في سياق حضور الثقافة الفلسطينية في اللغات الأخرى، صدر حديثاً كتاب جديد باللغة التركية للناقد والكاتب الفلسطيني أنطوان شلحت، بعنوان" في تأصيل الثقافة الفلسطينية" (فارابي للكتاب، إسطنبول، 2026)، ويضم نماذج مختارة من جهود الكاتب في الحقل الثقافي والأدبي الفلسطيني؛ من خلال العودة إلى الماضي، ومقاربة الكيفية التي تعاطى بها عدد من الأدباء والنقاد الفلسطينيين معه، والوقوف عند هذه العودة لدى الأجيال المتعاقبة من الأدباء الفلسطينيين ودلالاتها في صيرورة الحاضر وآفاق المستقبل.
وعلى امتداد الكتاب، يدرس شلحت، على وجه الخصوص، الانعكاسات الثقافية والأدبية للنكبة عام 1948، من خلال نصوص غسان كنفاني ومحمود درويش وإميل حبيبي وإحسان عباس وغيرهم من الأسماء البارزة في الأدب الفلسطيني، في نصوص تكشف أن الكتّاب الفلسطينيين أنتجوا أعمالاً أدبية، وحملوا أيضاً صوت الشعب الفلسطيني في مواجهة المنفى والاحتلال والتهميش ومحاولات محو الذاكرة.
ويتناول الكتاب، من زوايا متعددة، معركة الوجود التي خاضها المثقفون والشعراء والكتّاب الفلسطينيون، كما يظهر أن الإنتاج الثقافي، إلى جانب كونه نشاطاً جمالياً، يسعى أيضاً إلى حماية الذاكرة والهوية والاستمرارية التاريخية.
كما يعرض شلحت المقاربة الإسرائيلية للماضي عبر كتابة تستدعي الذاكرة، باعتبارها ذاكرةً مؤسِّسة ومبرِّرة للحاضر، تبدأ من ثقل" الهولوكوست"، وتنظر إلى المستقبل على أنّه وعد رمزي، تعبّر عنه عبارة" السنة المقبلة في القدس".
أي إن الماضي يُستخدم لمصالحة الحاضر مع نفسه، ومنحه معنى إيجابياً واستمرارية تاريخية.
أما في الكتابة الفلسطينية فالماضي يُستدعى في سياق رفض الحاضر.
فالحاضر الفلسطيني، بعد النكبة، حاضرٌ مفروض ومؤقت، " حاضر بالوكالة" أو" حاضر حتى إشعار آخر".
ومن خلال هذه المقاربة، يرى شلحت أن العودة إلى الماضي، قد تكون وسيلة لبناء الذاكرة الوطنية، واستعادة المكان، وربط المستقبل بما انقطع قسراً عام 1948.
ويشتمل الكتاب على فصلين مونوغرافيين تمهيديين، الأول بعنوان" أفكار وهواجس متّصلة حول المشهد الثقافي الفلسطيني في أراضي 1948"، والثاني بعنوان" الثقافة، ثقافة السياسة ومعرفة الذات".
وقالت بيرين بيرسايغيلي موت، مديرة النشر في دار" فارابي للكتاب" ومترجمة الكتاب إلى اللغة التركية: إن الأعوام الأخيرة شهدت في تركيا اهتماماً لافتاً بالأدب والثقافة الفلسطينيين.
وأضافت: " لقد ظلّت القضية الفلسطينية حاضرة في تركيا لسنوات طويلة من خلال أبعادها السياسية والتاريخية والإنسانية، غير أننا نلاحظ في الفترة الأخيرة أن القارئ التركي بات يتجه أكثر فأكثر إلى التعرّف إلى فلسطين من خلال أدبها، وشعرها، وقصتها، وفنها، وذاكرتها الثقافية، ورصيدها الفكري.
وهذا الاهتمام ثمين جداً بالنسبة إلينا.
ففهم فلسطين حقاً لا يتحقق بمجرد النظر إلى الآلام التي عاشها شعبها وإلى واقع الاحتلال المستمر، بل يمرّ أيضاً عبر رؤية الطريقة التي حافظ بها هذا الشعب على ذاكرته، ودافع بها عن هويته، وبقي صامداً من خلال الأدب والثقافة".
وختمت بيرسايغيلي موت: " إن دراسة شلحت لا تقدّم بحثاً أكاديمياً في الثقافة والأدب الفلسطينيين فحسب، بل تفتح أيضاً مجالاً عميقاً للتفكير في ذاكرة شعب، وصموده، وكفاحه الإنساني من أجل الوجود.
ومن هذه الناحية، يشكّل الكتاب مصدراً بالغ الأهمية للقرّاء الذين يريدون فهم القضية الفلسطينية من خلال الأبعاد الإنسانية العميقة التي تحملها الثقافة والشعر والأدب والذاكرة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك