لم يغضب التونسيون لشيء كغضبهم الشديد الأخير للهزيمة الثقيلة لمنتخبهم لكرة القدم في مباريات كأس العالم الحالية.
أخرجهم الأداء الهزيل للمنتخب عن طورهم، دفعت الأهداف الخمسة التي قبلتها شباك منتخبهم إلى موجة سخط شعبية لا حدود لها انخرط فيها عشاق الكرة والسياسة على حد سواء.
انغمس الأوائل في تعداد أخطاء المدرب التكتيكية وسوء اختياره الفادح للتشكيلة التي خاض بها المباراة، فيما ذهب الآخرون إلى اعتبار ما جرى تعبيرا صادقا عن وضع بلد بأكمله لم تنجح قيادته وخياراتها في شيء فكيف لها أن تنجح في الكرة تحديدا؟ولأن للكرة أهلها المختصون في تفكيك وشرح تفاصيل المباريات وتكتيكات اللعب، فيما السياسة مجال مفتوح للجميع، فقد عجّت مواقع التواصل وأساسا «فيسبوك» بمساهمات قوية أرادت الانطلاق من الكرة لتعرّي وضعا تونسيا ليس ما جرى على أحد ملاعب المكسيك إلا جزءا يسيرا منه، فالبلد بأكمله يعاني من الفشل والعشوائية وانعدام الكفاءة، ليس في الرياضة فقط، بل في كل المجالات.
«النتيجة تشبهنا وتليق بنا، نقطة وارجع للسطر»، هكذا كتب الصحافي التونسي عامر بعزة، فيما استنكر الناشط السياسي مسعود الرمضاني أن يقتصر وجع التونسيين على الكرة دون سواها.
أحد المدونين المعروف باسم محرز بلحسن كتب أن «كرة القدم مثلها مثل الاقتصاد والتعليم والصحة.
لا تعترف بالشعارات ولا بالنوايا الحسنة.
تعترف فقط بالعمل والتخطيط والكفاءة.
ولهذا فإن ما شاهدناه أمام بلجيكا ليس مجرد هزيمة ثقيلة، بل لحظة اصطدام بين مشروع بُني على أسس رياضية واضحة، وآخر ما زال يبحث عن نفسه وسط الشعارات والقرارات الظرفية».
وأضاف أن «في السياسة قد تعيش الشعبوية سنوات طويلة قبل أن تنكشف نتائجها بالكامل.
لكن، في كرة القدم فإن حسابها فوري.
ففي كرة القدم لا يمكن إخفاء ضعف التكوين بخطاب سياسي، ولا تعويض غياب التخطيط بالشعارات، ولا تغطية الارتجال بحملات الدعاية».
ما جرى في مباراة تونس والسويد فتح الباب على مصراعيه لانتقاد الناس والحكم معاحامد الماطري أحد الناشطين السياسيين المعارضين كتب متسائلا ما إذا كان التونسيون مدركين أم لا أن ما جرى ما هو إلا «وجه واحد من وجوه متعدّدة لانهيار شامل لكلّ مقوّمات البلاد».
وبنبرة غاضبة واستنكارية يسأل مواطنيه «لماذا لم يغضبوا للاقتصاد المدمّر والظلم المتفشي والأمن المفقود والآفاق المحطّمة والأعمار التي ضاعت في السجون والناس التي تقتات من الزبالة والمرضى الذين لا يجدون الدواء؟ »، ليصل في النهاية إلى أن الهزيمة الثقيلة في المباراة والأداء الهزيل المخجل للمنتخب ما هو إلا «النتيجة الطّبيعيّة والحتميّة للفوضى التي تعيشها بلادنا، نتيجة حتميّة لمنظومة تعوّل على الكذب والشّعبويّة ولا تؤمن لا بالعلم ولا بالعمل ولا بالكفاءة والتخطيط.
إنها نتيجة حتميّة نرى نتائجها في كل المجالات، غير أنكم لا تريدون فتح أعينكم لتروا مرارة الواقع، فأنتم تحبّون من يكذب عليكم وإذا لم تجدوه تكذبون على أنفسكم».
هكذا نرى أن ما جرى في مباراة تونس والسويد فتح الباب على مصراعيه لانتقاد الناس والحكم معا وبكثير من القسوة، فقد أشارت عديد التدوينات، التي لم يعد من مؤشر لقياس مزاج الناس سواها بعد أن قتل سعيّد السياسة وأغلق كل منافذ التعبير، إلى أن ما حصل على أرضية الملعب لا يعدو أن يكون مرآة لوضع عام في البلاد ساد فيه الارتجال والشعارات الشعبوية والاختيارات الخاطئة وغياب التخطيط وانعدام الرؤية واختيار المسؤولين وفق الولاءات السياسية وليس الكفاءة.
هنا لا يمكن لإصبع الاتهام أن يقودك سوى للرئيس شخصيا والأوساط القوية أو الضحلة التي تسانده.
لقد تدخل الرجل في تركيبة اتحاد الكرة، بعد أن تم الزج برئيسه السابق في السجن، وفي اختيار المدرب حيث فرض أن يكون تونسيا، بل وانبرت أبواقه في الإعلام لتقديم الأمر على أنه «قرار ثوري» يدخل في باب السيادة الوطنية وسد الطريق أمام الاستنجاد بالأجنبي! ! ولا يٌعرف الآن بأي منطق سيبررون الآن العودة من جديد إلى ذات المدرّب الأجنبي الذين «أبدعوا» في تشويه انتدابه! !لقد بدت هذه الهزيمة أكثر من مجرد حدث رياضي في مجال من الوارد فيه جدا الفوز والخسارة.
لقد أطلقت نقاشا واسعا على حال البلاد كما لم تطلقه المحاكمات السياسية، ورمي الناس في السجن ظلما، والعجز عن تبني اختيارات اقتصادية واجتماعية على أسس علمية تنهض بالمستوى العام للناس الذين يزدادون فقرا ومعاناة، والتخبط في اختيار المسؤولين من وزراء ورؤساء حكومات وغيرهم كثير.
المفارقة الكبرى التي فضحتها مباراة المنتخب كذلك أن الجمهور بعدما سارع إلى تحميل المدرب مسؤولية الفشل بسبب سوء منهجه وسوء اختياراته للاعبين ما زال جزء منه، على الأقل، عاجزا أو خائفا أو منافقا في الإشارة بنفس إصبع الاتهام لمن يتحمل مسؤولية أثقل بكثير من مدرب المنتخب الوطني، وهو رأس السلطة شخصيا، بل ويلتمس له بعضهم الأعذار محمّلين مستويات أقل منه بكثير مسؤولية كل الفشل والخبل الذي تعانيه البلاد من حكمه الفردي الذي لم يفرز سوى الخيبة تلو الأخرى، وفي كل شيء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك