حين لا تكفي الجولات والتقارير: من يتحمل مسؤولية الأثر في الصحة البيئية؟من مساءلة الأنشطة إلى مساءلة النتائج والقيمة العامةفي المقال الثالث من هذه السلسلة ناقشنا فجوة التطبيق (Execution Gap)، وكيف يمكن أن تمتلك المؤسسات تشريعات متقدمة وأنظمة رقابية متطورة، ومع ذلك لا تحقق النتائج الصحية المتوقعة.
ثم انتقلنا في المقال الرابع إلى فجوة القرار (Decision Gap)، حيث أوضحنا أن امتلاك البيانات لا يعني بالضرورة القدرة على تحويلها إلى قرارات تصنع فرقا حقيقيا في حياة الناس.
لكن حتى لو افترضنا أن المنظومة نجحت في تضييق هاتين الفجوتين، وأن الإجراءات تنفذ كما هو مخطط لها، وأن البيانات تستخدم في دعم القرار، فإن سؤالا أكثر حساسية يظل قائما: ماذا يحدث عندما لا تتحقق النتائج؟من المسؤول عندما تستمر حالات التسمم الغذائي رغم تنفيذ الجولات التفتيشية؟ ومن يحاسب عندما تتكرر الإصابات في مناطق اللعب المدرسية رغم استيفاء اشتراطات السلامة؟ ومن يتحمل مسؤولية ارتفاع معدلات انتقال العدوى في البيئات التعليمية رغم وجود برامج التوعية والتطهير والمتابعة الدورية؟ ومن المسؤول عندما تستمر شكاوى الطلاب من احمرار العين أو التهابات الجلد الناتجة عن اختلال التوازن الكيميائي في مياه المسابح رغم وجود برامج للفحص والمراقبة؟هذه الأسئلة لا تتعلق بالتشغيل أو الرقابة أو البيانات فقط، بل تمس جوهر الحوكمة المؤسسية.
وهنا تحديدا تظهر فجوة جديدة لا تقل خطورة عن فجوة التطبيق أو فجوة القرار، وهي فجوة المساءلة (Accountability Gap).
في كثير من المؤسسات، تبدو المؤشرات مطمئنة للوهلة الأولى.
هناك عدد كبير من الجولات التفتيشية، ونسب امتثال مرتفعة، وتقارير دورية توثق حجم الجهد المبذول.
وقد تبدو هذه المؤشرات دليلا على نجاح المنظومة، لكنها في بعض الأحيان تعكس شيئا مختلفا تماما.
فالجهة قد تنفذ جميع الأنشطة المخطط لها، لكنها لا تحقق النتائج المرجوة.
وفي الصحة البيئية تظهر هذه المفارقة بوضوح.
فقد تنفذ مئات الجولات على المنشآت الغذائية، ومع ذلك تستمر بعض حالات التسمم الغذائي.
وقد تطبق اشتراطات السلامة في المدارس، لكن الحوادث والإصابات لا تنخفض بالمستوى المتوقع.
وقد تجرى فحوصات دورية للمسابح، بينما تستمر الأعراض الصحية المرتبطة بجودة المياه.
وهنا يصبح السؤال أكثر أهمية من عدد الأنشطة المنفذة: هل تحقق المنظومة أثرا صحيا حقيقيا؟لأن الفرق كبير بين قياس النشاط وقياس النتيجة، وبين إدارة العمل وإدارة الأثر.
في البيئة المدرسية، على سبيل المثال، تتداخل مسؤوليات التعليم والصحة والتشغيل والصيانة والخدمات المساندة.
وكل جهة تمتلك جزءا من المسؤولية، لكن النتيجة النهائية تتأثر بأداء الجميعمن مساءلة الأنشطة إلى مساءلة النتائجتاريخيا، بنيت العديد من أنظمة التقييم الحكومي على قياس الأنشطة.
ورغم أهمية هذه المؤشرات في متابعة الأداء التشغيلي، فإنها لا تكشف بالضرورة ما إذا كانت صحة المجتمع قد تحسنت.
ففي البيئة المدرسية، قد يتم تنفيذ برنامج شامل للتوعية الصحية، لكن السؤال الحقيقي ليس عدد المحاضرات أو المنشورات التي تم تقديمها، بل ما إذا كانت معدلات انتقال العدوى بين الطلاب قد انخفضت فعلا.
وفي المقاصف المدرسية، لا يكفي معرفة عدد الزيارات التفتيشية، بل يجب معرفة ما إذا كانت هذه الزيارات أسهمت في تقليل التسممات الغذائية أو الحد من المخاطر المرتبطة بسلامة الغذاء.
وفي مناطق اللعب، لا يمثل عدد تقارير السلامة مؤشرا كافيا للنجاح إذا استمرت الإصابات والحوادث بالمعدلات نفسها.
وهنا يبرز مفهوم جوهري في الحوكمة الحديثة: المساءلة الحقيقية لا تكون على ما تم تنفيذه فقط، بل على ما تم تحقيقه.
عندما تضيع المسؤولية بين الجهاتتزداد تعقيدات المساءلة في منظومات الصحة البيئية بسبب تعدد الأطراف المشاركة فيها.
ففي البيئة المدرسية، على سبيل المثال، تتداخل مسؤوليات التعليم والصحة والتشغيل والصيانة والخدمات المساندة.
وكل جهة تمتلك جزءا من المسؤولية، لكن النتيجة النهائية تتأثر بأداء الجميع.
وفي بعض الأحيان يؤدي هذا التعدد إلى ما يمكن تسميته بضبابية المسؤولية.
فعندما تحدث حالات تسمم غذائي، قد يلقى اللوم على المورد.
وعندما ترتفع الإصابات، قد تحمل المسؤولية للمشغل.
وعندما تتكرر العدوى، قد توجه الملاحظات إلى المدرسة أو الجهات الصحية.
لكن المشكلة أن المسؤولية تصبح موزعة إلى درجة لا يعود معها أحد مسؤولا بشكل كامل عن النتيجة النهائية.
وهنا تظهر أهمية مفهوم ملكية النظام (System Ownership)، أي وجود جهة أو قيادة تتحمل مسؤولية النتيجة النهائية بغض النظر عن تعدد الجهات المشاركة في تحقيقها.
إذا كانت الجهة تقيم بناء على عدد الجولات التفتيشية، فمن الطبيعي أن تركز على زيادة عدد الجولات.
وإذا كانت تقيم بناء على عدد البرامج التوعوية، فسوف تسعى إلى زيادة عدد البرامجالمساءلة المشتركة: وجه آخر للحوكمة الحديثةغير أن تحديد جهة مسؤولة عن النتيجة لا يعني إعفاء بقية الأطراف من دورها.
فالكثير من نتائج الصحة البيئية بطبيعتها نتائج مشتركة وتتطلب ما يعرف بالمساءلة المشتركة (Shared Accountability)، حيث تتقاسم الجهات المختلفة مسؤولية تحقيق النتيجة النهائية نفسها.
فخفض معدلات العدوى في المدارس لا يعتمد على المدرسة وحدها، بل يتطلب تعاون الأسرة والجهات الصحية ومشغلي المرافق التعليمية.
كما أن الحد من التسممات الغذائية لا يرتبط بالمفتش فقط، بل يشمل المورد والمشغل والعاملين في تداول الغذاء.
وفي هذا النوع من القضايا المعقدة، لا يتحقق النجاح عندما تعمل كل جهة بمفردها، بل عندما تعمل جميع الجهات ضمن منظومة موحدة تتشارك المسؤولية كما تتشارك النتائج.
لماذا لا تتحسن النتائج رغم كثرة الجهود؟من أكثر المشاهد تكرارا في العمل المؤسسي أن تبذل الجهات جهودا كبيرة دون أن ينعكس ذلك على النتائج بالشكل المتوقع.
والسبب في كثير من الأحيان أن المنظومة تكافئ النشاط أكثر مما تكافئ الأثر.
فإذا كانت الجهة تقيم بناء على عدد الجولات التفتيشية، فمن الطبيعي أن تركز على زيادة عدد الجولات.
وإذا كانت تقيم بناء على عدد البرامج التوعوية، فسوف تسعى إلى زيادة عدد البرامج.
لكن إذا كانت تقيم بناء على انخفاض معدلات العدوى أو التسممات أو الإصابات، فإن طريقة العمل نفسها ستتغير.
وعندها يصبح السؤال: ما الأنشطة الأكثر تأثيرا؟ وأين تتركز المخاطر؟ وكيف يمكن استخدام الموارد لتحقيق أفضل نتيجة صحية ممكنة؟ وهنا يتحول التفكير من إدارة الأنشطة إلى إدارة الأثر.
العلاقة بين البيئة والصحة هي المعيار الحقيقي للحكم على فاعلية المنظومة، وهي أيضا جوهر المساءلة الحديثة في الصحة البيئيةمن التحديات الشائعة في الصحة البيئية أن بعض المؤشرات سهلة القياس لكنها ليست بالضرورة الأكثر أهمية.
فمن السهل قياس عدد الجولات أو عدد العينات أو عدد المخالفات، لكن من الأصعب قياس العلاقة بين جودة البيئة وصحة المجتمع.
ومع ذلك، فإن المنظومات المتقدمة تحاول بناء مؤشرات أكثر ارتباطا بالأثر، مثل انخفاض الأمراض المرتبطة بالعوامل البيئية، وتراجع التسممات الغذائية، وانخفاض الإصابات المرتبطة بمناطق اللعب، وتحسن المؤشرات الصحية في البيئات التعليمية.
وفي الحقيقة، لا يكتمل مفهوم المساءلة في الصحة البيئية ما لم يمتد إلى قياس النتائج الصحية المرتبطة بالعوامل البيئية نفسها.
فنجاح برامج جودة الهواء لا ينبغي أن يقاس فقط بمستويات الملوثات، بل بمدى انعكاس ذلك على معدلات الأمراض التنفسية أو زيارات أقسام الطوارئ.
كما أن نجاح أنظمة الرقابة الغذائية لا يكتمل إلا عندما ينعكس على انخفاض الأمراض المنقولة بالغذاء، في حين ينبغي أن ترتبط سلامة المياه الترفيهية بانخفاض الأعراض الصحية المرتبطة باستخدامها.
فالعلاقة بين البيئة والصحة هي المعيار الحقيقي للحكم على فاعلية المنظومة، وهي أيضا جوهر المساءلة الحديثة في الصحة البيئية.
في السنوات الأخيرة، شهدت نماذج التميز المؤسسي تحولا مهما من التركيز على الأداء التشغيلي إلى التركيز على القيمة العامة (Public Value).
فالمجتمع لا يهتم بعدد التقارير التي أصدرت أو بعدد الاجتماعات التي عقدت بقدر اهتمامه بالنتائج التي يلمسها في حياته اليومية.
هل أصبحت المدارس أكثر أمانا؟هل انخفضت المخاطر الصحية؟هل يشعر الناس بثقة أكبر في المؤسسات؟هذه الأسئلة تمثل جوهر القيمة العامة، وهي أيضا جوهر المساءلة الحديثة.
فالمؤسسات المتميزة لا تكتفي بإثبات أنها عملت، بل تثبت أنها أحدثت فرقا.
لا تقاس قوة منظومات الصحة البيئية بعدد ما تنفذه من أنشطة، ولا بعدد ما تمتلكه من بيانات، ولا حتى بعدد القرارات التي تصدرها.
إنما تقاس بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة في حياة الناسالمساءلة كأداة للتعلم لا للعقابفي بعض المؤسسات، ينظر إلى المساءلة باعتبارها أداة للبحث عن المخطئ.
أما المنظومات الأكثر نضجا، فتنظر إليها باعتبارها أداة للتعلم والتحسين المستمر.
فعندما تتكرر حالات التسمم الغذائي أو الإصابات أو العدوى، لا يكون السؤال الأول: من أخطأ؟ rبل: ماذا تعلمنا؟ وكيف نمنع تكرار ذلك مستقبلا؟فالمساءلة التي تركز على التعلم تخلق ثقافة مؤسسية أكثر قدرة على التطوير والابتكار، بينما المساءلة التي تركز فقط على اللوم قد تدفع المؤسسات إلى إخفاء المشكلات بدلا من معالجتها.
ولهذا السبب، فإن المؤسسات المتميزة لا تستخدم المساءلة لإدانة الماضي فقط، بل تستخدمها لبناء مستقبل أفضل.
عندما تصبح النتائج مسؤولية لا يمكن التهرب منهافي نهاية المطاف، لا تقاس قوة منظومات الصحة البيئية بعدد ما تنفذه من أنشطة، ولا بعدد ما تمتلكه من بيانات، ولا حتى بعدد القرارات التي تصدرها.
إنما تقاس بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة في حياة الناس.
فالطالب الذي يذهب إلى مدرسة آمنة وصحية، والأسرة التي تثق بسلامة الغذاء، والمجتمع الذي يتنفس هواء أنظف ويعيش في بيئة أكثر صحة، لا يعنيه عدد الجولات أو التقارير بقدر ما يعنيه الأثر الذي يلمسه في حياته اليومية.
ولهذا السبب، فإن مستقبل الصحة البيئية لن يبنى على كثرة الأنشطة، بل على وضوح المسؤولية.
ولن يقاس بحجم الجهد المبذول، بل بحجم القيمة التي تتحقق للمجتمع.
وعندما تنتقل المؤسسات من سؤال: «ماذا فعلنا؟ » إلى سؤال: «ماذا حققنا؟ »، ومن البحث عن المخطئ إلى التعلم من النتائج، ومن مساءلة الأنشطة إلى مساءلة الأثر، فإنها لا تطور أداءها فحسب، بل تعيد تعريف دورها في حماية صحة الإنسان.
وعند هذه النقطة تحديدا، تتحول المساءلة من أداة رقابية إلى قوة دافعة للتحسين، ومن إجراء إداري إلى ركيزة للحوكمة، ومن مطلب تنظيمي إلى مسار حقيقي لصناعة الأثر والقيمة العامة.
وهنا تبدأ المنظومات في تحقيق ما وجدت من أجله: حماية الإنسان وتعزيز جودة الحياة، وبناء مستقبل أكثر صحة واستدامة للأجيال القادمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك