روسيا اليوم - اتفاق واشنطن وطهران يدفع النفط إلى أدنى حاجز له منذ 3 أشهر العربي الجديد - هل حُرم منتخب مصر من ركلة جزاء أمام بلجيكا؟ جمال الشريف يجيب العربي الجديد - اغتصاب أطفال اليمن... تواطؤ التشريعات وسطوة الأعراف وكارثة الصمت روسيا اليوم - اتفاق ترامب وإيران روسيا اليوم - زلزال بقوة 5.3 يهز غرب كوبا العربي الجديد - الحشرات والقوارض تحاصر النازحين في غزة التلفزيون العربي - مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية.. نائب ترمب يكشف تفاصيل الوثيقة العربية نت - لندن ستزوِّد أوكرانيا بيورانيوم مُخصَّب وتُشدِّد عقوبات قناه الحدث - ستارمر: سنزود أوكرانيا باليورانيوم المخصب لمحطاتها النووية العربي الجديد - تونس: معدلات الشيخوخة تعزّز خدمات رعاية المسنّين
عامة

أطفال المايقوما .. قضية تتجاوز العمل الخيرى

سودانايل الإلكترونية

في الخرطوم، بعيداً عن ضجيج السياسة وأخبار الحرب وتقلبات الاقتصاد، تعيش مأساة لا تجد ما تستحقه من اهتمام. مأساة أبطالها أطفال بدأوا حياتهم من دون أسرة تحيط بهم أو بيت ينتظرهم أو اسم عائلة يمنحهم شعور ا...

في الخرطوم، بعيداً عن ضجيج السياسة وأخبار الحرب وتقلبات الاقتصاد، تعيش مأساة لا تجد ما تستحقه من اهتمام.

مأساة أبطالها أطفال بدأوا حياتهم من دون أسرة تحيط بهم أو بيت ينتظرهم أو اسم عائلة يمنحهم شعور الانتماء.

في دار المايقوما، أشهر مؤسسات إيواء الأطفال مجهولي الأبوين في السودان، تتجمع قصص كثيرة لا يلتفت إليها الناس إلا لماماً.

أطفال وصلوا إلى الحياة في ظروف قاسية، فوجدوا أنفسهم منذ أيامهم الأولى في مواجهة عالم لم يُعِد لهم ما يكفي من الرعاية أو الحماية.

الزيارة الأولى لمثل هذه المؤسسات تترك أثراً يصعب نسيانه.

عشرات الأسرّة الصغيرة، ووجوه لم تكتمل ملامحها بعد، وأطفال يعتمد بقاؤهم على الرعاية اليومية الدقيقة.

هنا لا تبدو المشكلة محصورة في نقص الحليب أو الدواء، بل في محدودية منظومة كاملة يفترض أن تضمن للطفل الغذاء والعلاج والمتابعة الصحية والنفسية.

ويظل سوء التغذية أحد أكثر التحديات إلحاحاً.

فالطفل الذي لا يحصل على احتياجاته الغذائية الأساسية يصبح أكثر عرضة للأمراض والالتهابات، فيما قد تترك سنوات العمر الأولى آثاراً بعيدة المدى على النمو الجسدي والذهني.

وما يُفقد في تلك المرحلة المبكرة لا يكون من السهل تعويضه لاحقاً.

ومع ذلك، لا تحضر القضية في المجال العام إلا على فترات متباعدة.

صورة مؤلمة تُتداول في وسائل التواصل، أو تقرير صحافي عن وفاة عدد من الأطفال، فتتحرك حملات التبرع ويهب المتطوعون لتقديم ما يستطيعون.

غير أن الأزمة سرعان ما تعود إلى سابق عهدها لأن جذورها أعمق من أن تُعالج بحملات موسمية مهما كانت نيات أصحابها طيبة.

لا يمكن التقليل من أهمية الجهود الخيرية التي ظل يقدمها أفراد ومنظمات على مدى سنوات طويلة.

لكن التجربة أثبتت أن العمل الطوعي، مهما اتسع، لا يستطيع أن يحل محل دور الدولة.

احتياجات هذه المؤسسات ثابتة ومتواصلة، بينما تبقى التبرعات رهينة للظروف الاقتصادية ولمستوى الاهتمام العام بالقضية في كل مرحلة.

وربما كان من الضروري التوقف عند السؤال الذي يُترك غالباً خارج النقاش: لماذا يستمر تدفق الأطفال إلى هذه المؤسسات أصلاً؟في المجتمعات المحافظة، ومنها المجتمع السوداني، يُنظر إلى موضوعات مثل الحمل غير المرغوب فيه أو التوعية بالصحة الإنجابية باعتبارها مناطق شديدة الحساسية.

ولهذا يندر أن تُناقش بصورة هادئة وعملية، بينما يطغى عليها البعد الأخلاقي أو الاجتماعي.

والنتيجة أن الاهتمام ينصرف إلى معالجة النتائج بعد وقوعها أكثر من الانشغال بالأسباب التي تؤدي إليها.

ولسنوات طويلة ظل كثير من المثقفين والتربويين والإعلاميين يتجنبون الخوض في موضوع الثقافة الجنسية والصحة الإنجابية خشية سوء الفهم أو الاتهام بتحدي القيم الاجتماعية.

غير أن الصمت لم يلغِ المشكلة، بل أبقاها خارج دائرة النقاش الضروري.

ولا تعني الثقافة الجنسية الرشيدة الدعوة إلى سلوك بعينه، وإنما توفير المعرفة التي تساعد الشباب والفتيات على اتخاذ قرارات أكثر وعياً ومسؤولية.

ولهذا أصبحت جزءاً من سياسات الصحة العامة في دول كثيرة، تماماً كما هي برامج التوعية بالأمراض المعدية أو السلوكيات الصحية الأخرى.

وتشير تجارب دول متعددة إلى أن خفض أعداد الأطفال المتروكين لا يتحقق عبر إجراء منفرد، بل من خلال حزمة متكاملة تشمل التوعية، ودعم النساء الأكثر عرضة للهشاشة الاجتماعية والاقتصادية، وتوفير خدمات الصحة الإنجابية، وتطوير برامج الرعاية الأسرية والاحتضان، إلى جانب سياسات أوسع لمكافحة الفقر.

أما في السودان، فقد وجدت مؤسسات الرعاية نفسها لسنوات أمام أعباء أكبر من قدراتها، في وقت كانت فيه الخدمات العامة تتراجع تحت ضغط الأزمات الاقتصادية والصراعات المتلاحقة.

وفي مثل هذه الظروف يكون الأطفال دائماً بين الفئات الأكثر تأثراً.

ويبقى السؤال الأصعب متعلقاً بالمستقبل.

فالمسألة لا تتوقف عند تأمين الغذاء والدواء في سنوات الطفولة المبكرة، بل تمتد إلى التعليم والتأهيل والدعم النفسي وفرص الاندماج الاجتماعي.

كما تمتد إلى كيفية حماية هؤلاء الأطفال من الوصمة التي قد تلاحقهم بسبب ظروف لا يد لهم فيها.

لهذا اتجهت دول عديدة خلال العقود الأخيرة إلى تقليص الاعتماد على الإيواء المؤسسي طويل الأمد والتوسع في برامج الرعاية الأسرية والاحتضان، انطلاقاً من حقيقة باتت معروفة في أدبيات رعاية الطفل: لا شيء يعوض البيئة الأسرية المستقرة إذا توافرت الضمانات القانونية والاجتماعية اللازمة.

في نهاية المطاف، لا ينبغي النظر إلى أطفال المايقوما باعتبارهم عبئاً اجتماعياً أو قضية خيرية موسمية.

إنهم مواطنون لهم الحقوق نفسها التي يتمتع بها غيرهم من الأطفال، والطريقة التي يُعاملون بها تكشف الكثير عن طبيعة المجتمع نفسه.

فالحديث عن المايقوما ليس حديثاً عن دار إيواء تعاني نقصاً في التمويل فحسب، بل عن اختبار مستمر لقدرة الدولة والمجتمع على حماية الفئات الأضعف.

وبين التبرعات التي تأتي وتذهب، والأزمات التي تتبدل وجوهها، يبقى هؤلاء الأطفال في انتظار ما هو أكثر من التعاطف: انتظار حقهم الطبيعي في حياة آمنة وكريمة، وفرصة عادلة للبدء من جديد.

muhammedbabiker@aol.

co.

uk.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك