في منشوره على منصة" تروث سوشال" يوم الأحد الماضي، بشّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب العالم بانتهاء أزمة مضيق هرمز بالاتفاق بين الولايات المتحدة على إنهاء الحرب وفتح المضيق، واختتم ترامب منشوره قائلاً" " يا سفن العالم، شغّلوا محركاتكم.
دعوا النفط يتدفق! ".
من الطبيعي أن يعظّم الرئيس الأميركي من قيمة الاتفاق مع إيران، ومن الطبيعي أيضاً أن تستجيب الأسواق لهذا الاتفاق فيتراجع سعر النفط الخام إلى ما دون 80 دولاراً للبرميل للمرة الأولى خلال ثلاثة أشهر، لكن هذا التفاؤل من الأسواق والرئيس لا يعني أن المضيق قد بات مفتوحاً وأن ناقلات الطاقة أصبحت تمخر عبابه من دون قيد أو شرط، كما كان الحال عليه قبل الثامن والعشرين من فبراير/ شباط الماضي، فاستعادة الوضع السابق قد تستغرق عدة أشهر ولذلك أسباب عديدة، أهمها المخاوف الأمنية، والألغام البحرية، وما يتردد عن دور إيراني في الاتفاق يتمثل في رسوم محتملة على مرور السفن.
وتظهر بيانات تتبع السفن الصادرة عن" مارين ترافيك" أمس الثلاثاء أن سبع سفن فقط عبرت على ما يبدو هذا الممر المائي الحيوي منذ إعلان الاتفاق، في حين يبدو أن نحو 580 سفينة لا تزال تنتظر داخل الخليج، من بينها أكثر من 250 ناقلة نفط وأكثر من 330 سفينة.
وتشير البيانات إلى أن نحو 75% من ناقلات النفط متوقفة عن الحركة.
كما تظهر صور الأقمار الصناعية تجمع العديد منها بالقرب من موانئ تصدير النفط الرئيسية في السعودية والعراق والإمارات.
ونقلت صحيفة فاينانشال تايمز اليوم الأربعاء عن جوتارو تامورا، رئيس شركة" ميتسوي أو إس كيه لاينز"، أكبر شركة تشغيل ناقلات في العالم، قوله إن شركات الشحن تحتاج إلى أكثر من مجرد اتفاق إطار، مضيفاً أن الأمر يجب أن ينعكس عملياً على الوضع الأمني في المضيق قبل أن تشعر الشركات بالارتياح للعبور.
ستظل الصور المرتبطة بإطلاق النار على السفن من الجانبين الأميركي والإيراني إبان فترات التصعيد عالقة بأذهان قباطنة السفن وملاكها، لكن الأهم من هؤلاء هو شركات التأمين التي لا تزال تفرض رسوماً مرتفعة للغاية على أقساط التأمين ضد مخاضر الحرب تبلغ حالياً 7.
5% من قيمة السفن، وهو ما يعني ملايين الدولارات أسبوعياً بالنسبة لناقلات النفط والغاز.
ورغم إعلان ترامب يوم الأحد" الرفع الفوري" للحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية، عاد لاحقاً ليؤكد أن الحصار سيبقى قائماً إلى حين توقيع الاتفاق رسمياً مع إيران.
وأظهرت صور أقمار صناعية التُقطت في 15 يونيو وجود أربع سفن حربية أميركية قرب خط الحصار عند مدخل خليج عُمان.
ويقول الخبراء إن مالكي السفن والقباطنة وشركات التأمين يضعون حالياً خططاً لإعادة تموضع السفن استعداداً للإبحار، لكن قلة منهم ترغب في اتخاذ الخطوة الأولى.
وقد أعلنت شركة" ميرسك" أكبر شركة للشحن في العالم أنها حتى اللحظة لم تغير تعليماتها بخصوص عبور المضيق، فيما يُرجح أن تلتزم السفن الآسيوية من اليابان وكوريا الجنوبية والهند مزيداً من الحذر قبل الموافقة على عبور المضيق، فيما تُقدم بعض الشركات اليونانية على عبور المضيق في الاتجاهين بجرأة أكثر ما قد يعزز ثقة الآخرين.
التوجس من إجراءات الأمن والسلامة لدى السفن يستند إلى تجارب سابقة، ففي أوائل إبريل/نيسان أعلنت إيران أن المضيق مفتوح بالكامل، قبل أن تتراجع بعد يوم واحد وتعلن إغلاقه مجدداً، ما اضطر أكثر من 33 سفينة إلى تغيير مسارها في أثناء العبور، فيما تعرض بعضها لإطلاق نار.
أما الولايات المتحدة، فقد فرضت حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية في 13 إبريل، وقامت منذ ذلك الحين بتعطيل تسع سفن" " فارغة"، بما في ذلك استهداف غرف المحركات في بعضها بصواريخ" هيلفاير"، وفقاً للقيادة المركزية الأميركية.
لا يزال موضوع الألغام البحرية يمثل لغزاً كبيراً، فقد نصت الاتفاقية – بحسب نص نشرته بلومبيرغ- اليوم الأربعاء على قيام إيران بنزع الألغام من الممرات الملاحية، لكن لا أحد يعرف بالتحديد إذا كانت هناك ألغام بالفعل أم لا.
وقد هددت إيران في بداية الصراع بأنها ستزرع" أنواعاً مختلفة من الألغام البحرية، بما في ذلك الألغام العائمة" إذا تعرض ساحلها أو جزرها لهجمات.
ومنذ ذلك الحين أصدرت كل من" مركز المعلومات البحرية المشترك" و" مركز الأمن البحري العُماني" تحذيرات من أجسام عائمة يشتبه بأنها ألغام، كما أبلغ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مجلس الشيوخ بأن إيران" زرعت ألغاماً في أجزاء واسعة من مضيق هرمز".
وتنقل بي بي سي في تقرير لها أمس الثلاثاء عن أرسينيو دومينغيز، الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية، قوله إن إزالة هذه الألغام تمثل خطوة أساسية لإعادة حركة الملاحة إلى مستويات ما قبل الحرب.
ويرى الخبراء أن المسار الجنوبي القريب من عُمان يبدو خالياً إلى حد كبير من الألغام، وأن جهود التطهير ستركز على الممر الرئيسي داخل المضيق.
وتشير تقارير فنية إلى أن سفن كاسحات الألغام ستضطر إلى العمل بسرعات بطيئة للغاية، ربما بين عقدتين وثلاث عقد بحرية فقط، حتى تتمكن من مسح قاع البحر ورصد الأجسام الخطرة.
وبعد ذلك ستحتاج إلى فتح قناة واسعة بما يكفي للسماح بحركة السفن في الاتجاهين في الوقت نفسه.
وقد أرسلت كل من المملكة المتحدة وفرنسا سفناً بحرية إلى المنطقة استعداداً لاحتمال المشاركة في عمليات إزالة الألغام.
كما تعهد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يوم الثلاثاء بأن تؤدي بريطانيا" دورها الكامل" لإعادة فتح مضيق هرمز" في أسرع وقت ممكن".
ربما يمثل موضوع الألغام أكبر مصدر للقلق بالنسبة لملاك السفن وطواقمها، فمن شأن حادث واحد أن يؤخر استئناف حركة الملاحة إلى أجل غير معلوم.
قبل بداية الحرب، كانت السفن والناقلات تعبر مضيق هرمز من دون دفع رسوم لأية جهة، وقد أكد ترامب ونائبه جي دي فانس أن الحال سيبقى على ما كان عليه وأن الاتفاق لا يمنح إيران الحق في تحصيل رسوم عبور.
غير أن طهران تنفي ذلك، وقالت وكالة" فارس" الإيرانية المقربة من الحرس الثوري الاثنين الماضي إن الاتفاق الجديد قد يمنح إيران دوراً رئيسياً في إدارة المضيق بالتنسيق مع سلطنة عُمان، بما يشمل فرض" رسوم خدمات" على السفن العابرة، من دون توضيح طبيعة تلك الخدمات.
ورغم أن الولايات المتحدة وإيران ليستا طرفين في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يشير الخبراء إلى أن الموقف الأميركي يعتبر حرية المرور عبر المضيق جزءاً من القانون الدولي العرفي.
وخلال الصراع الحالي، سعت إيران إلى تأكيد سيادتها على المضيق عبر إنشاء" هيئة مضيق الخليج الفارسي"، التي قالت إنها ستتولى إصدار تصاريح المرور الآمن.
لكن الولايات المتحدة ودول الخليج العربية ترفض بإصرار المطالب الإيرانية بشأن أي رسوم محتملة.
وهو ما قد يطرح تلك الإشكالية في صلب المحادثات الممتدة لستين يوماً بين طهران وواشنطن عقب التوقيع الرسمي للاتفاق.
ربما يكون الاتفاق على فتح المضيق قد بدد الكثير من المخاوف، لكن عودة حركة الملاحة إلى معدلها السابق لا تزال بعيدة بحسب الخبراء.
وترى مجموعة" أوراسيا" الاستشارية أن الأمر قد يستغرق عدة أسابيع حتى تعود حركة الملاحة إلى ما بين 30% و50% من مستويات ما قبل الحرب، أي ما يعادل نحو 30 إلى 50 سفينة يومياً.
ومن المتوقع أن تكون أولى السفن التي ستعبر المضيق تلك التي ظلت عالقة داخل المنطقة منذ فبراير الماضي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك