تُسرع الحكومة المصرية خطواتها نحو إلغاء الدعم العيني، وإنشاء كيان اقتصادي جديد يدير منظومة بديلة تحت إدارة تشرف على توجيه الدعم النقدي، الذي سيبدأ تنفيذه بعد أسبوعين مع مطلع العام المالي الجديد (2026/ 2027) في الأول من يوليو/ تموز المقبل.
ولم تعد قضية التحول من الدعم العيني إلى الدعم النقدي مجرد نقاش اقتصادي أو تعديل محدود في آلية صرف السلع التموينية، بل تحولت خلال الأسابيع الأخيرة، إلى مشروع إعادة هيكلة شامل لمنظومة الغذاء والدعم في مصر؛ وذلك بعد سلسلة اجتماعات مكثفة عقدها رئيس الوزراء مصطفى مدبولي مع عدد من الوزراء والمسؤولين بالدولة وبعثة صندوق النقد الدولي بالقاهرة.
وكشفت هذه الاجتماعات أن الدولة تتحرك على أكثر من محور في وقت واحد لبناء نظام جديد يبدأ من استيراد القمح والسلع وإنتاج الغذاء، وينتهي عند بطاقة المواطن التي ستكون صالحة لشراء السلع وأرغفة الخبز المدعومة عبر كيان جديد أسسته الرئاسة مؤخراً باسم" كاري أون" (Carry On).
ورصدت" العربي الجديد" على مدار الأيام الماضية، أنه على الرغم من انشغال الجدل العام بالسؤال حول القيمة المتوقعة للدعم النقدي، والتي ترددت تقديرات بشأنها بين 300 و350 جنيهاً للفرد (الدولار = نحو 50 جنيها)، فإن ما يجري على الأرض يبدو أكبر بكثير من مجرد تحديد قيمة مالية جديدة؛ فخلال فترة قصيرة، عقد رئيس الوزراء عدة اجتماعات متتالية لمتابعة منظومة بطاقة الدعم الذكية أو ما يُعرف بـ" الكارت الموحد"، واجتماعات أخرى لمتابعة مشروع" كاري أون" بالتوازي مع لقاءات جمعت بين وزراء وقيادات التموين ووزارة الزراعة وجهاز" مستقبل مصر للتنمية المستدامة"، فضلاً عن اجتماعات مع شركات التكنولوجيا المالية وفي مقدمتها شركة" فوري".
وتأتي هذه التحركات المتزامنة على مدار الأسبوع لترسم، وفقاً لاقتصاديين، ملامح منظومة جديدة بالكامل لإدارة الدعم والغذاء.
وما يلفت الانتباه في الاجتماعات الحكومية الأخيرة أنها لم تكن تدور حول وزارة التموين، المسؤولة لعقود عن إدارة وتوزيع الدعم السلعي، بمفردها، بل شارك فيها" جهاز مستقبل مصر" الذي تحول خلال السنوات الأخيرة إلى ذراع اقتصادية للمؤسسة العسكرية وأحد أهم اللاعبين في ملف الأمن الغذائي داخل البلاد وخارجها.
ووفقاً للتكليفات الرئاسية، أصبح الجهاز مسؤولاً عن مساحات ضخمة من الأراضي الزراعية، وعلى رأسها مشروع" الدلتا الجديدة" على مساحة 2.
2 مليون فدان غرب وادي النيل، كما يدير مشروعات إنتاج زراعي كبرى بعدد من المحافظات القديمة، فضلاً عن توسع دوره في إدارة الصوامع وسلاسل الإمداد واستيراد بعض السلع الاستراتيجية وعلى رأسها القمح والحبوب والزيوت.
وخلال اجتماعات ضمت وزيري التموين والزراعة ومسؤولي جهاز مستقبل مصر مطلع الأسبوع، جرى الحديث عما وُصف بأنه" مثلث الأمن الغذائي"، القائم على ربط حلقات الإنتاج الزراعي والتخزين والتوزيع داخل منظومة واحدة.
ويرى اقتصاديون أن هذه الاجتماعات لم تكن منفصلة عن ملف الدعم النقدي، بل جاءت في إطار إعادة بناء سلسلة الغذاء المصرية بالكامل، بحيث تصبح كل حلقاتها مترابطة داخل نظام مركزي موحد.
وسط هذه التحركات، برز اسم" كاري أون" للمرة الأولى باعتباره مشروعاً قومياً استراتيجياً، وليس مجرد شركة أو منصة تجارية كما روجت له الحكومة نهاية مايو/ أيار الماضي.
وتشير البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة التموين إلى أن المشروع يجري تقديمه باعتباره نموذجاً يجمع بين الحوكمة والتحول الرقمي والتوزيع الحديث وتجارة التجزئة، لكن أهمية المشروع لا تتوقف عند هذه العبارات؛ فبحسب الرؤية التي تتشكل من خلال الاجتماعات الحكومية المتتابعة، فإن" كاري أون" مرشح لأن يصبح المظلة التي ستُدار من خلالها شبكة ضخمة تضم المجمعات الاستهلاكية، ومنافذ التوزيع، والمخابز، ومنافذ صرف السلع المدعمة، إضافة إلى عشرات الآلاف من البقالين التموينيين.
وتتحدث قيادات بوزارة التموين عن أن ما يقرب من 40 ألف بقال تمويني (أو ما يُطلق عليهم" البدالون" ) الموزعين للسلع العينية المدعومة، وتحالف أفران الخبز المدعم الذي يضم نحو 70 ألف مخبز بالمحافظات، والجمعيات الاستهلاكية بوزارة التموين، ومنافذ" أمان" التابعة لوزارة الداخلية، ومنافذ" وطنية" التابعة للقوات المسلحة، سيصبحون جميعاً جزءاً من الشبكة الجديدة التي يجري إعدادها؛ وبذلك لا يصبح المشروع مجرد منفذ بيع، بل حلقة تشغيل رئيسية في منظومة الدعم الجديدة.
واللافت أن معظم الاجتماعات الأخيرة كشفت عن حضور متزايد لجهاز مستقبل مصر في ملفات كانت تاريخياً من اختصاص مؤسسات مدنية تابعة لوزارتي التموين والزراعة؛ فبعد أن كان دور الجهاز يتركز في التوسع الزراعي، أصبح حاضراً في ملفات القمح، والصوامع، والإمداد الغذائي، وسلاسل التوريد، ومتحكماً في شبكة توزيع واسعة النطاق تنظر إليها السلطات على أنها أحد منافذ هدر أموال الدعم، وهو الاتهام الذي اتخذته لتبرير إلغاء النظام الحالي وتبديله بالدفع النقدي، الذي طالما طالب صندوق النقد الدولي بتطبيقه على الفئات الأكثر احتياجاً والتي تمثل نحو 34 مليون نسمة (بما يعادل ثلث عدد السكان)، بينما يحصل على الدعم حالياً نحو ثلثي المجتمع، وخاصة الطبقة الوسطى من الموظفين.
ويرى الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني أن ما يجري يمثل إعادة ترتيب كاملة لملف الأمن الغذائي في مصر، حيث تنتقل أدوار استراتيجية بصورة متزايدة إلى كيانات جديدة أصبحت تمسك بمفاصل الإنتاج والتخزين والتوزيع.
ويقول الميرغني لـ" العربي الجديد" إن ظهور" كاري أون" بالتزامن مع توسع دور جهاز مستقبل مصر يكشف أن الدولة لا تعدل نظام الدعم فقط، بل تبني هيكلاً جديداً لإدارته، مشيراً إلى مواصلة رئيس الوزراء عقد اجتماعات لمتابعة تطبيق" الكارت الموحد" الذي بدأ تشغيله تجريبياً في محافظة بورسعيد شمال البلاد.
وتؤكد الحكومة أن المنظومة الجديدة ستجمع الخدمات في بطاقة واحدة، تشمل خدمات التموين والخبز والدعم النقدي وبرامج الحماية الاجتماعية والخدمات الحكومية المختلفة.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن أكثر من 41 ألف أسرة في بورسعيد تستخدم النظام بالفعل، بينما تستعد محافظات أخرى للانضمام في المراحل التالية.
وبالنسبة للحكومة، تكمن أهمية الكارت الموحد في أنه يوفر لأول مرة قاعدة بيانات موحدة تسمح للدولة بمعرفة حجم الدعم الذي يحصل عليه كل مواطن من مختلف البرامج الحكومية، سواء تعلق الأمر بسلع التموين والخبز، أو بقدر استهلاكه للوقود والغاز والكهرباء ومصادر الدخل؛ حيث سيجري ربط البطاقات الذكية بشبكة المعلومات الخاصة بالمرور ووزارة المالية والتأمينات الاجتماعية والتأمين الصحي، وهو ما يمنحها قدرة غير مسبوقة على إضافة أو استبعاد المستفيدين بصورة مركزية.
وفي خطوة اعتبرها خبراء جزءاً من تجهيز البنية التكنولوجية للنظام الجديد، استقبل وزير التموين مطلع الأسبوع قيادات شركة" فوري" لبحث تطوير أنظمة الدفع والتحصيل الإلكتروني.
ورغم أن البيان الرسمي تحدث عن التحول الرقمي بصورة عامة، فإن توقيت الاجتماع أثار تساؤلات واسعة، خاصة مع تزامنه مع النقاشات الجارية حول تحويل الدعم إلى أرصدة إلكترونية أو مبالغ نقدية يتم صرفها عبر بطاقات ذكية؛ إذ يعتمد أي نظام دعم نقدي بالأساس على وجود شبكة إلكترونية قادرة على إدارة عشرات الملايين من المعاملات شهرياً.
وحسب البيان المالي لموازنة 2026 /2027، المعروضة حالياً أمام مجلس النواب لإقرارها خلال الأيام المقبلة، تستهدف الحكومة إنتاج نحو 116.
4 مليار رغيف خبز مدعم خلال العام المالي الجديد، وهو ما يعني أن نحو 63.
7 مليون مواطن لا يزالون يحصلون على الخبز المدعم.
في المقابل، تشير البيانات إلى أن نحو 46 مليون مواطن لا يحصلون على هذا الدعم.
وتعد هذه الأرقام من أهم المؤشرات على حجم المنظومة التي يجري إعادة تشكيلها.
ووفقاً للباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني، سيجري استبعاد 10 ملايين مواطن من منظومة الدعم اعتباراً من يوليو المقبل، بعد تخلص الحكومة من 10 ملايين آخرين في بداية العام المالي الذي يوشك على الانتهاء بعد أيام، مؤكداً أن أي تغيير في طريقة الدعم سيؤثر بشكل مباشر على عشرات الملايين من الأسر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك