لم يعد مشهد المسنّ التونسي الذي يعيش وسط أبنائه وأحفاده تحت سقف واحد يمثل القاعدة الاجتماعية السائدة، كما كان الحال قبل عقودٍ، فمع تسارع التحوّلات الديمغرافية، وهجرة عشرات الآلاف، وتغيّر أنماط العيش والعمل، برز قطاع جديد آخذ في الاتّساع، وهو قطاع رعاية كبار السنّ.
ويستفيد قطاع خدمات كبار السن الآخذ في التطوّر من تسارع معدلات الشيخوخة، إذ كشفت نتائج التعداد العام للسكان لسنة 2024، أن تونس دخلت فعلياً مرحلة الشيخوخة الديمغرافية، إذ بلغت نسبة الأشخاص الذين تتجاوز أعمارهم 60 سنة نحو 16.
9% من إجمالي السكان، أي ما يزيد عن مليونَي شخص، مقابل 11.
4% فقط سنة 2014، في مؤشر على التحوّل العميق الذي يشهده الهرم السكاني التونسي.
وطوال عقود، كان الأبناء في تونس يؤدون وظيفة رعاية الوالدين، وتتحمّل البنات غالباً الجزء الأكبر من أعباء المرافقة اليومية والعناية الصحية.
غير أنّ السنوات الأخيرة شهدت توسعاً في مؤسسات رعاية المسنّين، وخدمات التمريض المنزلي، ومُرافقي كبار السن، والعلاج الطبيعي المنزلي، لتتحوّل الرعاية من خدمة أسرية إلى خدمة مدفوعة.
لكن تونس بدأت تشهد ما يُعرف عالمياً بـ" اقتصاد الشيخوخة"، أي مجموعة الأنشطة والخدمات الموجّهة لفئة كبار السن التي تتوسع، وتختلف الخدمات من مؤسسة إلى أخرى، إذ توفّر بعضها إقامة كاملة تشمل الإعاشة والمتابعة الطبية والأنشطة الترفيهية، فيما تقتصر أخرى على الإقامة الأساسية أو الرعاية النهارية، كما ظهرت وكالات ومكاتب خاصة توفّر مرافقين ومرافقات للمسنين داخل المنازل، سواء لساعات محدّدة يومياً أو على مدار الساعة، وهو نشاط بات يشغّل عدداً متزايداً من العاملات في مجال الرعاية.
وتقول الباحثة في علم الاجتماع صابرين الجلاصي إنّ ظهور اقتصاد الشيخوخة في تونس هو نتاج لتغيّرات عميقة شهدتها الأسرة التونسية خلال العقود السابقة، من بينها تقلّص تركيبة العائلات والهجرة المكثفة للأبناء، وتؤكد لـ" العربي الجديد" أنّ آلاف العائلات التونسية لديها أبناء يقيمون في فرنسا وإيطاليا وألمانيا وكندا ودول الخليج، بينما بقي الوالدان أو أحدهما داخل تونس.
ومع صعوبة العودة الدائمة أو التنقل المتكرر، تلجأ عائلات كثيرة إلى خدمات الرعاية الخاصة كحلّ وسط يضمن بقاء المسنّ في محيطه الاجتماعي مع حصوله على المتابعة اليومية.
وبحسب أصحاب مؤسسات رعاية، فإنّ أبناء المهاجرين يمثلون نسبة مهمة من الحرفاء (الزبائن) الذين يتكفّلون بمصاريف الإقامة أو الرعاية المنزلية لمُسنّي العائلة عبر تحويلات مالية دورية.
وفي كثير من الحالات، لا يقتصر الأمر على الرعاية الصحية، بل يشمل إدارة الحياة اليومية للمسنّ، من شراء الأدوية إلى مرافقته للمواعيد الطبية وتسوية بعض الإجراءات الإدارية.
وخلف هذا القطاع المتنامي، تقف فئة من النساء يعملن في مهن الرعاية المنزلية، غالباً بعيداً عن الأضواء، إذ تتولّى تلك العاملات مساعدة المسنين على الحركة والاستحمام وتناول الدواء وإعداد الطعام، إضافة إلى المتابعة النفسية التي يحتاجها كثير من كبار السن الذين يعيشون بمفردهم.
وبسبب بروز بوادر شيخوخة المجتمع، أعلنت وزارة الصحة التونسية العام الماضي، إدراج طب الشيخوخة لأول مرة في تاريخ البلاد ضمن قائمة الاختصاصات الطبية الرسمية التي ستُدرَّس في كليات الطب.
وشكّل اعتراف وزارة الصحة بطب الشيخوخة كاختصاص طبي شامل منعطفاً في التعاطي الرسمي مع ملف الهرم السكاني، بعد أن طالبت الهيئات الطبية بضرورة إيلاء التغيّرات الديمغرافية الاهتمام الكافي لتجنّب تهميش كبار السن مستقبلاً.
وتقول عضو هيئة عمادة الأطباء مهى بن معلم حشيشة إنّ المسار نحو الاعتراف الرسمي بطب الشيخوخة وإدراجه ضمن التخصصات الطبية كان طويلاً، وقد بذلت خلاله الهيئات الطبية، ولا سيّما الجمعية التونسية لطب المسنين وعلوم الشيخوخة، جهوداً كبيرة من أجل تكوين أجيال جديدة من الأطباء يُشرفون مستقبلاً على صحة كبار السن.
وتؤكد بن معلم لـ" العربي الجديد" أنّ طب الشيخوخة في تونس لم يكن اختصاصاً متكامل الأركان، إذ يخضع الأطباء العامون لتكوين إضافي مدّة عامين من أجل الحصول على شهادة الكفاءة، بينما تغيب الأقسام الطبية المتخصصة ومراكز العناية بكبار السن في القطاعَين الحكومي والخاص.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك