منذ بداية شهر مارس (آذار) الماضي، كتبت وتحدثت بتفاصيل كثيرة حول تداعيات إعادة فتح مضيق هرمز.
ما زالت الرؤية كما هي، ومناسبة إعلان وقف إطلاق النار مناسبة لذكر ما توقعته.
أولاً، عملية مغادرة حاملات النفط والغاز المسال المحبوسة في الخليج تستغرق وقتاً طويلاً، إذ يتطلب خروج الناقلات الحالية ودخول سفن جديدة للتحميل نحو شهرين كاملين.
ثانياً، التأمين يظل قيداً أساسياً، إذ إن رسوم التأمين المرتفعة تحد من حجم الشحنات.
وقد تلجأ السوق إلى عمليات نقل من سفينة إلى أخرى عبر" أسطول الظل" لتجنب الأقساط المرتفعة، وتجدر الإشارة إلى أن أسعار الشحن المعلنة غالباً ما تكون" المتوسط إلى آسيا"، بينما أسعار الشحن إلى الولايات المتحدة وأوروبا قد تكون أعلى من ثلاثة إلى خمسة أضعاف.
ثالثاً، إعادة الإنتاج تحتاج إلى وقت طويل، إذ تستغرق استعادة إنتاج النفط نحو شهرين، بينما يحتاج الغاز الطبيعي المسال إلى سنة في الأقل للعودة لمستويات ما قبل الأزمة.
وهناك من يعتقد أن عودة كميات الغاز المسال لما كانت عليه قبل الأزمة قد يستغرق أكثر من عامين، بسبب الدمار الذي لحق ببعض المنشآت القطرية.
رابعاً، السعودية والإمارات ستستمران في استخدام خطوط الأنابيب لفترة أطول الأنابيب حتى يستقر الوضع، وقد تحتفظ الإمارات بمستويات مرتفعة إلى أجل غير مسمى بسبب الوفورات التي يحققها الأنبوب الناتجة من خفض تكاليف الشحن بالسفن.
خامساً، تنويع مصادر واردات النفط والغاز سيحد من التعافي في صادرات الخليج، والمستوردون يخفضون أخطار انقطاع الإمدادات بتنويع مصادر الواردات، ويتفق المحللون على أن غالبية الدول التي كانت تستورد من الخليج ستخفف اعتمادها عليه.
سادساً، النفط الإيراني بعد رفع العقوبات سيباع بسعر السوق من دون خصومات، من المتوقع أن تقلل الصين وارداتها، بينما ستدخل الهند ومشترون آخرون لاقتناص هذه الكميات.
سابعاً، النفط الروسي سيواجه ضغوطاً، إذ ستشدد العقوبات عليه، مما يجبر موسكو على تقديم خصومات أكبر.
وقد تنخفض واردات الهند من الخام الروسي، وتعوضها كميات من النفط الإيراني جزئياً.
ثامناً، إزالة الألغام، إذا كانت موجودة فعلاً، فإن إيران تتحمل المسؤولية الرئيسة عن إزالتها.
ومن الملفت أن السفن كانت تعبر الممرات الإيرانية والعمانية من دون مشكلات مع الألغام.
وهنا ثلاثة احتمالات: لا يوجد ألغام، يوجد ألغام بالقرب من الشواطئ الإيرانية لمنع غزو بري، يوجد ألغام متقدمة وضعت في قاع الخليج ويجري تفعيلها إلكترونياً إذ تطلق صاروخاً باتجاه الهدف على سطح الماء.
تاسعاً، سيكون هناك رد فعل قوي من السوق عند إعلان خبر فتح مضيق هرمز، إذ تنخفض الأسعار فوراً بعد الاتفاق كرد فعل أولي، ثم ترتفع بعد إدراك التجار والمضاربين أن هناك صعوبات عملية في استعادة الإمدادات والإنتاج.
عاشراً، ستستقر أسعار النفط عند مستويات أقل من ذروة الأزمة، لكنها تبقى أعلى من متوسطات ما قبل الأزمة، إلا في حال وجود ركود اقتصادي، إذ ستنخفض لفترة موقتة.
الحادي عشر، تعد هذه الأزمة الأكبر التي واجهها العالم منذ الحرب العالمية الثانية، وستبطئ النمو العالمي وتدفع بعض الدول إلى الركود، مع ملاحظة أن الاعتراف الرسمي بالركود يأتي متأخراً، وبعد حدوثه.
الثاني عشر، سيكون هناك تغيير هيكلي دائم في تجارة الطاقة العالمية لأن تجارة الطاقة العالمية لن تعود لما كانت عليه، وستقوم غالبية الدول بتنبي سياسات تنويع مصادر واردات النفط والغاز، وسيعمم نموذج التنويع، وستتعامل الحكومات مع الطاقة كقضية أمن قومي، وسيتسارع الاستثمار في الطاقة المتجددة والنووية وبطاريات التخزين والمركبات الكهربائية.
الثالث عشر، بعد شهور من الآن، بعد عودة الشحن لطبيعته، تكون" أوبك+" قد أنهت جميع التخفيضات الطوعية.
لن تكون هناك عقبات أمام زيادة الإنتاج، إلا في حال ركود عالمي يقلل الطلب وينتج منه فائض في السوق.
ما المتوقع في المرحلة المقبلة؟أولاً، عدد السفن المار بالمضيق يزداد يومياً، ويتوقع استمرار هذا الاتجاه وتسارع، حتى قبل توقيع الاتفاق رسمياً أو تحول مذكرة التفاهم إلى اتفاق سلام كامل.
ثانياً، أخطار التخريب ستبقى مرتفعة، إذ سيحاول متشددون في الحرس الثوري أو أطراف أخرى إفشال الاتفاق بهجمات محدودة.
ولن تؤدي هذه الحوادث إلى انهيار الاتفاق، لكن الأسواق قد تفسرها خطأً على أنها فشل، ومن ثم تؤثر في الأسعار.
ثالثاً، استمرار ارتفاع تكاليف التأمين بخاصة في حال وقوع حوادث من عناصر غير منضبطة.
رابعاً، تقليص السحب من المخزون الاستراتيجي الأميركي، إذ سيتراجع الطلب عليه، وعلى هذا فإن ما ستسحبه الولايات المتحدة سيبلغ نصف الكمية المخطط لها فقط، مما يسمح بإعادة بناء المخزونات التجارية.
خامساً، أي انخفاض في الأسعار سيكون مدفوعاً بالطلب، إذ إن عودة الإمدادات من الخليج بما في ذلك الإمدادات الإيرانية محسوبة في الأسعار الحالية.
أي انخفاضات إضافية ستأتي من ضعف الطلب، وليس من فائض العرض.
عودة الطلب الصيني ستدعم الأسعار، ربما بأكثر من خمسة دولارات للبرميل.
سادساً، صادرات الغاز الطبيعي المسال الأميركية ستبقى مرتفعة مع تراجعات موقتة بسبب عمليات الصيانة.
على رغم رغبة منتجي الخليج والمنطقة، بخاصة العراق والكويت، في زيادة الإنتاج السريعة، تبقى عقبات كبيرة، أبرزها مصير الناقلات الخاضعة للعقوبات.
هل سيرفع الحظر عنها تلقائياً، أم ستحتاج إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى إجراءات منفصلة طويلة؟كان الانخفاض الأخير في أسعار النفط رد فعل فورياً على الأخبار الإيجابية لإنتهاء الحرب.
ويتوقع ارتداداً قريباً مع استمرار الغموض، ثم استقراراً على المدى المتوسط فوق مستويات ما قبل الأزمة، ما لم يحدث ركود عالمي كبير.
ولا يتوقع ارتفاع الأسعار إلى 100 دولار خلال عام 2027 في أي سيناريو واقعي، إلا في حال أزمة سياسية كبيرة توقف الإمدادات مرة أخرى.
وستبقى كلفة شراء النفط من الخليج مرتفعة بسبب أسعار الشحن والتأمين، مما يعزز تنويع الواردات من المستوردين، ويضغط على قطاع البتروكيماويات، وقد يؤدي إلى موجة اندماجات في هذا القطاع الحيوي الذي تلقى ضربات عدة متوالية.
ولن يحل أي اتفاق مع إيران المشكلتين الاستراتيجيتين طويلتي الأمد، الملف النووي ومضيق هرمز، فكلاهما سيبقى مصدر توتر دائم.
المشكلة النووية شبه مستعصية، حتى لو سلمت إيران برنامجها النووي بالكامل، بما في ذلك اليورانيوم المخصب وأجهزة التخصيب، ستستمر الشكوك والتصريحات التي تتهم إيران بأنها مستمرة في برنامجها الننوي للحصول على القنبلة النووية، مما يعيد دورة الحرب والتوتر للمنطقة، وكذلك الحال مع هرمز: أي تهديد أو حادثة ستدفع الأسعار فوراً للارتفاع.
وأدرك الجميع الآن، بخاصة قادة الحرس الثوري الإيراني، أن التهديد بإغلاق هرمز، حتى لو كان كلام بكلام، ورقة رابحة.
وسيستغلها التجار والمصاربون ذوو النفوس الضعيفة، عن طريق نشر أخبار كاذبة عن هجمات على السفن في المنطقة لتحقيق كسب مالي سريع.
أزمة هرمز الأخيرة خلقت" علاوة أخطار هرمز" دائمة في السوق، ستغذي التقلبات وتعمق القلق العالمي من الاعتماد على نفط وغاز الخليج لعقود مقبلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك