أنا ابنُ الحروب لا قارئُ أخبارها، عشتُ بين جبالها ووديانها وصحاريها وبحارها، ورأيتُ بأم عيني كيف تُصنع الهزائم وتُسوَّق الانتصارات الوهمية.
لذلك لم أتعلم أن أصفق للصراخ، ولا أن أنخدع بخطب المنتصرين الكاذبة.
خبرتي الطويلة بين الدخان والدم جعلتني أؤمن أن الحقيقة لا تسكن المنصات، بل تظهر عندما يسكت الرصاص ويبدأ الحساب البارد للنتائج.
ليست الحروب هي أكثر ما يلفت انتباه المراقبين المخضرمين، بل اللحظة التي تتوقف فيها.
فإشعال النار قرار يمكن أن يتخذه كثيرون، أما إطفاؤها في اللحظة المناسبة فهو ما يكشف حقيقة الحسابات وموازين القوة وأهداف اللاعبين الكبار.
تابعت كما تابع العالم مسار المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، ولم يكن السؤال الحقيقي بالنسبة إليّ: من أطلق الصاروخ الأول؟ بل: من سيقرر موعد الصاروخ الأخير؟ لأن الطرف الذي يملك حق إنهاء المواجهة غالبًا ما يكون قد حقق الجزء الأكبر مما أراده!من هنا تبدو لحظة التوقف أكثر أهمية من لحظة البداية.
لقد أثبتت الأحداث مرة أخرى أن القوة ليست في القدرة على القتال فقط، بل في القدرة على منع القتال من التحول إلى فوضى لا يمكن السيطرة عليها.
والتاريخ يعلمنا أن الانتصارات المطلقة نادرة وربما مستحيلة، وأن أكثر الحروب تنتهي عندما يقتنع الجميع بأن تكلفة الاستمرار أصبحت أعلى من عائداته.
من هذه الزاوية، يبدو أن الولايات المتحدة نجحت في فرض معادلة الردع وإثبات القدرة على الوصول إلى أهدافها وإظهار تفوقها العسكري والتقني والاستخباراتي.
وفي الوقت ذاته، فإن إيران وجدت نفسها أمام واقع مختلف عن الخطابات التي اعتادت تصديرها لأنصارها لعقود طويلة.
فالشعارات شيء، وميزان القوى الفعلي شيء آخر تمامًا.
لقد أنفقت طهران سنوات طويلة في بناء صورة القوة التي لا تُقهر، لكن الأحداث الأخيرة أظهرت أن الدول لا تُقاس بحجم الشعارات التي ترفعها، بل بحجم ما تستطيع حمايته عندما تتعرض للاختبار الحقيقي.
وهنا ظهرت الفجوة بين الخطاب والواقع بصورة يصعب تجاهلها.
لكن الإنصاف يقتضي القول إن هذه المواجهة كشفت أيضًا حدود القوة العسكرية الإسرائيلية.
فمهما بلغت قدرات إسرائيل العسكرية والتكنولوجية، فإن المنطقة أثبتت مرة أخرى أن الأمن الدائم لا يمكن أن يُبنى على القوة وحدها.
فالردع قد يفرض الصمت مؤقتًا، لكنه لا يصنع الاستقرار بمفرده.
وهذه حقيقة يعرفها كل من درس تاريخ الشرق الأوسط بعيدًا عن الانفعالات والشعارات.
أما ما يلفت الانتباه أكثر فهو أن الدول التي بدت أقل ضجيجًا كانت الأكثر تأثيرًا في لحظة التهدئة.
لقد برز دور السعودية العظمى باعتبارها مركز الثقل السياسي والاقتصادي في المنطقة، ليس عبر التصريحات الصاخبة، بل عبر العمل الهادئ الذي يهدف إلى منع انزلاق المنطقة إلى كارثة شاملة.
فالدول الكبرى لا تُقاس بعدد بياناتها الإعلامية، بل بقدرتها على صناعة التوازن عندما يختل الميزان.
كما لا يمكن تجاهل الدور الذي لعبته باكستان في تخفيف التوتر وفتح قنوات التواصل.
فإسلام آباد تدرك بحكم موقعها وعلاقاتها أن اشتعال المنطقة بالكامل لن يكون في مصلحة أحد، وأن الاستقرار الإقليمي أصبح ضرورة تتجاوز الحسابات التقليدية.
وفي الجانب الآخر من المشهد تقف الصين بوصفها أحد أهم عناصر التوازن الجديدة في النظام الدولي.
فبكين لا تنظر إلى المنطقة باعتبارها ساحة معارك بقدر ما تراها عقدة اقتصادية وتجارية واستراتيجية ترتبط بمصالح تمتد من آسيا إلى أفريقيا وأوروبا.
ولهذا لم يكن مستغربًا أن تتبنى الصين خطابًا يدفع نحو الاستقرار وخفض التصعيد.
إن زيارة ترامب الأخيرة إلى الصين تحمل دلالات تتجاوز الصور والبروتوكولات واللقاءات الرسمية.
فالسياسة الحقيقية لا تُقرأ من البيانات فقط، بل من توقيت الزيارات وطبيعة الرسائل التي تحملها.
وحين يجلس قادة القوى الكبرى إلى طاولة الحوار في أوقات التوتر، فإن ذلك يعني أن الجميع يدرك حجم المخاطر التي قد تنشأ إذا تُركت الأزمات لتتوسع بلا ضوابط.
العالم يتغير بسرعة.
وما كان ممكنًا قبل عشرين عامًا لم يعد ممكنًا اليوم.
لم تعد دولة واحدة قادرة على إدارة النظام الدولي بمفردها، كما لم تعد أي قوة إقليمية قادرة على تجاهل مصالح الآخرين.
لقد دخلنا مرحلة جديدة عنوانها التوازن المعقد، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية مع الحسابات الأمنية بصورة غير مسبوقة.
ولهذا أعتقد أن السؤال الصحيح ليس: من انتصر بالكامل؟ لأن الحروب الحديثة لا تمنح انتصارات مطلقة بسهولة.
السؤال الأهم هو: من خرج بأقل الخسائر وبأكبر قدر من تحقيق أهدافه؟في التقييم البارد البعيد عن العواطف، تبدو الولايات المتحدة وقد حققت جزءًا مهمًا من أهدافها الاستراتيجية عبر تأكيد الردع وإظهار القدرة على التحكم بإيقاع التصعيد والتهدئة.
أما إيران فقد وجدت نفسها أمام تحديات داخلية وخارجية تجعل من الصعب تسويق رواية انتصار واضحة لا لبس فيها.
وإسرائيل حققت مكاسب أمنية تكتيكية لكنها تلقت في الوقت نفسه تذكيرًا بأن القوة العسكرية مهما بلغت لا تمنح حصانة مطلقة من المخاطر.
أما الرابح الأكبر على المدى البعيد فقد يكون الاستقرار نفسه، إذا نجحت القوى المؤثرة في تحويل لحظة التوقف إلى بداية مسار مختلف.
فالمنطقة لا تحتاج إلى حرب جديدة بقدر ما تحتاج إلى مشاريع تنمية وابتكار واقتصاد ومعرفة.
الشعوب لا تعيش على أصوات المدافع، بل على فرص العمل والتعليم والأمن والأمل.
ومن موقع المراقب الذي أمضى عقودًا في متابعة الحروب والنزاعات، أقول إن الحكمة الحقيقية لا تظهر عندما تمتلك القدرة على الضغط على الزناد، بل عندما تعرف متى ترفع إصبعك عنه.
لهذا فإن توقيت إيقاف الحرب قد يكون أهم من الحرب نفسها.
ففي عالم يمتلئ بالقادة الذين يعرفون كيف يبدأون المعارك، يبقى القادة الذين يعرفون متى ينهونها أقل عددًا وأكثر تأثيرًا في صناعة التاريخ.
وبين ضجيج الصواريخ وصخب الشعارات يبقى السؤال معلقًا: هل كان وقف الحرب نهاية مواجهة، أم بداية نظام إقليمي ودولي جديد لم تتضح ملامحه بعد؟ الزمن وحده سيجيب، لكن المؤكد أن العالم الذي استيقظ بعد توقف هذه الحرب ليس هو العالم الذي كان قائمًا قبل اندلاعها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك