أثارت التعديلات الجمركية الأخيرة وآلية احتساب الرسوم وفق نسب مئوية من قيمة المركبات جدلا كبيرا في الأوساط الاقتصادية والتجارية، وسط تباين في تقييم آثارها على سوق السيارات السورية وعلى الفئات الاجتماعية المختلفة.
واعتمدت الآلية الجديدة لاحتساب الرسوم الجمركية على السيارات المستوردة، على النسبة المئوية من قيمة السيارة بدلاً من الرسوم الثابتة المعمول بها سابقاً.
وأوضحت الجهات الرسمية أن الهدف هو تبسيط الإجراءات وتحقيق عدالة أكبر في التكليف الجمركي، بينما تساءل مواطنون وخبراء اقتصاديون عما إذا كانت هذه التغييرات ستنعكس فعلاً على أسعار السيارات في السوق المحلية، أم أن الفائدة ستذهب بالدرجة الأولى إلى المستوردين والتجار.
ويرى الخبير الاقتصادي عمر السيد خلال لقاء مع موقع" تلفزيون سوريا" أن المشكلة لا تكمن فقط في مضمون القرارات الاقتصادية، بل أيضاً في آلية إصدارها، مشيراً إلى أن القرارات غالباً ما تدخل حيز التنفيذ خلال فترة قصيرة جداً، من دون منح الفعاليات الاقتصادية الوقت الكافي لدراستها والتكيف معها.
ويقول السيد: " إن العديد من الدول تعتمد فترات انتقالية أو تنشر مسودات القرارات قبل أشهر من تطبيقها، ما يسمح بمناقشتها وتوضيح آليات تنفيذها ومعالجة الثغرات المحتملة فيها".
وبحسب الخبير الاقتصادي، فإن احتساب الرسوم الجمركية على السيارات وفق قيمتها الفعلية يحقق قدراً أكبر من العدالة مقارنة بالأنظمة السابقة، إذ لم يعد من المنطقي أن تُعامل السيارات الاقتصادية منخفضة السعر بالطريقة نفسها التي تُعامل بها السيارات الفارهة مرتفعة القيمة.
إلا أن هذا النظام، بحسب رأيه، قد يفتح المجال أمام بعض محاولات التلاعب بقيم الفواتير، خاصة في الصفقات الصغيرة، من خلال تسجيل قيم أقل من الأسعار الحقيقية للسيارات في بلد المنشأ، بهدف تخفيض الرسوم المستحقة.
" الهايبرد" خيار السنوات المقبلةويلفت الخبير إلى أن سوق السيارات العالمي يشهد تحولاً ملحوظاً نحو السيارات الهجينة (الهايبرد)، بعد أن اندفع كثير من المستهلكين في أوروبا نحو السيارات الكهربائية خلال السنوات الماضية، قبل أن يكتشف قسم منهم أن البنية التحتية للشحن والتكاليف التشغيلية ما زالت تطرح تحديات عملية.
ويرى أن السيارات الهايبرد مرشحة لأن تكون الخيار الأكثر انتشاراً خلال السنوات المقبلة، نظراً لقدرتها على الجمع بين كفاءة استهلاك الوقود والمرونة التشغيلية.
لماذا تقييد السيارات المستعملة؟ويعتبر الخبير الاقتصادي عمر السيد أن أحد دوافع الحد من استيراد السيارات المستعملة يتمثل في تقليل استنزاف القطع الأجنبي، موضحاً أن تكلفة السيارة لا تقتصر على سعر شرائها فقط، بل تشمل أيضاً ما تحتاجه لاحقاً من قطع غيار وصيانة وإصلاحات.
ويضيف أن السيارات القديمة تتحول مع مرور الوقت إلى مصدر طلب مستمر على قطع الغيار المستوردة، ما يزيد الضغط على العملات الأجنبية.
وفي المقابل، يرى أن السماح بدخول سيارات حديثة نسبياً بعمر سنتين أو ثلاث سنوات قد يشكل حلاً وسطاً يوازن بين القدرة الشرائية للمواطنين والحاجة إلى تحديث أسطول المركبات.
سوق السيارات السوري يحتاج إلى سنوات للتوازنورغم الآمال بانخفاض أسعار السيارات، يحذر الخبير من توقع نتائج سريعة، مؤكداً أن السوق يحتاج إلى فترة طويلة نسبياً للوصول إلى حالة من التوازن.
ويشرح السيد أن انخفاض أسعار السيارات المستعملة بشكل طبيعي يتطلب أولاً دخول أعداد كبيرة من السيارات الحديثة إلى السوق، ثم انتقالها لاحقاً إلى سوق المستعمل بعد عدة سنوات من الاستخدام.
وبحسب تقديراته، فإن هذه الدورة قد تستغرق ما بين أربع وخمس سنوات أو أكثر قبل أن تنعكس بشكل ملموس على الأسعار.
ويشير الخبير الاقتصادي إلى أن أصحاب الدخل المحدود هم الفئة الأكثر تأثراً بالمتغيرات الأخيرة، لأنهم كانوا يعتمدون أساساً على السيارات المستعملة منخفضة السعر، أما أصحاب الدخول المرتفعة، فإن تأثير التعديلات يبقى محدوداً نسبياً، في حين تقع الفئة المتوسطة في منطقة وسطية تختلف آثارها باختلاف نوع السيارة وقدرتها الشرائية.
التجار: المشكلة أوسع من الرسومفي المقابل، يرى تاجر السيارات محمود سعيد في ريف دمشق أن الرسوم الجمركية ليست العامل الوحيد المؤثر في الأسعار، لافتا إلى أن السوق يتأثر أيضاً بأسعار الصرف وتكاليف الشحن والطلب المحلي والقدرة الشرائية للمستهلكين.
ويؤكد تاجر السيارات لموقع" تلفزيون سوريا" أن استقرار القوانين والإجراءات لا يقل أهمية عن مستوى الرسوم نفسها، لأن عمليات الاستيراد والتعاقد والشحن تحتاج إلى رؤية واضحة ومستقرة تسمح بالتخطيط على المدى المتوسط.
مواطنون: السيارة حلم صعب تحقيقهويرى المواطنون السوريون من ذوي الدخل المحدود أن امتلاك سيارة حديثة بالرغم من التعديلات الجمركية الأخيرة، لا يزال حلما صعب تحقيقه مقارنة بمستوى الدخل الحالي.
يقول أحمد" موظف في القطاع الخاص"، لموقع" تلفزيون سوريا": " إن عدم القدرة الشرائية للمواطنين لا تتعلق فقط بالرسوم الجمركية، بل بالفجوة الكبيرة بين أسعار السيارات ومستويات الأجور".
ويضيف: " حتى لو انخفضت الأسعار بنسبة معينة، فإن شراء سيارة ما زال يحتاج إلى سنوات من الادخار بالنسبة لمعظم العائلات"، مشيرا إلى أن الوضع الحالي لا يسمح حتى بالادخار لذلك السيارة لذوي الدخل المحدود هو هدف صعب تحقيقه ورفاهية بعيدة جدا عن الواقع المعيشي.
بينما يرى عامر" مهندس" أن القرارات الجديدة قد تكون مفيدة على المدى الطويل إذا أسهمت في إدخال سيارات أحدث إلى السوق، مشيرا إلى أنه لا يتوقع أن تنعكس بشكل سريع على أسعار السيارات المستعملة التي يعتمد عليها أصحاب الدخل المحدود.
وأكد عامر على أنه أي تحسن حقيقي في سوق السيارات يجب أن يترافق مع زيادة القدرة الشرائية وتحسن مستويات الدخل.
وأصدر الرئيس السوري أحمد الشرع، المرسوم رقم 109 لعام 2026، المتضمن قانوناً جديداً للجمارك، يحل محل قانوني الجمارك رقم 37 و38 لعام 2006 وتعديلاتهما، مع إلغاء النصوص التشريعية السابقة المخالفة لأحكامه.
ويتألف القانون من 264 مادة موزعة على أبواب متعددة، تنظّم عمل إدارة الجمارك، وآليات الاستيراد والتصدير، والتعرفة الجمركية، والإعفاءات، والمخالفات، وعقوبات التهريب، إضافة إلى صلاحيات الضابطة الجمركية والمحكمة المختصة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك