من بين الدول التي تشارك في كأس العالم لكرة القدم لأول مرة في تاريخها كوراساو.
ورغم خسارتها في مباراتها الأولى ضد ألمانيا بسبعة أهداف مقابل هدف يوم الأحد الماضي، فإن جماهيرها أبدت فرحاً عارماً بهذه المشاركة.
تقع الجزيرة الكاريبية الصغيرة على بُعد نحو 60 كيلومتراً قبالة سواحل فنزويلا، وتشتهر بإنتاج أفضل لاعبي البيسبول، ويبلغ عدد سكانها 158 ألف نسمة.
وقد استغرقت الرحلة عقوداً حتى نجحت أخيراً في الوصول إلى كأس العالم 2026 بعدما ابتعدت الجزيرة عن اللاعبين المحليين الهواة، وتوجّهت نحو المحترفين من أصول كوراساوية، إذ إن لاعباً واحداً فقط وُلد في الجزيرة، أما البقية فقد وُلدوا في هولندا ونشأوا فيها.
يعود تاريخ كوراساو إلى شعب الأراواك الذين استوطنوها قادمين من البر الرئيسي لأميركا الجنوبية.
وزارها الأوروبيون لأول مرة عام 1499، واستوطنها الإسبان، ثم الهولنديون لاحقاً، الذين جعلوها مركزاً تجارياً رئيسياً لشركة الهند الغربية الهولندية.
رحّل الإسبان جميع السكان الأصليين عبيداً إلى هيسبانيولا عام 1515، وهي موطن لأقدم جالية يهودية مأهولة باستمرار في نصف الكرة الغربي، وقد تشكّلت في الأصل من اليهود السفارديم الذين هاجروا من البرتغال في القرن السادس عشر.
وبعد حلّ جزر الأنتيل الهولندية عام 2010، أصبحت كوراساو دولة مستقلة ضمن مملكة هولندا، لديها رئيس وزراء وبرلمان وقوانين خاصة بها، لكن رئيس دولتها هو ملك هولندا، ويليم ألكسندر، وأعلى محكمة فيها هي المحكمة العليا الهولندية، وتُدار شؤونها العسكرية والخارجية من لاهاي، وجميع سكان كوراساو يحملون جوازات سفر هولندية.
هجرة كوراساو صنعت اللاعبينيعتمد اقتصاد كوراساو على تكرير النفط، باستخدام النفط الخام المستورد من فنزويلا.
يتسع ميناؤها لناقلات النفط العملاقة، وتقع الجزيرة عند ملتقى طرق التجارة التي تمر عبر قناة بنما.
اكتشف الهولنديون النفط في بحيرة ماراكايبو في فنزويلا، وطوّرت كوراساو مرافق حديثة وكبيرة للصيانة والتزويد بالوقود، وأصبحت واحداً من أكبر الموانئ في العالم من حيث إجمالي الحمولة المُناولة.
لكن، تضرّر اقتصاد كوراساو بشدة في السنوات الأخيرة، بعدما تخلّت شركة النفط الفنزويلية المملوكة للدولة عن مصفاة النفط الوحيدة في الجزيرة عام 2019، ما أفقد آلاف الأشخاص وظائفهم، ثم جاءت جائحة كوفيد-19 لتضرب قطاع السياحة في الجزيرة غير المشهورة.
لهذا، من الطبيعي أن يفكر مواطن كوراساو في الهجرة إلى هولندا من أجل العمل والدراسة.
ويعيش في هولندا الآن نحو 150 ألف مواطن من الجزيرة، وهو ما يقارب عدد سكان الجزيرة نفسها.
وفي هذا الوضع التاريخي والاجتماعي، نشأ لاعبو منتخب كوراساو المشارك هذا العام في المونديال لأول مرة، إذ يتجه أفضل لاعبي الجزيرة إلى أوروبا ودورياتها وأكاديمياتها الكروية.
ولتحسين المنتخب الوطني، استعان اتحاد كرة القدم في كوراساو بلاعبي الشتات هؤلاء.
تنقل صحيفة ذا نيويورك تايمز عن رئيس الاتحاد جيلبرت مارتينا أن الشرط الوحيد هو أن يكون أحد والدي اللاعب أو جديه على الأقل مولوداً في الجزيرة.
وأضاف أنه قبل نحو عقدين من الزمن، كان الفريق يتألف في معظمه من هواة محليين، وكان أفضل اللاعبين المحترفين من أصول كوراساوية يحلمون باللعب لهولندا، المرشح الدائم للفوز بكأس العالم.
تغير هذا الوضع جزئياً، إذ ساعد القائد الحالي لياندرو باكونا وشقيقه جونينيو في إقناع لاعبين آخرين بتغيير ولائهم.
وسافر وزير الرياضة في كوراساو، سيثري فان هايدورن، مرتين إلى هولندا للمساعدة في استقطاب اللاعبين، مستغلاً شعورهم بالانتماء إلى وطنهم.
كما أبرم اتفاقيات مع جامعات في فلوريدا وكولومبيا لتمكين أبناء كوراساو من الدراسة في المنطقة والعودة بسهولة أكبر، إذ لا تتطلب الإقامة طويلة الأمد في هولندا تأشيرة، بينما يتطلّبها الاستقرار في أي مكان آخر.
مشاركة الجزيرة في كأس العالم 2026 حملت البهجة إلى شعبها.
تقول" ذا نيويورك تايمز" إن الأعلام ولافتات المنتخب تنتشر في كل مكان على الجزيرة، إلى جانب صور اللاعبين والسيارات المزينة ولافتة في ساحة رئيسية في العاصمة ويلمستاد كُتب عليها" أصغر دولة على الإطلاق تتأهل لكأس العالم".
وفي مباراة وداعية أقيمت أخيراً، امتلأ الملعب الوطني، الذي يتّسع لـ11 ألف متفرج، عن آخره.
وبعد انتهاء المباراة احتشد الآلاف من سكان كوراساو في مركز مهرجانات قريب لحضور حفل نظّمته الحكومة، تضمن خطابات وموسيقى وألعاباً نارية، وظهر اللاعبون على المسرح كما لو أنهم نجوم موسيقى الروك.
وبغض النظر عن الخسارة الثقيلة أمام ألمانيا، يشعر العديد من سكان كوراساو بأنهم قد فازوا بالفعل بمجرّد المشاركة أخيراً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك