في الوقت الذي تنشغل فيه منصات الأخبار بنقل تحديثات الحرب المستمرة وصور الدمار، تعج شاشات مقاهي العاصمة اللبنانية بيروت بألوان مغايرة تماما؛ حيث تتشابك أعلام البرازيل وألمانيا وغيرها من الدول، وتختلط هتافات الجماهير بحسرة مكتومة يحاول اللبنانيون إخفاءها خلف شغف كروي مستقطع.
ويأتي المونديال في ظروف استثنائية تجمع تحت سقف واحد سكان العاصمة والنازحين والمغتربين، في خطوة جماعية لانتزاع لحظات من الفرح والتمسك بالحياة.
لعل المفارقة الأبرز في المونديال في بيروت، تتجسد في قصة المغترب اللبناني فاروق شاهين، الذي ظهر في فيديو قصير على منصة الجزيرة لبنان.
وفي وقت تغادر فيه البعثات الدبلوماسية لبنان بسبب الأوضاع، اختار فاروق العودة من فرنسا في إجازة حدد توقيتها بدقة ليكون في بلده في أثناء البطولة؛ إذ يقول: " أنا أعيش في فرنسا وجئت في إجازة إلى لبنان من أجل المونديال، الشارع اللبناني يمتلك حالة من السحر خلال هذه المناسبة التي تعد فرصة لتغيير الجو وتحدي الخوف".
ويشجع فاروق منتخب ألمانيا منذ الصغر، ويرى أن أجواء المنافسة التقليدية مع مشجعي البرازيل تمنح أسواق بيروت حيوية وعفوية فريدة لا تملكها عواصم أوروبا.
هدنة نفسية: عندما يلتجأ النازح إلى المستطيل الأخضروعلى مقاعد ذات المقهى البيروتي، يجلس محمد عطوي، النازح من جنوب لبنان، ليختصر حال آلاف العائلات التي تركت بيوتها قسرا.
فبالنسبة لمحمد، الذي عاش 15 شهرا من المعاناة وتحت وطأة القصف في بلدته قبل أن يواجه مرارة النزوح لمدة تتجاوز 100 يوم، لا تبدو مباريات كرة القدم مجرد تسلية عابرة، بل هي بمثابة آلية دفاع نفسية للبقاء عقليا على قيد الحياة.
ويؤكد عطوي أن المشاعر تظل مختلطة بالحزن جراء فقدان الشهداء والأحباب، مستدركا: " مطلوب منا أن نحافظ على روحنا ونفرح.
الحياة ستستمر ونريد أن نروّح عن أنفسنا ولو لوقت قصير".
وفي السياق ذاته، يشير محمد سعادة، النازح من بلدة بدنايل في البقاع، إلى أن الازدحام والحماس الموجود في المقاهي يثبت حاجة اللبنانيين الشديدة إلى أي مناسبة تجمعهم وتمنحهم التمسك بالأمل.
وفي المقطع المصور المرفق الذي بثته منصة جزيرة لبنان، عبرت ياسمين فواز، وهي مديرة مقهى في بيروت، عن طبيعة هذه المفارقة السيكولوجية بقولها: " نستقبل المونديال اليوم بحسرة قلب، لكن الشعب بحاجة إلى تغيير الجو، واللبناني يمتلك حب الحياة وصناعة الفرح رغم كل الصعوبات".
ويؤيدها في ذلك المشجع أنطوني سيدة، مؤكدا أن هذا الحدث الرياضي يمثل حالة خاصة ينتظرها الناس لكسر رتابة الوضع الصعب.
ومن جانبه، يرى نجيب فقيه، بطل لبنان في رياضة البادل والمغترب في ساحل العاج، أن البطولة تشكل فرصة مثالية لالتقاط الأنفاس والتعرف على رفقاء جدد بعد أن أخرجته الحرب من بيته؛ إذ يقول: " أشجع البرازيل وأتابع المنتخبات الأفريقية وخاصة المغرب بحكم وجودي السابق في أبيدجان، ورغم وجود الخوف، فإن الجميع يبحث عن مساحة طبيعية للحياة".
ويختصر إبراهيم الطويل شعور الشارع اللبناني بالتأكيد على أن الناس تتكل على الله، وتحاول بشتى الطرق خلق أجواء تنسيها الهموم لبعض الوقت.
بين نازح يرقب عبر شاشة هاتفه أخبار بلدته خلال استراحة الشوطين، ومغترب جاء يتحدى تحذيرات السفر ليعيش جنون الكرة في وطنه، يثبت مونديال بيروت أنه يتجاوز فكرة المسابقة الرياضية العادية؛ إنه وثيقة تمسك بالبقاء تبرهن على أن كرة القدم قادرة على جمع الناس حول شاشة واحدة لتصنع الأمل من قلب مآسي الحروب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك