بينما تتجه أنظار ملايين المشجعين حول العالم إلى ملاعب كأس العالم 2026، حيث يُحتفى بكرة القدم وما تمثله من قيم المنافسة والعدالة وتكافؤ الفرص، تبرز في المقابل تساؤلات متزايدة حول مصير الرياضة الفلسطينية، التي دفعت ثمناً باهظاً خلال الحرب على غزة.
وفي الوقت الذي تتواصل فيه المنافسات والبطولات الرياضية الدولية حول العالم، تعيش الرياضة الفلسطينية واقعاً مختلفاً عنوانه الفقدان والدمار وتوقف النشاط الرياضي؛ في مشهد يعكس حجم الخسائر التي لحقت بالمؤسسات والكوادر الرياضية الفلسطينية خلال الحرب، وسط انتقادات متواصلة لموقف الاتحاد الدولي لكرة القدم" فيفا" ودوره في التعامل مع ما تعرض له القطاع الرياضي الفلسطيني.
بحسب بيانات نشرتها وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا)، بلغ عدد ضحايا اتحاد كرة القدم الفلسطيني منذ عام 2023 حتى نهاية عام 2025 نحو 250 شخصاً، إضافة إلى 51 قتيلاً من جمعية الكشافة، و259 قتيلاً من الاتحادات الرياضية المختلفة وقدامى اللاعبين.
وأظهرت الإحصاءات أن الفئة العمرية بين 6 و20 عاماً سجلت أعلى نسبة من الضحايا بواقع 169 شخصاً، تلتها الفئة العمرية بين 20 و30 عاماً بـ121 شخصاً، ثم الفئة بين 30 و40 عاماً بـ80 شخصاً، في حين بلغ عدد الشهداء من الفئة العمرية 40 إلى 50 عاماً نحو 52 قتيلاً، ووصل عدد من تجاوزوا الخمسين عاماً إلى 82 قتيلاً، في حين بقيت ملفات 56 قتيلاً قيد التحقق والتدقيق.
أسماء بارزة غادرت الملاعب إلى الأبدشهد عام 2024 والعام التالي له رحيل عدد من أبرز الرياضيين الفلسطينيين، ففي 11 آذار أعلن الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم عن مقتل نجم المنتخب الفلسطيني لكرة القدم الشاطئية محمد بركات، المعروف بلقب" الأسد"، إثر غارة استهدفته في مدينة خانيونس جنوبي قطاع غزة.
ويعد بركات من أبرز نجوم الكرة الفلسطينية، إذ كان أول لاعب في غزة يسجل أكثر من 100 هدف بقميص فريق واحد هو نادي شباب خانيونس.
وفي تشرين الأول قُتل اللاعب المخضرم رشيد النمس مع زوجته الحامل وطفله إثر استهداف منزل شرق خانيونس.
وكان النمس قد تنقل بين عدد من الأندية الفلسطينية، وشارك سابقاً مع منتخب الناشئين الفلسطيني.
وخلال عام 2025 تواصل نزيف الرياضة الفلسطينية.
ففي الثالث من تموز أعلن الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم ارتقاء اللاعب مهند الليلي، نجم نادي خدمات المغازي، متأثراً بإصابته من جراء قصف استهدف منزله في مخيم المغازي وسط قطاع غزة.
وفي تموز/يوليو أيضاً قُتل اللاعب عودة محمد الهذالين (31 عاماً)، لاعب ناديي مسافر يطا وسوسيا، إثر اعتداء نفذه مستوطنون على قرية أم الخير في الضفة الغربية المحتلة.
وأعلنت اللجنة الأولمبية الفلسطينية حينئذ أن شهر تموز وحده شهد ارتقاء 40 رياضياً فلسطينياً.
كما فقدت الساحة الرياضية عدداً من الرياضيين الآخرين خلال الشهر نفسه، من بينهم الملاكمة ملك مصلح، واللاعب مصطفى أبو عميرة، ولاعب كرة اليد عماد الحواجري، ونائب رئيس الاتحاد الفلسطيني للكاراتيه أسعد أبو شوقة، إضافة إلى أسماء أخرى من مختلف الألعاب الرياضية.
وفي السادس من آب 2025 أعلن مقتل لاعب المنتخب الفلسطيني السابق سليمان العبيد الملقب بـ" بيليه فلسطين"، أحد أبرز نجوم الكرة الفلسطينية وصاحب أكثر من 100 هدف خلال مسيرته الرياضية، إثر استهداف طال منتظري المساعدات جنوبي قطاع غزة.
كما قُتل مهاجم نادي خدمات النصيرات محمد السطري في أيلول/سبتمبر 2025 بعد إصابته خلال انتظاره المساعدات الإنسانية شمال غربي رفح.
ولم يسلم الحكام أيضاً من الخسائر، إذ أعلن في كانون الأول/ديسمبر 2025 وفاة الحكم المساعد رشيد مصطفى حمدونة متأثراً بإصابته في استهداف سابق خلال الحصار المفروض على شمالي القطاع.
ولم تقتصر الخسائر على العنصر البشري، إذ تعرضت المنشآت الرياضية في قطاع غزة لدمار واسع النطاق.
وتشير البيانات إلى تدمير 265 منشأة رياضية، منها 184 دمرت بشكل كامل و81 بشكل جزئي.
وشملت المنشآت المتضررة 23 ملعباً رئيسياً، و35 صالة رياضية متعددة الاستخدامات، و58 مقراً للأندية الرياضية، و12 ملعباً تابعاً للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا).
كما طالت الأضرار 3 مسابح، و15 ملعباً لكرة السلة والكرة الطائرة والتنس الأرضي، إضافة إلى المضمار الوحيد لألعاب القوى في القطاع، و49 صالة لكمال الأجسام، و9 إسطبلات للخيول، و40 ملعباً خماسياً، و19 منشأة متخصصة في التعليم الرياضي.
كما تحولت بعض المنشآت الرياضية إلى مواقع للاعتقال والتحقيق، ومن أبرزها ملعب اليرموك بمدينة غزة الذي استخدم خلال فترات من الحرب كمركز احتجاز وتحقيق.
محاولات لإحياء النشاط الرياضيورغم حجم الدمار والخسائر، بدأت خلال الأشهر الأخيرة من عام 2025 محاولات لإعادة إحياء الحركة الرياضية في قطاع غزة، بعد توقف النشاط الرياضي لما يقارب ثلاثة أعوام.
وتسعى الأندية والاتحادات الرياضية إلى استئناف تدريباتها وتنظيم أنشطة محدودة، في محاولة للحفاظ على ما تبقى من المشهد الرياضي الفلسطيني.
إلا أن التحديات ما تزال كبيرة في ظل الدمار الواسع الذي لحق بالمنشآت الرياضية وفقدان أعداد كبيرة من اللاعبين والمدربين والإداريين، ما يجعل عملية إعادة بناء القطاع الرياضي مهمة طويلة ومعقدة تتطلب دعماً وإمكانات كبيرة لإعادة الحياة إلى الملاعب التي تحولت خلال الحرب إلى ساحات للدمار والفقدان.
لا عقوبات ولا إجراءات.
الفيفا في مرمى الانتقاداتفي الوقت الذي تتزايد فيه الخسائر البشرية والمادية التي يتكبدها القطاع الرياضي الفلسطيني، تعرض الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) لانتقادات متصاعدة بسبب موقفه من الشكاوى الفلسطينية المتعلقة بالأندية الإسرائيلية العاملة في المستوطنات في الضفة الغربية.
ففي آذار الماضي، أعلن الفيفا عدم اتخاذ أي إجراء بحق الأندية الإسرائيلية المشاركة في مسابقات تُقام داخل مستوطنات بالضفة الغربية، رغم الشكوى التي كان قد تقدم بها الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم بشأن هذه القضية.
وكان الملف قد أُحيل سابقاً إلى لجنة الحوكمة والتدقيق والامتثال في الاتحاد الدولي لدراسة الجوانب القانونية والتنظيمية المتعلقة بمشاركة تلك الأندية، إلا أن مجلس الفيفا قرر في نهاية المطاف إغلاق الملف من دون اتخاذ خطوات عملية، معتبراً أن الوضع القانوني للضفة الغربية ما زال" غير محسوم" وفقاً لتقديره.
وأثار القرار ردود فعل واسعة في الأوساط الرياضية الفلسطينية، التي رأت فيه تجاهلاً للمطالب الفلسطينية، في وقت تتواصل فيه الخسائر التي تطول الرياضيين والمنشآت الرياضية.
كما أعاد القرار الجدل حول حدود دور المؤسسات الرياضية الدولية في التعامل مع القضايا السياسية والقانونية المرتبطة بالنزاعات الدولية، ومدى التزامها بتطبيق لوائحها بصورة متساوية على جميع الاتحادات والأندية الأعضاء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك