" ضرب إسرائيل الضاحية الجنوبية في لبنان تحول إلى فرصة لتحقيق أعلى درجة من المصالح لإيران والمقاومة.
فاحترام سيادة لبنان وسلامة أراضيه جزء من الاتفاق المؤقت مع الولايات المتحدة، وإنهاء الحرب عليه جزء لا يتجزأ من مذكرة التفاهم".
هذا ما خاطبت به وزارة الخارجية الإيرانية كافة المعنيين، ولا سيما لبنان، الذي أضحى حجر زاوية في الاتفاق الموقع بين طهران وواشنطن.
إيران استغلت رعونة إسرائيل الحريصة على تدمير الاتفاق الذي جرى مع الولايات المتحدة، وضرب جيش الاحتلال الضاحية الجنوبية لبيروت، للتشديد على واشنطن بتحميلها مسؤولية ضبط السلوك الإسرائيلي، وإلزام تل أبيب بموجبات الاتفاق، خاصة تجاه لبنان، إذا أرادت للمفاوضات أن تمضي قدما؛ ما دفع ترمب عبر الوسطاء لتنبيه إيران بعدم الانجرار وراء الرد على قصف الضاحية؛ لتفويت الفرصة على بنيامين نتنياهو، ما بدا رغبة أمريكية بالمضي في الاتفاق على عكس رغبة إسرائيل.
وهو ما يقف خلف توبيخ الرئيس ترمب لنتنياهو، وحديثه إلى الإعلام الأمريكي؛ تعبيرا عن رفضه السلوك الإسرائيلي بقصف الضاحية، حتى إن بعض الأوساط الإسرائيلية نقلت أن ترمب وصف نتنياهو بأنه" فاقد الحكمة".
طوال الأسابيع الماضية تنازع لبنان مساران اثنان؛ مسار واشنطن بدفع من الحكومة والرئاسة اللبنانية تحت عنوان السيادة والقرار اللبناني المستقل، ومسار إسلام آباد الذي لم يتحفظ عليه رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، وقائد الجيش اللبناني العماد هيكل الذي زار إسلام آباد، في 6 يونيو/حزيران الجاري، في وقت أشار فيه السفير الأمريكي في بيروت ميشيل عيسى إلى إمكانية استفادة لبنان من مسار المفاوضات الإيرانية الأمريكية.
بعد إعلان الاتفاق الإطاري، سارع نبيه بري إلى الترحيب به، وبعد ساعات أشاد رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون بالاتفاق، موجها" الشكر إلى جميع الدول والجهات التي ساهمت في إنجاز هذه المذكرة، وإلى كل من عمل على تضمين لبنان في الجهود الرامية إلى إنهاء التصعيد".
الترحيب من تيار ما يعرف بالسيادة اللبنانية، لا يعني التراجع عن مسار واشنطن، بقدر ما هو ترحيب بسياسة الأمر الواقع، حيث أنجز مسار إسلام آباد ما لم تستطع الحكومة اللبنانية إنجازه لناحية وقف إطلاق النار المتبادل بين إسرائيل ولبنان، ما أحرج الحكومة وتيار السيادة أمام الرأي العام اللبناني.
نجاح إيران في فرض الملف اللبناني على واشنطن ودفعها لأن تكون ضامنة لإسرائيل، يشكل فرصة لبيروت لمراجعة آلية التفاوض مع إسرائيل الساعية لاستمرار العمليات القتالية والعدوان حتى تحقيق تطلعاتها في القضاء على حزب الله، وتثبيت قدمها في الجنوب كقوة احتلال.
فالرسمية اللبنانية، وفي ظل وقف إطلاق النار يمكن أن تتقاطع مع مسار إسلام آباد، وتعزز التعاون معه، والاستفادة من قدرة إيران والوسطاء ولا سيما باكستان، وقطر وغيرهما في الضغط على واشنطن؛ لكبح جماح إسرائيل، توطئة لمفاوضتها على انسحابها من الأراضي اللبنانية.
بالتوازي يستطيع الرئيس جوزيف عون أن يفتح طاولة مستديرة للحوار مع رئيس الحكومة، ورئيس المجلس النيابي نبيه بري الذي يمثل حزب الله، للتوافق حول الموقف في ظل التطورات على مسار إسلام آباد والتي انعكست إيجابا على لبنان.
فهذا مدعاة لنزع فتيل التوتر الداخلي والخلاف بين الحكومة وحزب الله، ولخلق بيئة لتدوير الزوايا الحادة التي تعاظمت في الأشهر الماضية، وهو أمر مهم لتفويت الفرصة على الاحتلال الإسرائيلي الذي يُغذي الخلافات الداخلية ويستفيد منها في العملية التفاوضية.
يساعد في ذلك، عمل لبنان على تعزيز حاضنته العربية لدعمه في المفاوضات المباشرة أو غير المباشرة مع إسرائيل من خلال واشنطن، كما فعلت في مسار إسلام آباد عبر الوسيط القطري المدعوم خليجيا، ومن مصر، والأردن، وتركيا.
الاتفاق الإطاري شكل نقلة نوعية في مشهد الصراع الدائر بين طهران وواشنطن؛ حيث انتقلت الأخيرة من إسقاط النظام، وتدمير المشروع النووي والباليستي وإنهاء علاقة إيران بأصدقائها فيما يعرف بمحور المقاومة في لبنان، واليمن، والعراق، وفلسطين إلى البحث عن مخرج سياسي تفاوضي، يقفز في حيثياته عن الصواريخ الإيرانية الباليستية ومحور المقاومة، ويحصر العملية التفاوضية في المشروع النووي، ومضيق هرمز، والعقوبات الأمريكية.
حتى إن واشنطن قبلت بتأجيل التفاوض على المشروع النووي خلال الـ60 يوما، والبدء بإعلان وقف الحرب على كافة الجبهات، وفتح مضيق هرمز مع رفع الحصار عن إيران، كما أرادت الأخيرة، في إشارة واضحة إلى تراجع المقاربة العسكرية الأمريكية في تحقيق أهدافها السياسية.
إسرائيل بدورها، أخفقت في كبح مسار الاتفاق بين طهران وواشنطن، رغم محاولتها في الأيام الأخيرة تعطيل المسار عبر قصف الضاحية الجنوبية لبيروت، فالرئيس ترمب بات أكثر قناعة بضرورة إنهاء الحرب؛ بسبب تداعياتها الاقتصادية الكارثية والضغوط الداخلية التي يتعرض لها قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي في نوفمبر/تشرين الثاني من هذا العام.
لكن إسرائيل وإن بدت مكبلة أمام الاتفاق الإطاري بين طهران وواشنطن، فإنها ستعمل بشكل حثيث على الفصل بين إيران ولبنان، رغم أن الاتفاق يؤكد على وقف القتال على كافة الجبهات؛ إذ ستعمد إلى استخدام كافة أدواتها للضغط على ترمب عبر اللوبيات الصهيونية وأصدقائها في الكونغرس والبيت الأبيض؛ للتنصل من أي اتفاق يلزمها بوقف العدوان على لبنان.
نتنياهو سيكثف اتصالاته بأصدقاء إسرائيل في واشنطن، التي يمكن أن يزورها، في محاولة منه لثني ترمب عن التنازل أمام إيران، في محاولة لإقناع الرئيس الأمريكي بضرورة إعطاء إسرائيل الضوء الأخضر لاستمرار عدوانها، وبقاء قواتها في الأراضي اللبنانية بذرائع أمنية.
فاليمين المتطرف بقيادة بنيامين نتنياهو يرى في احتلال جنوب لبنان ترجمة سياسية أيديولوجية؛ لتوسيع حدود إسرائيل، علاوة على أنها مسألة أمنية في مواجهة حز ب الله، كما هي رافعة انتخابية قبيل انتخابات الكنيست القادمة.
وهذا ما عبر عنه وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بتعليقه على اتفاق الإطار بين إيران والولايات المتحدة بقوله؛ إسرائيل لن تنسحب من لبنان، وسوريا، وغزة، وستستمر في تدمير البيوت والبنى التحتية في جنوب لبنان.
وقد أشار كاتس إلى أن نتنياهو أبلغ ترمب بأن إسرائيل لن تنسحب من لبنان تحت الضغط الآن أو مستقبلا، ما يجعل الملف اللبناني نقطة حرجة في العملية التفاوضية بين طهران وواشطن خلال الأسابيع القادمة، ونقطة خلاف بين الأخيرة والحكومة الإسرائيلية المتطرفة بقيادة بنيامين نتنياهو.
في هذا السياق، يحتاج لبنان إلى توحيد مواقف كافة المرجعيات السياسية والطائفية من المسار التفاوضي مع إسرائيل، ومن محددات العمليات التفاوضية، مع إرجاء الموقف من سلاح حزب الله إلى حين ضمان انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، في الوقت الذي يعمل فيه لبنان على استثمار مساحات التباين بين تل أبيب وواشنطن بشأن الحرب على لبنان.
فإسرائيل واليمين الصهيوني المتطرف يعيشون أزمة مركبة؛ بسبب الفشل في الحسم عسكريا، وتراجع الردع الإسرائيلي، كما تراجع التأييد لإسرائيل ولسياساتها الاحتلالية عالميا وفي الداخل الأمريكي، ناهيك عن الخلافات الإسرائيلية الداخلية قبيل الانتخابات الإسرائيلية، وفي هذا فرصة تاريخية يمكن البناء عليها.
فهل يلتقطها لبنان، أم إن الخلافات الداخلية أكبر من ذلك؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك