كما ناقشنا في المقالات السابقة، فقد استطاعت الفصائل المنشقّة من الحركة الشعبية لتحرير السودان (فصيل الناصر، ثم الفصيل المتّحد، وكذلك الفصائل التي تكوّنت لاحقاً) انتزاع حق تقرير المصير من حكومة الإنقاذ في فترة ستِّ سنواتٍ (1992 – 1998)، كما يلي:في إعلان فرانكفورت في 25 يناير 1992.
في ميثاق السلام في 10 أبريل عام 1996.
في اتفاقية الخرطوم للسلام في 21 أبريل عام 1997.
في اتفاقية فشودة في 20 سبتمبر عام 1997.
في دستور السودان لعام 1998من الجانب الآخر استطاعت الحركة الشعبية لتحرير السودان الأم خلال سبعة أعوامٍ (1994 – 2001) انتزاع حق تقرير المصير من كل أحزاب المعارضة الشمالية، كالآتي:من الحزب الاتحادي الديمقراطي في إعلان القاهرة في 13 يوليو 1994.
من حزب الأمة في اتفاق شقدوم في 12 ديسمبر عام 1994.
من الحزب الاتحادي الديمقراطي، وحزب الأمة، وقوات التحالف السودانية، في الاتفاق الرباعي في 27 ديسمبر عام 1994.
من كلٍ أحزاب ومنظمات التجمع الوطني الديمقراطي (الحزب الاتحادي الديمقراطي وحزب الامة والحزب الشيوعي) والنقابات، في إعلان أسمرا في 23 يونيو عام 1995.
من حزب المؤتمر الشعبي في اتفاق جنيف في 19 فبراير عام 2001.
وكما أوضحنا في المقال السابق، فقد كان من المفترض أن تقود اتفاقية الخرطوم للسلام إلى قيام مؤسساتٍ عسكريةٍ وإداريةٍ وسياسيةٍ في جنوب السودان تحت الإدارة المشتركة للحركات المنشقّة من الحركة الشعبية الأم وحكومة الإنقاذ، وأن يتركز الجهد في مواجهة الحركة الشعبية الأم عسكرياً في كل مواقع وجودها بغرض هزيمتها وتصفيتها.
غير إن تنفيذ اتفاقية السلام من الداخل فشل فشلاً تاماً منذ البداية بسبب عجز الفصائل المنشقّة وحكومة الإنقاذ من مواجهة الحركة الشعبية الأم عسكرياً.
وتواصلت وتوالت انتصارات الحركة على الحلف الجديد.
ووضح لقادة الفصائل المنشقة استحالة المهمة التي وعدوا بتنفيذها.
لهذه الأسباب فقد قفز قادة هذه الحركات تباعاً من سفينة الإنقاذ، وبدأوا في العودة إلى حضن الحركة الشعبية الأم وهم يحملون الوثائق القانونية التي وقعوها مع حكومة الإنقاذ، والتي تعترف فيها الإنقاذ بحق تقرير المصير لشعب جنوب السودان.
كانت تلك الوثائق هي مهر العودة للحركة الشعبية الأم.
عليه فمع انهيار مشروع السلام من الداخل الذي استثمرت فيه حكومة الإنقاذ الكثير من الجهد والوقت والمال والإعلام، تأكّد لنظام الإنقاذ في الخرطوم أن الاتفاق الحقيقي والجاد لوقف الحرب والوصول إلى السلام يجب أن يكون مع الحركة الشعبية لتحرير السودان الأم، بقيادة الدكتور جون قرنق.
ووضح لنظام الإنقاذ أيضاً أن كل الحركات المسلحة الجنوبية الأخرى هي مجرد مجموعاتٍ محدودة القوة العسكرية والسياسية والعدد والتأثير، وأنها ليست أكثر من قياداتٍ عسكرية بدون جنودٍ مدربين لديهم المقدرة والحماس على القتال.
كما وضح لمجموعة الإنقاذ الحاكمة في الخرطوم استحالة الحل العسكري لقضية الجنوب رغم التصعيد الكبير باسم الجهاد، ورغم الشعارات الدينية الحماسية، وعرس الشهيد، وساحات الفداء، والتجنيد بلا حدود لشباب الفداء والدفاع الشعبي، وللمستنفرين الذين تم اختطافهم وإرغامهم على الانضمام إلى حرب الجهاد العبثية تلك.
وبنفس القدر فقد وضح أيضاً فشل سياسة حكومة الإنقاذ الرامية إلى زرع وتوسيع الخلافات داخل الحركة الشعبية، وبين القبائل الجنوبية الثلاثة الكبيرة – الدينكا والنوير والشلك.
كما أن مجموعة الإنقاذ كانت قد وصلت إلى قناعة أنه رغم انهيار مفاوضات الإيقاد خلال الجولة الثامنة في يوليو عام 1999، الّا أن القضايا المتبقّية صارت أقلَّ صعوبةً وتعقيداً.
وضح هذا بعد الاتفاق داخل الحكومة والحزب الحاكم على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان (والذي برز باستحياءٍ في إعلان فرانكفورت عام 1992)، وتأكيد ذلك الحق في الميثاق السياسي عام 1996، ثم بوضوح في اتفاقية الخرطوم واتفاقية فشودة عام 1997، وفي دستور السودان لعام 1998.
بالإضافة إلى هذا فقد أخذت حكومة الإنقاذ علماً بأن أحزاب التجمّع الوطني الديمقراطي نفسها قد وافقت فرادى وجماعاتٍ على مبدأ حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، وأكّدت ذلك في اتفاق أسمرا الجماعي في يونيو عام 1995.
وقد جعلت هذه الحقائق الحكومة أقلّ تردّداً وخوفاً من ردود الفعل الداخلية والإقليمية لاتفاقٍ نهائيٍ وجادٍّ مع الحركة الشعبية الأم، يتضمّن حق تقرير المصير.
فالمسئولية عن منح حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان، في رأيهم، قد أصبحت مشتركة، وتشتّتَ دمُها وسط كل القبائل السياسية في السودان.
بل إن بعض قيادات الحركة الإسلامية ظلوا (وما يزال بعضهم) يجادلون في مكابرةٍ واضحة، أن التجمع الوطني الديمقراطي وافق على حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان مع الحركة الشعبية الأم قبل موافقة حكومة الإنقاذ على ذلك مع الفصائل المنشقة عن الحركة.
وهو إدعاء خاطئ وغير أمينٍ كما أوضحنا مراراً من قبل.
كما أن الانشقاق داخل البيت الحاكم لا بد أن يكون قد ساهم أيضاً في التعجيل بالاتفاق.
فأعداء حكومة الإنقاذ يتكاثرون ويتوالدون ويتناسخون، وبعضهم أتى من داخل مجموعة الإنقاذ نفسها.
عليه فإن الاتفاق مع أكثرهم في العدد، وأكبرهم في العدّة والعتاد العسكري والوزن السياسي والدبلوماسي، سيؤكد حقيقة أن الأخرين نمور ورقٍ لا أكثر ولا أقل، وسيقوّي النظام ويطيل عمره، أو على الأقل يعطيه الفرصة لمواجهة خصومه الآخرين المتكاثرين كل فجر يومٍ جديد.
من الجانب الآخر فقد تفاجأت الحركة الشعبية بالانشقاق داخل البيت الحاكم، وبالمبادرة الليبية المصرية، وبحماس حلفائها في التجمّع الوطني الديمقراطي لتلك المبادرة رغم اتفاق أسمرا.
كما تفاجأت أيضاً بانسحاب حزب الأمة من التجمّع وتوقيعه لاتفاق جيبوتي مع حكومة الإنقاذ.
لهذه الأسباب فقد قرّرت هي الأخرى العودة للتفاوض، وإبداء بعض المرونة.
فلا أحد يدري ما سيحمله الغد من مفاجآتٍ وتغييراتٍ في مواقف حلفائها في الأحزاب السياسية السودانية الشمالية، وقناعات ومصالح قادتها التي تتغيّر وتتبدّل كل فجر يومٍ جديد.
أليست هي نفس الأحزاب ونفس القيادات التي رفضت بشدة النظام الفيدرالي عام 1965، ورفضت إلغاء قوانين سبتمبر عام 1986، ورفضت حتى تجميدها عام 1988، ثم عادت ووافقت على حق تقرير المصير وعلمانية الدولة السودانية عام 1995؟وهل يمكن لأحدٍ، مع هذا الحال، أن يتنبّأ بما سيكون عليه موقفها غداً؟وكانت الحركة الشعبية قد وصلت إلى قناعةٍ أيضا أن إسقاط النظام عسكرياً لم يعد خياراً واقعياً بعد فشل حلفائها في التجمّع الوطني الديمقراطي في تجنيد أيّة مجموعاتٍ للعمل العسكري معها، وفي فتح جبهة قتالٍ ضد الحكومة في شمال السودان.
كما تأكّد للحركة أن مسألة إصرار الحكومة على التفاوض مع الفصائل المنشقّة عنها قد تجاوزها الزمن، وأن الحكومة قررت أخيراً أنها تحتاج أن تتفاوض مع الحركة الأم وحدها.
وهو ما يعني الاعتراف التام بها بواسطة مجموعة الإنقاذ وحلفائها المحليين والإقليميين، ممثلاً وحيداً لشعب جنوب السودان بعد الفشل الذريع للمجموعات المنشقة بعد توقيع اتفاقية الخرطوم للسلام.
كما أن التجربة الإريترية أكدت بجلاء للحركة الشعبية أنه حتى لو نجحت الحركة الشعبية عسكرياً في تحرير كل جنوب السودان واستلام جوبا، فإن ميثاق منطمة الوحدة الأفريقية سيقف في طريق الاعتراف يالدولة الجديدة، ولن تجد هذه الدولة الاعتراف الإقليمي والدولي الذي تتوقّعه وتحتاجه.
عليه فقد قررت الحركة الشعبية ضرورة السير في طريق التجربة الإريترية وانتزاع حق تقرير المصير لشعب جنوب السودان بالتفاوض والاتفاق مع مجموعة الإنقاذ.
ومثلما كانت إثيوبيا أول دولةٍ تعترف بإريتريا، فسيكون السودان أول دولةٍ تعترف بجمهورية جنوب السودان.
وهذا في حقيقة الأمر هو ما حدث.
علاوةً على ذلك، فقد برز بوضوحٍ دور النفط في عملية التفاوض وفي مجمل العلاقات بين الشمال والجنوب.
فقد نجح نظام الإنقاذ في نهاية عام 1999 في إعادة العمل في حقول النفط التي كانت قد اكتشفتها شركة شيفرون الأمريكية في عهد الرئيس جعفر نميري في أواخر السبعينيات.
كانت معظم المناطق التي تمّ فيها اكتشاف النفط تقع في جنوب السودان.
وكما ناقشنا في مقالٍ سابق، فقد قامت الحركة الشعبية بالهجوم على مواقع أعمال شركة شيفرون في جنوب السودان وأرغمتها على وقف عملياتها في بداية عام 1984 قبل أن يبدأ الإنتاج بأشهرٍ قليلة.
بعد مفاوضاتٍ مكثّفة مع حكومة الإنقاذ وافقت شركة شيفرون في منتصف التسعينيات على التخلي عن امتيازها في الجنوب، وبدأت الشركات الصينية والماليزية والكندية والسويدية والهندية العمل في هذه المواقع، وإنتاج وتصدير كمياتٍ محدودةٍ، لكنها متزايدة، في أغسطس عام 1999.
غير أن حكومة الإنقاذ كانت على أتمّ العلم بصعوبة المسائل الأمنية لحقول النفط في الجنوب.
وكانت تتوقّع أن تقوم الحركة الشعبية بالهجوم على هذه المواقع مثلما فعلت بنجاح عام 1984، وتنسف أحلامها التي بنتها على إنتاج وتصدير النفط من جنوب السودان.
عليه فقد وصلت حكومة الإنقاذ إلى قناعةٍ أيضاً أن حماية آبار النفط، وزيادة الإنتاج، تحتاج إلى سلامٍ حقيقي، وليس إلى جيوشٍ إضافية لا تملكها حكومة الإنقاذ، ولن تستطيع تدبيرها.
ومن المؤكّد أيضاً أن تلك الوصفة، ومعها الكثير من الضغوط، أتت أيضاً من شركات النفط العاملة وقتها في جنوب السودان لحكومة الإنقاذ.
كما بات واضحاً أن الحكومة كانت تتوقّع أن يفتح السلامُ البابَ على مصراعيه للشركات الغربية – بتقانتها المتقدّمة وإمكانياتها المالية الواسعة – للاستثمار في نفط جنوب السودان، خصوصاً وأن الولايات المتحدة الأمريكية وسويسرا قد دخلتا حلبة الوسطاء في النزاع السوداني في ذلك الوقت.
عليه فقد رأت الحكومة السودانية ضرورة الرجوع لطاولة التفاوض على أمل الوصول لاتفاقٍ مع الحركة الشعبية.
من الجانب الآخر كانت الحركة الشعبية على أتمّ العلم بالتطوّرات في مسألة النفط، وكانت ترى في العودة للتفاوض بارقة أملٍ في الوصول لاتفاق سلامٍ يضمن قسمةً عادلةً لعائدات نفط الجنوب بين الشمال والجنوب، ويقلّل فرص الخرطوم في استخدام عائدات النفط لتسليح جيوشها ومليشياتها ودفاعها الشعبي ومستنفريها للحرب في الجنوب.
وكما ذكرنا من قبل، وكما سنناقش لاحقاً، فقد كان النفط سبباً رئيسياً لاندلاع الحرب عام 1983، وأصبح عاملاً فاعلاً لدفع المفاوضات تجاه السلام، ثم انقلب فيما بعد إلى حافزٍ هامٍ للانفصال.
فالانفصال كان سيعني أن كل عائدات النفط من جنوب السودان ستصبح حقّاً خالصاً للجنوب، وليس منحةً من حكومةٍ في الخرطوم يمكن أن تنقض وعدها في أية لحظة، كما فعلت حكومة الإنقاذ ومن سبقها عشرات المرات.
كما كان اتفاق وقف إطلاق النار في منطقة جبال النوبة في جنوب كردفان عام 2000 حافزاً لكل الأطراف – الحكومة، والحركة الشعبية، والوسطاء – لمواصلة مساعي الوساطة.
فقد قامت بتلك المساعي الحكومة الأمريكية بعد تعيين السيد جون دانفورث مبعوثاً خاصاً للسودان، وكانت الحالة الشبيهة بالمجاعة في المنطقة هي التي دفعت الولايات المتحدة وسويسرا بالتدخل.
كانت تلك أول محاولةٍ لتدخّل الدولتين في النزاع السوداني.
وقد تُوِّج ذلك الجهد بتوقيع وقف إطلاق النار في جبال النوبة في 19 يناير عام 2002.
وقد ساهم نجاح ذلك الجهد في دفع عملية السلام في قضية الجنوب أيضاً، وتحفيز الإيقاد لتعود للعب الدور القيادي في عملية الوساطة قبل أن تختطفها أيادٍ أخرى (مثلما حدث في المبادرة الليبية المصرية)، خصوصاً بعد تدخّل الولايات المتحدة وسويسرا في النزاع السوداني.
كانت تلك التطورات المتسارعة والأسئلة الصعبة حولها عالقةً عندما عقدت منظمة الإيقاد اجتماعها الدوري السنوي في الخرطوم في الأسبوع الثاني من شهر يناير عام 2002.
كانت حكومة الإنقاذ في ذلك الوقت، كما ذكرنا أعلاه، في أضعف حالاتها.
فقد توسّع الانشقاق داخل البيت الحاكم، وتفاقمت العقوبات الدولية بعد اتهام السودان برعاية الإرهاب عام 1995، وتدهور معها الوضع الاقتصادي في السودان بصورةٍ حادة، وتواصلت الانتكاسات العسكرية في جنوب السودان.
وزاد الوضع سوءاً، كما ذكرنا أعلاه، الانقسام الحاد في البيت الحاكم، وانشقاق إخوة الأمس والدرب والدين وتشتّتهم وتناحرهم.
التقى الرئيس عمر البشير برؤساء دول الإيقاد الأربعة لمفاوضات السلام في السودان (كينيا ويوغندا وإريتريا وإثيوبيا)، وطلب منهم إحياء الإيقاد لمفاوضات السلام في السودان.
أدهش الطلبُ هؤلاء الرؤساء.
فقد كان السودان هو من بادر بطلب وساطة الإيقاد الأولى في بداية عام 1994، ثم انسحب منها وهاجمها في سبتمبر من ذلك العام، بعد أربع جولاتٍ من التفاوض.
ثم عاد السودان وطلب من الإيقاد مواصلة مساعيها التفاوضية في نوفمبر عام 1997، لكنه عاد وانسحب من المفاوضات بعد أربع جولاتٍ أخرى في يوليو عام 1999.
وها هو السودان يعود بعد عامين ونصف ليطلب وساطة الإيقاد للمرة الثالثة في يناير عام 2002.
بعد ترددٍ ومشاورات مطوّلة وافقت الدول الأربعة على طلب السودان إحياء عملية التفاوض.
وأشارت تقارير عديدة إلى أن موافقة هذه الدول الأربعة اشترطت عدم انسحاب السودان من المفاوضات القادمة تحت أيِّ ظرفٍ من الظروف، وقبول حكومة الإنقاذ، بل وتعهدها بذلك.
تولّت كينيا إجراءات إعادة ترتيب لقاء الطرفين مرةً ثانية رغم فشل جولات التفاوض الثمانية الماضية بين الأعوام 1994 و 1999.
قامت كينيا بالاتصال والتفاوض مع الحركة الشعبية لتحرير السودان التي وافقت هي الأخرى على العودة إلى طاولة المفاوضات.
كانت إحدى المشاكل الكبرى التي واجهت سكرتارية الإيقاد للتفاوض بعد قبول الطرفين العودة لطاولة المفاوضات هي تغطية الاحتياجات المالية المتمثّلة في تكلفة الفنادق وقاعات الاجتماعات والسكرتارية وإطعام الوفود ونثرياتهم (تماماً مثلما حدث خلال جولات التفاوض السابقة).
بعد اتصالاتٍ دامت بعض الوقت وافق شركاء الإيقاد على المساهمة، وأرسلت الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا والنرويج (والتي سُمّيت بمجموعة الثلاثة أو الترويكا) وفودها ومساهماتها المالية إلى سكرتارية المفاوضات.
وقد انضمّت إليهم إيطاليا بعد شهورٍ بعد أن تقدّمت بمساهماتها المالية.
عيّنت الحكومة الكينية الجنرال لازارو سومبييو (يُكتب إسمه أحيانا “لازارس سيمبيو”) وسيطاً لعملية التفاوض، بينما عينّت النرويج وزيرة التعاون الدولي السيدة هيلدا جونسون (تُكتب أحياناً هيلدى أو هيلدي).
مثّل الولايات المتحدة في مفاوضات السلام في بدايتها السيد والتر كانشتاينر، بينما مثّلت بريطانيا السيدة كلير شورت.
بعد المشاورات الداخلية في الخرطوم تمّ اختيار الدكتور غازي صلاح الدين العتباني مستشار رئيس الجمهورية لشئون السلام رئيساً للوفد السوداني المفاوض، وعضوية كلٍ من السادة إدريس محمد عبد القادر، ويحيى حسين بابكر، ومطرف صديق، وسيد الخطيب.
وقد عمل الدكتور غازي وزيراً لوزارة الإعلام قبل تعيينه مستشاراً لرئيس الجمهورية.
وكان الدكتور غازي قد قاد وفد السودان لجولة مفاوضات الإيقاد الرابعة في سبتمبر عام 1994، وأوصل لسكرتارية الإيقاد رفض السودان لمبادئ الإيقاد، ومعها النقد الجارح لمنظمة الإيقاد نفسها، كما ناقشنا من قبل.
قامت الحركة الشعبية باختيار السيد سلفا كير، نائب رئيس الحركة الشعبية، رئيساً لوفدها المفاوض، وعضوية السادة نيال دينق نيال، ودينق ألور، وسامسون كواجي والدكتور جستين ياك.
ضمّ كلٌ من الوفدين مجموعةً أخرى من الأعضاء السياسيين والفنيين كمستشارين.
لا بد من ملاحظة الغياب التام للشخصيات الجنوبية من الوفد الحكومي في هذه الجولة من المفاوضات بعد سنواتٍ من المشاركة في جولات التفاوض السابقة (بل ورئاسة بعضها).
وقد انضم السادة ياسر عرمان وعبد العزيز الحلو ومالك عقار (والذين كانوا يمثلون ما عُرِف بقطاع الشمال للحركة الشعبية لتحرير السودان) لوفد الحركة في فتراتٍ لاحقة، وحضروا بعضاً من جلسات التفاوض كمستشارين.
غير أن وفد التفاوض الرئيسي للحركة الشعبية ظل مكوناً من أبناء الجنوب فقط، كما ظل الوفد الحكومي مكوناً من الشماليين فقط.
انتهى عهد التمثيل السياسي وبدأ بوضوحٍ عهد الواقعية، والتوقّعات القادمة، والتي بات الاعتراف بها أمراً حتمياً.
بدأت اللقاءات في نيروبي في كينيا في منتصف مايو عام 2002، ثم انتقلت إلى مدينة ناكورو في الأسبوع الأخير من شهر مايو عام 2002.
تحوّلت تلك اللقاءات إلى مفاوضاتٍ رسمية بعد أن انتقلت السكرتارية وأطراف التفاوض جميعاً إلى منتجع مشاكوس (على بعد حوالي 60 كيلومتر جنوب شرق نيروبي) في 17 يونيو عام 2002.
وشارك في المفاوضات شركاء الإيقاد ممثلين بمجموعة الثلاثة أو الترويكا (الولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة، والنرويج)، مع عددٍ كبيرٍ من الفنيين والقانونيين من عدّة دول من بينها جنوب أفريقيا وسويسرا.
كان أبرز هؤلاء الفنيين القانوني المتخصّص في الشئون الدستورية ومسائل التفاوض السيد فينك هيسوم من جنوب أفريقيا، والدبلوماسي السويسري جولين هوتينغر.
وقد رفضت مصر اقتراح سكرتارية التفاوض إرسال مراقبين للمفاوضات لأنها كانت تتوقّع إسناد دورٍ أكبر لها، خصوصاً بعد الطريقة الفاترة التي قابلت بها الترويكا ودول الإيقاد المبادرة الليبية المصرية.
وكما ناقشنا من قبل، فقد أدّى ذلك الفتور، مع عوامل أخرى معقّدة، إلى موت المبادرة موتاً تدريجياً وطبيعياً بعد حوالي العام من إعلانها رسمياً.
مثّل الأمم المتحدة السفير محمد حسنون الذي كان على درايةٍ بالنزاع السوداني.
فقد شارك السفير سحنون الجزائري الجنسية في جلسات مفاوضات أديس أبابا بين حكومة السودان (حكومة الرئيس جعفر نميري) وحركة تحرير جنوب السودان (بقيادة السيد جوزيف لاقو) في عام 1972 ممثلاً للحكومة الجزائرية.
وقد انتهت تلك المفاوضات بالتوقيع على اتفاقية أديس أبابا كما ناقشنا من قبل.
بانتقال المفاوضات بين الوفود الثلاثة – وفد الحركة الشعبية لتحرير السودان الأم، ووفد حكومة الإنقاذ، ووفد سكرتارية الإيقاد – من نيروبي وناكورو (حيث كان الصحافيون في مطاردة متواصلة للوسطاء وللمفاوضين) إلى منتجع ماشاكوس البعيد عن ضجيج إعلام نيروبي وناكورو المحلي والإقليمي والدولي، بدأت المرحلة الأخيرة والفاصلة من مفاوضات الإيقاد الثالثة.
وقد نتج عن تلك المفاوضات التوصّلُ والتوقيع في أقلِّ من شهرين على بروتوكول مشاكوس، أهم وأخطر الاتفاقيات في تاريخ السودان المعاصر، كما سنناقش بالتفصيل في المقالات القادمة، بدءاً بالمقالين القادمين من هذه السلسلة من المقالات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك