لا يكتفي عومير بارتوف بالتطرق إلى مفاهيم الإبادة الجماعية والتطهير العرقي، بل يناقش بوضوح أثرها الأخلاقي على إسرائيل، إذ نادراً ما تُوضع مسألة الهولوكوست وبنية الخوف السياسي وغياب الدستور واستمرار الاحتلال في إطار حجة واحدة قادرة على كشف الانحدار الذي وصل بالإسرائيليين إلى حد ممارسة الإبادة اجتماعياً وثقافياً، وفق ما يقوله في كتابه" ما الخطأ الذي حصل في إسرائيل؟ " (منشورات فارار، ستراوس وجيرو، 2026).
ينطلق المؤرخ الإسرائيلي من فكرة مركزية وإشكالية يسميها" التحول التراجيدي للحركة الصهيونية" الذي يُخضعُه إلى قراءة نقدية تفكيكية محاولاً استكشاف كيفية تحول الصهيونية بعد عام 1948 مما يصفه بحركة تحرر وطني وانعتاق لليهود الأوروبيين من الاضطهاد والعداء للسامية، إلى أيديولوجيا قومية إثنية تمارس الإقصاء والهيمنة والعنف ضد الشعب الفلسطيني.
خصوصاً أنها اتخذت قرارات مصيرية مباشِرة بالتزامن مع اعتماد الأمم المتحدة تجريم الإبادة الجماعية بمختلف أشكالها، تضمنت غموضاً في الرؤية المستقبلية للدولة.
من حلم واضح الملامح إلى دولة دون طبيعة واضحة، تلك هي إسرائيل التي نشأت لحظة التأسيس كما يصفها المؤلف، إذ لم تقم على أسس ديمقراطية أو دستور رسمي أو حدود، وهو ما يجعلها كياناً غير طبيعي اتخذ شكل دولة قابلة للتضخم من خلال الصراعات والحروب والقمع بسبب عدم قدرته على تحديد هويته وقيمه، إضافة إلى أسباب وجوده التي تتعارض مع منطق نشوء الدول بسبب استناد الصهيونية إلى حق تاريخي مزعوم، وإلى آخر سياسي يرتبط بالهولوكوست.
قراءة نقدية تفكيكية تستكشف كيفية تحول الصهيونية بعد عام 1948يوضح عومير أن إسرائيل تستند بدلاً من أسباب وجود موضوعية، إلى ذاكرة جماعية للمحرقة تحولت باطراد (بعد حرب 1967) إلى أداة تبريرية قومية ضيقة لم تكتفِ برفض تكرار المحرقة، بل وظفتها آلية هجوم على الآخرين، ولقد أنتج هذا التوظيف حالة سيكولوجية جماعية عدوانية، إذ يُنظر إلى أي تهديد سياسي أو عسكري خارجي على أنه" محرقة وشيكة"، مما يمنح الدولة رخصة لممارسة عنف غير متناسب وتجاوز القوانين الدولية مع شعور تام بالحصانة الأخلاقية والمظلومية التاريخية.
هذا التوجه هو الذي أعطى إسرائيل دافعاً كبيراً للإبادة والتدمير في مدينة غزّة، إذ لا يمكن فصل ما حصل يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 عن السياق التاريخي الممتد من الحصار الخانق للقطاع طيلة 16 عاماً والاحتلال المستمر، فإن الرد العسكري الإسرائيلي اللاحق كما وصفه الكتاب، تجاوز تدمير" حماس" إلى استهداف ممنهج ومقصود للبنية التحتية والمستشفيات والجامعات لجعل غزة مكاناً غير قابل للحياة البشرية، وهو ما يقع حسب تحليل المؤلف تحت طائلة التوصيف القانوني للإبادة الجماعية، أي أن هناك جريمة لا يمكن التغاضي عنها.
يرى أن الاستعمار يغيّر واقع الشعب المُستَعمَر والمُستعمِرينقانون القومية ونهاية الوهميتعمق المؤرخ الإسرائيلي في رؤيته، إذ يشير إلى أن الاستعمار لا يعمل على تغيير واقع الشعب المُستَعمَرِ فقط، بل إنه يغير المُستَعمِرين أيضاً، وهم في هذه الحالة الإسرائيليون الذين مارسوا السيطرة العسكرية الطويلة والتوسع الاستيطاني وعدة إجراءات قمعية مستمرة، مما أسهم بمرور الزمن في اختزال الصراع السياسي داخل إسرائيل بتساؤل أدى إلى الكثير من التغيرات التي اتسمت بالعنف والحروب سواء داخل فلسطين أو خارجها، إذ بدأت المؤسسات برأيه في التآكل، وأصبحت موضوعات الديمقراطية والمساواة والدستور الإنساني العادل للجميع حالة ثانوية، وتمحور كل شيء حول إذا ما كانت إسرائيل ستصبح دولة ديمقراطية أو دولة قومية إثنية.
يتوقف بارتوف عند الإجابة التي تجسدت في تصويت الكنيست عام 2018 بالموافقة على قانون قومية الدولة، إذ أنهى هذا الحدث خرافة الدولة الدستورية الديمقراطية، وأثبت تغلغل العنصرية بنيوياً في مختلف المؤسسات والتكتلات، مما يقود المؤلف للتحذير بأن مستقبلاً قاتماً ينتظر المشروع الصهيوني والإسرائيلي في حال لم يَتبنَ دولة ديمقراطية متحررة من التفوق العرقي والإرث الاستعماري المستمر.
ويتلاقى هذا الطرح حول إرث الاستعمار مع ما يطرحه الباحث والكاتب الفلسطيني الأميركي رشيد الخالدي في كتابه" حرب المائة عام على فلسطين"، الذي يناقش استمرار الإحلال الاستيطاني وإقصاء الشعب الفلسطيني من خلال الدعم المتواصل من بريطانيا وبعدها أميركا.
أصبحت الديمقراطية والمساواة حالة ثانوية في إسرائيلإرث الصهيونية وسؤال العنفلا تستند أفكار بارتوف وقراءته لإسرائيل بين الماضي والحاضر على رؤية تاريخية وسياسية فقط، إذ خدم في الجيش الإسرائيلي سابقاً، ضمن سيناء ومناطق في الضفة الغربية وغزة، قبل أن يعمل مؤرخاً ويستند في كتابه هذا إلى وقائع وأحداث عاصرها وجربها، مما أدى إلى وصوله في النهاية لما وصل إليه كتاب ومؤرخون آخرون، لا يقتصرون على رشيد الخالدي فقط، فهناك أيضاً الباحث إيلان بابيه، الذي ركز في كتابه الأحدث" إسرائيل على حافة الانهيار: ثماني ثورات قد تؤدي لتصفية الاستعمار والتعايش"، على أن النزوع نحو دولة قومية عنصرية يعد كارثة أخلاقية وإنسانية وسياسية، ودعا لتجنبها من خلال تفكيك الصهيونية وإنهاء ما يمكن وصفه بالفاشية والثيوقراطية التي تنخر منطق الدولة.
وإذا كان بابيه يذهب في طرحه إلى أبعد مما ذهب إليه بارتوف، فإن المفكر اليهودي مارتن بوبر (1878 -1965) يشكل مرجعية فكرية تسهم في ترسيخ النقد الذي وجهه الكتاب للصهيونية بوضعها الراهن، إذ حذر عبر كتبه ومقالاته خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي من نزع الإنسانية عن الفلسطينيين، وتحويلهم في وعي المجتمع والجيش الإسرائيلي إلى" حيوانات بشرية" أو أرقام وتهديدات ديموغرافية ومن ثم تبرير الإبادة الجماعية لهم، ولقد اعتبر بوبر أن تحويل الإنسانية الفلسطينية إلى شيء يجب إقصاؤه أو إدارته أمنياً وعسكرياً، سيؤدي في النهاية إلى إفساد الوعي الأخلاقي للذات اليهودية نفسها.
وكان بوبر قد رأى مبكراً أن الصهيونية يجب أن تكون حركة تجديد روحي وثقافي وأخلاقي لليهود، تعيش في وئام وسلام وتكامل ثنائي القومية مع السكان العرب الأصليين في فلسطين، رافضاً بشدة فكرة دولة قومية يهودية قائمة على السيطرة العسكرية والهيمنة السياسية على حساب شعب آخر، وهو ما دفعه للقول إن" الوسائل الفاسدة تفسد الغايات النبيلة"، في إشارة لرفضه العنف والاحتلال.
خدم في الجيش الإسرائيلي في فلسطين وسيناء قبل أن يعمل مؤرخاًربما يكشف الكتاب مدى الظلم الذي يتعرض له الفلسطينيون بسبب سياسات القمع والعنف والاحتلال، إذ باتت هذه الأوصاف التي تعكس الواقع مرتبطة بإسرائيل ولا تكاد تفارقها، وما يغفله بارتوف في هذا السياق، ويكشفه بوبر والخالدي وبابيه وآخرون، هو ربما أن الصهيونية، لم تكن حركة تحرر وطني أو ثورة نضالية ضد الظلم وأصبحت فريسة للتحولات لاحقاً، بل ظهرت منذ بداياتها عبر تيارات مختلفة مثل" الصهيونية التصحيحية" التي قادها زئيف جابوتينسكي، وكان يرى أن الصدام مع العرب حتمي لأنهم لن يتخلوا عن أراضيهم، إضافة إلى ما صاحب تبلور مشروع احتلال فلسطين من لجان تهجير طوعي وشراء أراضٍ وقوانين استعمارية بريطانية مدمرة للحياة الاجتماعية الفلسطينية، وهي قوانين لا تزال إسرائيل تطبق الكثير منها حتى اللحظة.
يستعيد الكتاب أخيراً فكرة رئيسة ليس من السهل تجاهلها، وهي أن معضلة الإسرائيليين اليوم، سواء سميت سياسية أو أخلاقية أو حتى وجودية، ترجع في الأساس إلى أصول المشروع الصهيوني واحتلال فلسطين، فهذا بحد ذاته ما وضع اليهودية بوصفها هوية أو قومية أو ديانة في قلب الصراع عبر مجموعة من الصهاينة المؤسسين، الذين لم يعودوا أحياء اليوم، لكنهم تركوا للآخرين من ورثتهم إرثاً ملوثاً بالعنف والظلم، يستمر بعضهم في تنميته من دون اكتراث، تحت مسمى دولة لكل اليهود.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك