طرابلس – «القدس العربي»: في وقت تتواصل فيه الجهود الدولية لإخراج ليبيا من حالة الانقسام السياسي والمؤسسي المستمرة منذ سنوات، برزت ملامح تحرك أمريكي جديد يهدف إلى إعادة ترتيب المشهد الداخلي عبر صيغة تجمع بين أبرز مراكز النفوذ في شرق البلاد وغربها، بالتوازي مع دعم المسار الأممي الرامي إلى إجراء الانتخابات.
وبينما تقدم واشنطن هذه المبادرة باعتبارها خطوة انتقالية لتعزيز الاستقرار وتوحيد المؤسسات، أثارت التسريبات المتعلقة بها موجة من الجدل، خاصة مع الحديث عن منح دور قيادي لصدام حفتر، نجل اللواء المتقاعد خليفة حفتر، إلى جانب الإبقاء على رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة في منصبه الحالي، في تصور يرى مراقبون أنه قد يواجه عقبات سياسية معقدة.
وكشف مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس، في تصريحات لصحيفة «فايننشل تايمز»، أن الولايات المتحدة تعمل على توحيد المؤسسات الليبية المتفرقة تحت سلطة واحدة، إلى جانب تشجيع شركات النفط الأمريكية على الاستثمار في ليبيا، في إطار رؤية سياسية واقتصادية تستهدف دعم الاستقرار في البلاد.
وأوضح بولس أن الخطة الأمريكية ستكون «مكملة» لجهود بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا الرامية إلى تنظيم انتخابات برلمانية، مشيرا إلى أن هذه الترتيبات قد تندرج ضمن حلول قصيرة الأجل تمهد للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، سواء البرلمانية أو الرئاسية.
ونقلت الصحيفة عن مصادر مطلعة أن التصور الأمريكي يتضمن تعيين صدام حفتر رئيسا لمجلس تنفيذي رئاسي، مع الإبقاء على رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة في منصبه الحالي، في محاولة لجمع مراكز القوة الرئيسية في الشرق والغرب ضمن هيكل سياسي واحد.
كما أفادت «فايننشل تايمز»، نقلا عن مصادر إيطالية، بأن روما جرى التشاور معها بشأن المقترح الأمريكي، وأبدت دعما مبدئيا له، لكنها اعتبرت أن تطبيقه على الأرض سيكون معقدا نظرا لحساسية التوازنات الداخلية وتشابك المصالح المحلية والإقليمية.
وتأتي هذه التسريبات بعد أشهر من الحراك الذي يقوده مسعد بولس في الملف الليبي، إذ أجرى سلسلة من الاتصالات واللقاءات مع مسؤولين وشخصيات سياسية وعسكرية، شملت رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، إضافة إلى بلقاسم حفتر وصدام حفتر وعدد من الشخصيات الأخرى.
وكان بولس قد أكد في أكثر من مناسبة دعم واشنطن لوحدة ليبيا وضرورة الحفاظ على استقرار قطاع النفط والمؤسسات الاقتصادية، مشددا على أهمية الوصول إلى توافق سياسي يمهد لإجراء انتخابات تنهي المراحل الانتقالية المتعاقبة.
وسبق أن أثارت تحركات المسؤول الأمريكي جدلا داخل الأوساط السياسية الليبية، خصوصا بعد اجتماعاته مع شخصيات من أطراف متنافسة، وسط تساؤلات حول طبيعة الرؤية التي تسعى الولايات المتحدة إلى فرضها، وما إذا كانت تتجه نحو صياغة تسوية تقوم على إشراك القوى الفاعلة الحالية بدلا من الدفع نحو تغيير شامل في بنية السلطة.
ويأتي المقترح الأمريكي الجديد بالتزامن مع انتهاء أعمال الحوار المهيكل الذي رعته بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، والذي أوصى بضرورة تشكيل سلطة تنفيذية موحدة ومحددة المهام والمدة الزمنية، تتولى تهيئة الظروف السياسية والأمنية والمؤسسية اللازمة لإجراء الانتخابات وإنهاء المرحلة الانتقالية.
وأكد المشاركون في مسار الحوكمة ضمن الحوار المهيكل أن استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي يتطلب التوصل إلى إطار دستوري وانتخابي واضح، مع ضرورة توحيد المؤسسات السيادية، وفي مقدمتها المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، واقترحوا تشكيل مجلس رئاسي يضم رئيسا ونائبين، إلى جانب حكومة موحدة محددة الاختصاصات.
كما تتقاطع المبادرة الأمريكية مع التحركات التي تقودها ما يعرف بـ«الطاولة المصغرة» الخاصة بليبيا، والتي تضم الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا، حيث كثفت هذه الدول خلال الأشهر الماضية اجتماعاتها ومشاوراتها بشأن سبل دفع العملية السياسية ومنع انهيار الوضع القائم.
وشددت الدول الأربع في أكثر من مناسبة على أهمية الحفاظ على وحدة المؤسسات الليبية، ودعم جهود الأمم المتحدة، وتهيئة الظروف اللازمة للوصول إلى انتخابات وطنية شاملة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من استمرار الجمود السياسي.
وأعادت التسريبات الأخيرة إلى الواجهة النقاش بشأن مستقبل السلطة التنفيذية في ليبيا، خاصة أن مخرجات الحوار المهيكل تضمنت عدة خيارات لمعالجة الأزمة، من بينها تشكيل حكومة جديدة أو إعادة هيكلة المؤسسات الحالية، وهو ما أثار بدوره تحفظات من بعض المشاركين الذين اعتبروا أن التقرير النهائي لا يعكس جميع الآراء والمقترحات التي طرحت خلال جلسات النقاش.
ويرى متابعون أن المقترح الأمريكي يعكس رغبة واشنطن في إيجاد ترتيبات انتقالية جديدة تضمن الحد الأدنى من الاستقرار، وتمنع انهيار المؤسسات، خصوصا في ظل المخاوف المرتبطة بأمن الطاقة والهجرة غير النظامية والتنافس الدولي المتزايد على الساحة الليبية.
غير أن نجاح أي مبادرة جديدة، حسب مراقبين، سيظل مرتبطا بمدى قدرتها على تحقيق توافق داخلي واسع، وتجاوز حالة الاستقطاب القائمة، فضلا عن قبول الأطراف الليبية المختلفة بأي صيغة جديدة لتقاسم السلطة.
وبينما تؤكد الأمم المتحدة أن الانتخابات تبقى الهدف النهائي للعملية السياسية، تكشف التحركات الأمريكية الأخيرة عن مساع متزايدة لإعادة صياغة المرحلة الانتقالية، في محاولة لتجاوز حالة الجمود التي طبعت المشهد الليبي خلال السنوات الماضية، وسط تساؤلات متزايدة حول مدى قدرة هذه المبادرات على تحقيق اختراق حقيقي في أزمة طال أمدها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك