزة والتطبيع مع الدول العربية.
ويخلص دوغلينياستي إلى أن فرنسا تتأرجح بين الثقل الغربي والإرث الديغولي (نسبة لمؤسس الجمهورية الخامسة شارل ديغول الحريص على استقلالية القرار الدبلوماسي لبلاده).
تردد يجعل من الصعب عليها فرض نفسها قوةً وازنةً لتتآكل بذلك استقلالية الدبلوماسية الفرنسية حتى بات صعباً على باريس بلورة خط دبلوماسي يضمن لها الحفاظ على موطئ قدم في عدة ساحات.
من جهته، اعتبر مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية باسكال بونيفاس أن تراجع النفوذ الفرنسي في الشرق الأوسط لا يقتصر على المقاربة الإسرائيلية المستجدة لأمنها القومي ولا على المسار التاريخي الذي أشار إليه دوغلينياستي، بل يتجاوزه إلى عوامل مرتبطة بالأداء الدبلوماسي الفرنسي.
في مقطع مصور نشره على قناته الخاصة بعنوان" لبنان: إهانة إسرائيلية جديدة لفرنسا"، انطلق بونيفاس من إصرار تل أبيب على استبعاد باريس من مسار المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية لتسليط الضوء على حدود الدور الفرنسي الراهن.
تراجع ما كان ممكناً، برأيه، لولا" عيوب" الدبلوماسية الفرنسية: " فرنسا هي التي تتنازل دائما أمام إسرائيل، وهي التي تصغي في كل مرة إلى إسرائيل التي لا تحترم كثيراً القانون الدولي، ما يفضي إلى علاقة غير متوازنة تلحق ضرراً بمكانة فرنسا".
لدعم حجته، توقف بونيفاس عند مقابلة لوزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو على إذاعة" فرانس إنتر" في التاسع من مارس 2026.
سُئل بارو عما إذا كان يعتبر الضربات الإسرائيلية على لبنان غير متوازنة (في ضوء مقتضيات القانون الدولي).
بوضوح، تهرب بارو من تقديم إجابة مباشرة مكتفياً بالحديث عن جهود بلاده لتقديم الدعم الإنساني.
مع تكرار السؤال أكثر من أربع مرات وإصرار المذيع على انتزاع إجابة، دعا الوزير الفرنسي الطرفين إلى الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار.
خشية فرنسا من معارضة" صاحب الجلالة"، على حد تعبير بونيفاس، تؤدي إلى خسائر متراكمة على جميع الصعد: من جهة، لا تنظر إسرائيل إلى فرنسا باعتبارها بلداً صديقاً، ما دفعها إلى معاقبتها على خلفية اعترافها بالدولة الفلسطينية، رغم أن هذا الاعتراف لم يترجم بنتائج ملموسة.
من جهة ثانية، تعززت صورة فرنسا لدى دول الجنوب العالمي بوصفها منحازة للموقف الإسرائيلي مع عدم اكتراث تل أبيب للمطالب الفرنسية: " قبول اللبنانيين باستبعاد باريس لا يعود فقط إلى كونهم في موقع ضعف، بل ربما لأنها لم تعد بنظرهم سنداً يمكن الركون إليه".
رغم اتفاق فوشيه على أن العلاقات الفرنسية – الإسرائيلية تفتقر إلى التوازن، لكنها ترى في ذلك خياراً سياسياً فرنسياً.
فوشيه توسعت في شرح وجهة نظرها خلال حديثها مع" العربي الجديد" وتشير الباحثة الفرنسية إلى مساعي إسرائيل لمعاقبة باريس على خلفية اعترافها بالدولة الفلسطينية رغم تأكيد الجانب الفرنسي أن هذه الخطوة لا تستهدف إسرائيل، بل للدفع بمسار السلام.
وتضيف أن الملفات التي تشهد تقاطعاً في وجهات النظر الفرنسية – الإسرائيلية، مثل نزع سلاح حزب الله والملف النووي الإيراني، تنطوي بدورها على تباينات لجهة آلية التنفيذ، موضحة أن هذه التباينات لا تحظى بتفهم في تل أبيب التي تعتبر الإصغاء للمقترحات الفرنسية عائقاً أمام بلوغ الأهداف الإسرائيلية: " إذا لم ننسجم بالكامل مع الاستراتيجية الإسرائيلية، يجرى تصنيفنا في المعسكر المقابل".
تؤكد فوشيه بدورها أن صراعات الشرق الأوسط باتت تلقي بثقلها على الحياة السياسية الداخلية الفرنسية، مشيرة إلى الاختلاف في آلية إدارة التباينات الفرنسية – الإسرائيلية، إذ تسعى فرنسا إلى إقامة علاقات" صحية وغير مسمومة" تجنبا: للانعكاسات الداخلية: " بوسع فرنسا أن تكون حازمة متى تطلب الأمر، لكن الاعتبارات الداخلية تدفعها إلى تجنب المواجهة العلنية".
برأي فوشيه، تتبنى باريس معادلة متوازنة، إنما دقيقة بعض الشيء: " الحزم تجاه إسرائيل مع تجنب إثارة الخلافات علناً"، بالمقابل، تعتبر أن الطرف الإسرائيلي يتحرك بناءً على منهجية مغايرة: إضعاف الحكومة الفرنسية عبر دعم اليمين المتطرف، إهانة فرنسا وتغذية التوترات الداخلية الفرنسية، لذا ترى أن القرار الرسمي الفرنسي ينطلق من اعتبارات داخلية، لكنه مبني أيضاً على سوء تقدير من قبل فرنسا ويتمثل في اعتقادها بقدرتها على التأثير في القرار الإسرائيلي إذا تجنبت المواجهة العلنية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك