إيلاف - كيف تساعد تمارين رفع الأثقال في الحفاظ على صحة جيدة مع التقدم في العمر؟ يني شفق العربية - الضفة.. الاحتلال الإسرائيلي يقتحم منازل ومستوطنون يواصلون اعتداءاتهم وكالة الأناضول - الحكومة اليمنية تطالب بإدراج الزبيدي على قائمة العقوبات الأممية وكالة الأناضول - اتصالات عربية ودولية تبحث اتفاق واشنطن طهران وتطورات المنطقة قناة الغد - في «مدار الغد».. الاتفاق الأميركي الإيراني.. بنود شائكة وملفات عالقة Euronews عــربي - حظر بلا خسارة أرباح: حسابات التضليل تواصل جني المال على فيسبوك بانوراما فوود - طريقة عمل مكرونة بالطماطم والريحان | العزومة مع الشيف فاطمة أبو حاتي العربي الجديد - "بلومبيرغ": الجيش الأميركي نفّذ برنامجاً لتأمين السفن في مضيق هرمز Euronews عــربي - إيران تستعيد رأسًا حربيًا ضخمًا يُعتقد أنه لصاروخ توماهوك الأمريكي قناة القاهرة الإخبارية - لمواجهة التحديات.. ضياء رشوان يكشف أهمية تفعيل منظومة الدفاع العربي المشترك
عامة

كيف تحولت "الفكة" إلى سلعة تباع وتشترى في غزة؟

الجزيرة نت
الجزيرة نت منذ 1 ساعة

غزة – يقضي الستيني محمود بصل شطرا كبيرا من يومه في محاولة إبرام صفقات يُكتب لها غالبا أن تظل" غير مكتملة".ففي أحد مخابز غزة، تتوقف المعاملة عند خطوتها الأخيرة، حين يعتذر البائع عن منحه بضعة أرغفة لع...

غزة – يقضي الستيني محمود بصل شطرا كبيرا من يومه في محاولة إبرام صفقات يُكتب لها غالبا أن تظل" غير مكتملة".

ففي أحد مخابز غزة، تتوقف المعاملة عند خطوتها الأخيرة، حين يعتذر البائع عن منحه بضعة أرغفة لعدم توفر القطع النقدية الصغيرة" الفكّة" اللازمة لإرجاع الباقي، لتظل ربطة الخبز على الرف، والمال في جيب صاحبه.

list 1 of 4جهود فلسطينية لحماية الآثار بعد دمار المتاحف في قطاع غزةlist 2 of 4متقاعدو بريطانيا يتحولون إلى دروع بشرية تحمي الشباب من تهم الإرهابlist 3 of 4جهود فلسطينية مضنية لإنقاذ التاريخ والهوية من تحت ركام المتاحفlist 4 of 4حكايات من غزة.

عصافير تواسي الأسرى وسوق يوشك على الاندثارهذا المشهد المربك لا يتوقف عند عتبة المخبز؛ إذ يتكرر السيناريو ذاته في سوق الخضار، وأمام نافذة الصيدلية، وحتى عند شاحنة توزيع المياه المحلاة، حيث تتحول الأوراق النقدية الكبيرة من أداة شراء، إلى عائق يحول دون إتمام المعاملات البسيطة.

أما العقدة الأبرز في هذه السلسلة، فتمثّل في قطاع المواصلات؛ إذ يجد محمود نفسه مرارا على رصيف الانتظار، بعد أن يرفض السائقون نقله للسبب نفسه، لتضعه أزمة" الفكة" أمام مفارقة يومية قاسية: يمتلك ثمن الرحلة وقوت اليوم في جيبه، لكنه يضطر لقطع مسافاته الطويلة سيرا على الأقدام، والعودة إلى منزله دون توفير مستلزمات بيته الأساسية.

ولا تشكل تجربة محمود بصل حالة فردية، بل تعكس واقعا يوميا يواجه سكان غزة بلا استثناء في معاملاتهم البسيطة؛ إذ يواجه الشاب عماد عقل ظروفا مشابهة.

ويوضح عقل للجزيرة نت الأثر المباشر لغياب الفئات الأدنى للعملة قائلا" أضطر للمشي مسافة كيلومترين من مكان عملي إلى منزلي، نظرا لعدم توفر فكة لدفع أجرة الطريق، ورفض السائقين التعامل بالأوراق النقدية الكبيرة".

ولا يعد الدفع الإلكتروني عبر المحافظ الرقمية حلا مجديا بالنسبة للمعاملات الصغيرة، بحسب عقل، إذ يشير إلى أن البائعين يتقاضون مبالغ تزيد ربما بنسبة النصف أو الثلثين عن المبلغ الأصلي للسلعة.

لا تقتصر تداعيات هذه الأزمة على المستهلكين فحسب، بل تمتد لتضرب عصب النشاط التجاري اليومي في القطاع؛ إذ يعكس رائد أبو سيدو، صاحب مطعم شاورما في غزة، هذه المعضلة متحدثا بخلفية مزدوجة تجمع بين هويته كتاجر ومواطن.

يكشف أبو سيدو في مقابلة مع" الجزيرة نت" عن حجم التراجع الاقتصادي الناجم عن غياب العملات الصغيرة قائلا" 50% من عمليات البيع والشراء اليومية داخل المطعم تفشل ويتم إلغاؤها بشكل كامل، والسبب البسيط هو عدم توفر الفكة لإتمام المعاملات النقدية".

ويرى أبو سيدو أن تعطل القدرة على الإنفاق بات يمس أدق تفاصيل الحياة؛ إذ تلتقي تجربته كتاجر مع معاناته كمواطن عند محاولة تأمين أبسط المستلزمات كشراء الخبز، أو المياه المحلاة، وكذلك منح أطفاله المصروف اليومي.

ويقول جبر السرحي، وهو بائع أحذية وإكسسوارات في غزة، إن أزمة غياب الفئات النقدية الأدنى باتت تمثل عائقا مستمرا أمام حركة البيع اليومية.

ويروي السرحي للجزيرة نت تفاصيل الصفقات المعطلة في متجره قائلا" يأتي الزبون لشراء سلعة تبلغ قيمتها 15 شيكلا على سبيل المثال (الدولار 3 شواكل)، ويحمل ورقة من فئة 20 شيكلا، وعندما نعجز كباعة عن توفير الـ 5 شواكل المتبقية لإتمام المعاملة، ينتهي الأمر بتراجع الزبون وإلغاء عملية الشراء كليا".

تتعمق معالم هذه الأزمة عند محاولة البحث عن حلول بديلة في بيئة تجارية لم تتهيأ بعد للتحول الرقمي الكامل؛ إذ يشير السرحي إلى محدودية الخيارات المتاحة بالقول" لا يزال الكثير من المواطنين يفتقرون إلى الحسابات البنكية أو التطبيقات الإلكترونية؛ إذ إن آليات الدفع الرقمي لم تصل بعد إلى الجميع".

وعلى مستوى الباعة المتجولين وأصحاب البقالات الصغيرة، تتخذ أزمة" الفكة" طابعا أكثر حدة لارتباط معاملاتها بمبالغ زهيدة جدا؛ إذ يشير محمد الغندور، وهو بائع متجول يبيع المثلجات، إلى أن غياب الفئات الصغيرة بات يهدد لقمة عيشه بشكل مباشر.

ويوضح الغندور للجزيرة نت أثر الأزمة على طبيعة عمله قائلا" نحو 70% من مبيعاتي اليومية تفشل وتلغى كليا بسبب شح الفكة؛ فثمن كأس المثلجات يبلغ شيكلين فقط، وحين يحاول الزبائن الدفع عبر التطبيقات الإلكترونية، نصطدم بضعف شبكة الإنترنت وانقطاعها المستمر في غزة، مما يجعل الزبون يمل من الانتظار ويغادر دون شراء".

ويشترك شادي الفيومي، وهو صاحب بقالة صغيرة في السوق، مع الغندور في معاناته اليومية، مشيرا إلى أن أزمة العملة خلقت جدارا من عدم الثقة بين التاجر والزبون.

ويشرح الفيومي اتساع الأزمة لتشمل حتى فئات العملات الأكبر" المشكلة اليوم هي أن كبار التجار في السوق يرفضون أصلا استلام الأوراق النقدية منا، بحجة أنها تالفة، مما يمنعنا من قبولها من المواطنين".

يتخذ المشهد بُعدا أعمق يتجاوز المسألة الإنسانية المتمثلة في اضطرار الركاب للسير على الأقدام، ليمس القدرة التشغيلية للسائقين أنفسهم؛ إذ يجد هؤلاء أنفسهم مجبرين على الامتناع عن نقل المواطنين لحاجتهم للنقود لدفع تكاليف الوقود المرتفعة، وتغطية نفقات صيانة المركبات.

ويقول السائق شعبان دلّول للجزيرة نت" البلد يفتقر للفكة نهائيا"، موضحا أن هذا الأمر يسبب يومياً نشوب مشاكل واشتباكات لفظية كثيرة بين المواطنين والسائقين.

ويوضح دلول أن هذا الوضع غير الطبيعي ينعكس على فئة السائقين أيضا، ويقف حائلا أمام قدرتهم على تلبية حاجات أسرهم.

أمام شح السيولة المعدنية، شهدت بعض مناطق قطاع غزة محاولات ومبادرات محلية سعت لابتكار حلول بديلة لتسيير المعاملات اليومية، إلا أنها سرعان ما اصطدمت بواقع الفشل والرفض المؤسسي.

وتمثلت بعض هذه المحاولات في إصدار وتوزيع بطاقات دفع مسبقة مخصصة لقطاع المواصلات، لتسهيل تنقل الركاب دون الحاجة للفكة، لكنها لم تنجح في حل الأزمة.

أما المحاولة الأكثر جدلا، فتمثلت في قيام تجمع محلي يُدعى" مبادرون مصلحون" بإطلاق عملة نحاسية، لطرحها في الأسواق كبديل للقطع المعدنية المفقودة.

ولم يكتب لهذه التجربة الاستمرار؛ إذ قوبلت برفض رسمي حازم من وزارة الاقتصاد الوطني في غزة، التي سارعت بفتح تحذيرات مشددة للمواطنين والتجار من التعامل بها أو تداولها، مؤكدة عدم قانونيتها وافتقارها لأي غطاء مالي، أو مرجعية مصرفية شرعية تحمي قيمتها.

ترتبط أزمة" الفكة" في قطاع غزة ارتباطا وثيقا بواقع الحرب وإفرازاتها؛ فهي ليست مجرد مشكلة عابرة بين الباعة والسائقين، بل هي نتيجة مباشرة للدمار الذي طال البنية المصرفية.

ولم تتمكن الجزيرة نت من الحصول على تعقيب من السلطات الحكومية في قطاع غزة، أو من سلطة النقد الفلسطينية (القائمة بأعمال البنك المركزي)، حول الأزمة والجهود المبذولة لحلها.

وكانت سلطة النقد قد أوضحت في بيان سابق لها أن أزمة السيولة النقدية الراهنة ناتجة بشكل مباشر عن تعرض عدد من فروع المصارف ومقراتها للتدمير جراء القصف المستمر.

وأشار البيان إلى تعذر فتح ما تبقى من فروع للقيام بالمعاملات المصرفية المعتادة كالسحب والإيداع نظرا للظروف الميدانية القاهرة، وانقطاع التيار الكهربائي، والواقع الأمني، وهو ما أدى إلى خروج معظم أجهزة الصراف الآلي من الخدمة.

من جانبه، يقدم الإعلامي المتخصص في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر تحليلا لهيكل هذه الأزمة، معتبرا أن" العملات الصغيرة تشكل عصب العملية التجارية، وأن النقص الشديد فيها يؤدي لفقدان الثقة في الفئات الورقية والنقدية المتاحة".

ويوضح أبو قمر في مقابلة مع الجزيرة نت أن اهتراء الأوراق من فئة 20 شيكلا وتراجع الثقة في فئة 10 شواكل، دفعا المواطنين للتمسك بالقطع المعدنية واكتنازها، مما زاد من الضغط على المعروض منها.

ويشير إلى أن هذا الانسداد دفع جهات ومبادرين لمحاولة إيجاد بدائل لتعويض غياب الدور التنظيمي والرقابي الذي يفترض أن تقوده سلطة النقد، دون أن يكتب لها النجاح.

ولفت إلى أن أزمة الفكة تفاقمت مع ظهور أسواق موازية غير قانونية؛ حيث نشط بضعة تجار في احتكار القطع المعدنية وبيعها كسلعة، لتباع كل 70 أو 80 شيكلا من الفكة مقابل ورقة نقدية بقيمة 100 شيكل، وهو ما يصفه أبو قمر بأنه" مؤشر اقتصادي خطير تُباع فيه الأموال وتُشترى بأعلى أو أقل من قيمتها الفعلية".

ويرى أبو قمر أن أدوات الدفع الإلكتروني شكلت حلا جزئيا نجح في تسهيل نحو 60% إلى 70% من المعاملات التجارية.

لكن هذا المسار الرقمي -بحسب أبو قمر- يظل منقوصا ولا يمكنه إلغاء الحاجة للسيولة النقدية لعدة أسباب؛ أبرزها ضعف البنية التكنولوجية وانقطاع الإنترنت والكهرباء، ومنع إدخال الهواتف الحديثة، إلى جانب غياب الثقافة المالية لدى شريحة واسعة تفضل التعامل بالأموال السائلة (الكاش).

وفيما يتعلق بالمسؤوليات الدولية والقانونية، يؤكد أبو قمر أنه لا غنى عن إجبار إسرائيل على الالتزام بـ" بروتوكول باريس الاقتصادي"، الذي ينظم إدخال الأموال والسيولة إلى الأراضي الفلسطينية عبر البنوك المحلية، بالتنسيق مع الجانب الإسرائيلي وإخراج التالف منها، لافتا إلى تنصل الجانب الإسرائيلي من هذه الاتفاقيات.

وينتقد أبو قمر غياب المبادرات الفاعلة من البنوك وسلطة النقد التي يطالبها بضرورة ممارسة ضغوط حقيقية والخروج عن صمتها لإدخال السيولة النقدية والفكة للأسواق، أسوة بالتحركات المباشرة والندوات التي عُقدت لمواجهة أزمات السيولة المشابهة في الضفة الغربية.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك