طهران- خلال يومين فقط عقب توقيع واشنطن وطهران الاتفاق الأولي" إلكترونيا"، دخلت الأسواق الإيرانية أطوارا مختلفة.
وعلى وقع تراجع أسعار الصرف وقفزة مؤشر البورصة، شهدت الأسعار في أسواق أخرى تقلبات ضئيلة، في حين بقيت أسعار السلع الأساسية ثابتة تقريبا.
ولقراءة المشهد من زاوية أقرب إلى الواقع المعيشي في ظل هذه المؤشرات المتضاربة، قام مراسل الجزيرة نت بجولة ميدانية في شوارع طهران، متنقلا بين أسواق الصرافة، والمواد الغذائية والإلكترونيات، كما استمع إلى آراء متعاملين في البورصة، والمستثمرين، والباعة والمستهلكين، ليرصد كيف تنعكس" رياح السلام" على جيوب الإيرانيين، وما إذا كانت هذه الانفراجة ستتحول إلى حياة أفضل أم ستظل مجرد ومضة عابرة في سماء الاقتصاد المتعثّر.
list 1 of 4ماذا ستكسب طهران من فتح موانئها الخمسة بموجب الاتفاق؟list 2 of 4بعد حصار استمر شهرين.
الاقتصاد الإيراني يترقب مكاسب إثر إعادة العمل في الموانئlist 3 of 4كلينتون.
نتنياهو مارس ضغوطا مستمرة على إدارة أوباما لضرب إيرانlist 4 of 4لماذا لن تعود سوق النفط إلى ما قبل حرب إيران؟وفي شارع فردوسي قلب سوق الصرافة وسط طهران، كان المشهد مختلفا تماما عما كان عليه قبل أيام، فعلى واجهات مكاتب الصرافة كانت الأرقام تتغير بسرعة، مسجلة انخفاضا حادا في قيمة العملات الأجنبية وعلى رأسها الدولار الأمريكي الذي سجل تراجعا بقيمة 160 ألف ريال بحلول مساء الثلاثاء.
وأمام أحد مكاتب الصرافة بمركز" التجارة العالمية للمسكوكات والعملة الصعبة" القريب من ساحة فردوسي، يقول أمير (35 عاما) في مقابلة مع الجزيرة نت" منذ صباح يوم الإثنين الماضي والدولار الأمريكي في تراجع مستمر.
لقد أغلقنا الأبواب قبل ساعات فقط من الإعلان الرسمي عن توصل إيران وأمريكا إلى تفاهم -وليس اتفاقا نهائيا- بسعر مليون و800 ألف ريال للدولار الواحد، والآن (عصر الثلاثاء) تراجع السعر إلى مليون و540 ألف ريال للعملة الخضراء، ونتوقع المزيد من الانخفاض.
وأشار أمير إلى أن حجم المبيعات تزايد بشكل لافت مقارنة بالأيام الماضية، لكن المشترين ليسوا كثيرين، لأن الناس يترقبون مزيدا من التعافي للعملة الوطنية.
وأضاف" الجميع ينتظر أن يصل الدولار إلى مليون و400 ألف ريال أو حتى أقل من هذا الرقم، وهذا ما يستبعده السوق في المرحلة الراهنة".
وبالعودة إلى أرقام ما قبل الحرب، يتبيّن أن آخر سعر للدولار في الأسواق الإيرانية قبل اندلاعها كان عند مستوى مليون و685 ألف ريال، ما يظهر تراجعه بوتيرة فاقت تصاعده في ظل التوتر المحتدم الذي سبق القصف الأمريكي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي.
لا تغيير بأسعار السلع الأساسيةوفي السوق ذاته، دخلنا أحد محال البقالة لرصد إن كان تراجع سعر الصرف انعكس على أسعار السلع الأساسية، فكان المشهد مختلفا تماما عن التوقعات؛ حيث نفى رضا (42 عاما – موظف)، في حديثه للجزيرة نت" أي تغيير في الأسعار".
وأضاف رضا" أسعار المواد الغذائية بما فيها الحليب والجبن والزيت والمعلبات وحتى الدقيق كما هي.
يقولون الدولار نزل، لكن سلة مشترياتي اليوم كما كان سعرها الأسبوع الماضي.
هذا يعني أن الاتفاق لم ينزل إلى جيوبنا بعد".
ومن خلف صندوق المحاسبة، يؤكد رامين (55 عاما – صاحب البقالة) كلام الزبون، رضا، في مقابلته مع الجزيرة نت ويقول" منذ يومين لم نرَ أي تغيير في أسعار السلع الأساسية، لا زيادة ولا نقصان.
الحكومة توزع بعض المواد الغذائية، بما في ذلك الخبز بسعر مدعوم، والدولار الحر لا يؤثر فيها مباشرة".
وتابع كريم وهو يشير إلى أحد الرفوف" أما السلع المستوردة، مثل الشامبو ومعجون الأسنان ومنظفات الغسيل، فلم تنخفض أيضا.
الموزعون يقولون إن هذه البضائع اشتروها منذ شهرين بالأسعار السابقة للدولار، فلا يمكنهم بيعها اليوم بسعر الدولار الجديد وإلا خسروا.
الأسعار ستبقى مرتفعة حتى تنفد المخزونات القديمة وتدخل بضائع جديدة بأسعار الصرف المنخفضة".
وعند سؤاله عن توقعاته بانخفاض الأسعار، قال كريم للجزيرة نت" نحتاج إلى أسبوعين على الأقل حتى تصل البضائع الجديدة إلى السوق.
لكن حتى ذلك الحين، المواطن قد يواجه غلاء مضاعفا وفق مؤشرات التضخم وبناء على وتيرة الغلاء السابقة.
سعر الدولار تراجع، لكن الأسعار لم تتراجع.
وهذه هي مفارقة السوق الإيرانية".
وعلى نقيض جمود أسعار السلع الأساسية، كان المشهد في قاعة تداول بورصة طهران، مختلفا هو الآخر، إذ واصل المؤشر العام رحلة الصعود التي بدأها منذ التسريبات الأولى عن اقتراب واشنطن وطهران من الاتفاق.
وكان افتتاح السوق غداة التوقيع الإلكتروني للاتفاق حافلا بالأرقام القياسية، حيث قفز المؤشر 161 ألف نقطة في جلسة واحدة، محطما بذلك الرقم القياسي لدخول السيولة النقدية من المستثمرين الأفراد إلى سوق رأس المال في طهران.
ولم تقتصر المفاجآت على ذلك، بل شهدت الجلسة إقبالا جماهيريا غير مسبوق، حيث ارتدت جميع الأسهم اللون الأخضر واصطفت في طوابير شراء ضخمة.
كما واصلت بورصة طهران تحطيم أرقامها القياسية خلال تداولاتها يوم الثلاثاء، مسجلة صعودا مذهلا بـ112 ألف نقطة أخرى، لتعبر بذلك الحاجز النفسي عند 5 ملايين نقطة، وتستقر عند مستوى 5 ملايين و100 ألف نقطة، في أعلى مستوى تاريخي لها منذ التأسيس.
وعقب جلسة التداول، التقينا سعيد (40 عاما – مستثمر قديم في بورصة طهران)، الذي وصف يوم الثلاثاء بأنه" يوم تاريخي" لأسعار الأسهم، مؤكدا أن المستثمرين يهرعون لشراء أسهم قطاعات الطاقة والبتروكيماويات، متوقعين عودة الصادرات وفتح الأسواق العالمية عقب الاتفاق مع واشنطن.
واستدرك سعيد قائلا" البورصة عادة تتأثر بالشائعات.
سنرى ما سيحدث بعد التوقيع الرسمي وتنفيذ البنود.
لا أريد أن أكرر تجربة الاتفاق النووي لعام 2015، حيث طارت حينها البورصة ثم انهارت بعد الانسحاب الأمريكي".
تغيير المعادلة بسوق العقاراتوفي أحد مراكز بيع الإلكترونيات وسط طهران، يقول رضا (38 عاما -صاحب متجر) للجزيرة نت" مع تراجع الدولار في إيران تراجعت أسعار الأجهزة الكهربائية المستوردة تناسبا مع ارتفاع قيمة العملة الوطنية، لكن لا أحد يشتري الآن، لأن الزبون ينتظر انخفاضا أكبر في سعر العملة الصعبة".
أما في سوق العقارات، فتكشف نسرين (36 عاما – عاملة في أحد مكاتب العقارات شمالي طهران) إنه خلافا للقفزة التي شهدتها أسعار العقارات منذ بدء سريان الهدنة بدأت السوق تتجه نحو الركود جراء تراجع أسعار العملة الصعبة والذهب وحلول محرم، لكنني لا أتوقع انهيارا، بل تصحيحا سعريا قد لا يدوم طويلا.
وتابعت في حديثها للجزيرة نت، أن الكثير من أصحاب العقارات يصرون على أسعارهم القديمة التي كانت سائدة خلال الأشهر القليلة الماضية وكأنهم لم يستوعبوا بعد أن المعادلة تغيرت بسبب الاتفاق، ورغم ذلك فإن المعاملات شبه متوقفة في المرحلة الراهنة.
وعما إذا كانت انفراجة الاتفاق الحالي وتراجع سعر الصرف ستترجم إلى تحسن معيشي ملموس، توجهنا بالسؤال إلى حسين سلاح ورزي الرئيس السابق لغرفة إيران للتجارة والصناعة.
ويرى سلاح ورزي أن" الاتفاق ليس عصا سحرية" تمسح بضربة واحدة كل التشوهات التي تراكمت على مدى سنوات في بنية الاقتصاد الإيراني.
وفي حديثه للجزيرة نت، يوضح سلاح ورزي أن الحرب، وإن كانت قد عمّقت الأزمات وأظهرت هشاشة البنى التحتية، إلا أن جذور المشكلات الاقتصادية كانت راسخة قبل اندلاع المواجهات العسكرية، وبالتالي فإن حلّ هذه المعضلات يحتاج إلى برنامج إصلاحي شامل، وليس مجرد توقيع اتفاق، وذلك لأن استعادة الثقة واستقرار البيئة التجارية هما الشرطان الأساسيان لأي انتعاش حقيقي.
وفي تحليله للانعكاسات الاقتصادية للاتفاق، يرى سلاح ورزي أن صمود الاتفاق، سيكون خبرا جيدا لإيران واقتصادها وفاعليها الاقتصاديين، لأن" الحرب عدوة الاستثمار والإنتاج والتجارة والرفاه العام"، مستدركا أنه" يجب أن ننتبه إلى خطأ تحليلي مهم وهو أن مذكرة السلام وحدها لا تحيي الاقتصاد، وإنهاء المواجهة العسكرية لا يعني بالضرورة بداية ازدهار اقتصادي".
وتابع أنه لدى الحديث عن مرحلة ما بعد الحرب لا ينبغي أن نتوقع معجزات، " ما أمامنا ليس سوى فرصة محدودة وهشة لإعادة تصحيح المسار وإعادة بناء الاقتصاد، وهذه الفرصة قد تضيع سريعا إذا لم تُدرَ بشكل صحيح".
وأكد أن الأولوية القصوى لإنعاش الصناعة والتعدين في إيران هي" استعادة الاستقرار لبيئة الأعمال والإنتاج".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك