داني سترينوبيتش 17/6/2026في المسألة الإيرانية والساحة اللبنانية على حد سواء، يؤدي انعدام التفكير الإستراتيجي وغياب عملية منظمة لاتخاذ القرارات إلى تبني خيارات من دون تدقيق معمق في تداعياتها.
فبدلا من إجراء دراسة منهجية وفهم قيود القوة الإسرائيلية، تُتخذ، مرة تلو أخرى، قرارات تعتمد على الحدس والارتجال والثقة المفرطة بقدرة القوة العسكرية على حل مشكلات سياسية معقدة.
اضافة اعلانوتجسد الساحة اللبنانية هذا الواقع أكثر من أي شيء آخر.
فقد كان واضحا منذ مرحلة مبكرة أن الولايات المتحدة تتجه نحو إبرام اتفاق مع إيران، وأن مثل هذا الاتفاق سيشمل الساحة اللبنانية أيضا.
وفي ظل هذا الواقع، كان من الممكن توقع أن تعمل إسرائيل مسبقا على استثمار التطورات لصالح الجهات المعتدلة في لبنان، وعلى رأسها الحكومة اللبنانية التي تسعى إلى إضعاف حزب الله.
لكن ما حدث عمليا كان العكس تماما.
فبدلا من منح الحكومة اللبنانية إنجازات تعزز مكانتها وتمكنها من تقديم نفسها بوصفها بديلا لحزب الله، أدارت إسرائيل الأحداث بطريقة عززت الادعاء بأن إيران وحزب الله وحدهما القادران على فرض وقف إطلاق النار.
وهكذا، بدلا من استغلال تراجع النفوذ الإيراني لدعم الجهات المعتدلة، أسهم سلوكها في تعزيز مكانة إيران وحزب الله.
وفي السياق الإيراني أيضا، يصعب تجاهل سلسلة من الفرضيات الأساسية التي تبين أنها بعيدة عن الواقع.
فالافتراض القائل بضعف الساحة الإيرانية، وإمكانية إحداث تغيير في النظام من خلال استخدام القوة العسكرية والاعتماد على جماعات المعارضة وقوى الأقليات، بدا أقرب إلى الأمنية منه إلى التقدير المستند إلى معطيات راسخة، إذ استند بدرجة كبيرة إلى الغرور والأمل، لا إلى دراسة معمقة.
ولعل ذلك ليس مستغربا؛ ففي إسرائيل اليوم يكاد لا يوجد جهاز مؤسسي تتمثل مهمته في طرح علامات استفهام أمام المستوى السياسي.
فقد تحول المجلس الوزاري المصغر (الكابينت) في كثير من الحالات إلى جهة تصادق على القرارات فحسب، فيما تجد هيئة الأمن القومي صعوبة في أداء دورها، ويتجنب جهاز الأمن الظهور بمظهر المعطل لقرارات المستوى السياسي، بينما باتت وزارة الخارجية أضعف من أن تؤثر فعليا في عملية صنع القرار.
وإذا كان يئير داغان وغابي أشكنازي قد وضعا، قبل نحو خمسة عشر عاما، حواجز أمام خطوات اعتبراها شديدة الخطورة، فإن المشهد اليوم انقلب رأسا على عقب.
إن ضعف المنظومات الاستشارية، وتزايد هيمنة رئيس الوزراء على عملية اتخاذ القرار، أوجدا فجوة خطيرة.
ويضاف إلى ذلك تنامي الخوف في مختلف المستويات من التعبير عن مواقف تتعارض مع تصورات القيادات العسكرية أو المستوى السياسي الرفيع، ما أدى إلى تآكل النقد الداخلي وتراجع القدرة على إجراء نقاش إستراتيجي حقيقي.
وهكذا، ورغم أن حملة" الأسد الصاعد" كانت بعيدة عن تحقيق الأهداف التي عُرضت على الجمهور، فإن أصوات النقد داخل المنظومة كادت تكون غائبة.
وحتى عندما بدا واضحا أن الفرضيات الأساسية إشكالية، وأن جزءا من الإستراتيجية يقوم على فهم جزئي للخصم الإيراني، لم تكن هناك جهة تتمتع بمكانة كافية لوقف المسار أو التحذير منه أو فرض نقاش استراتيجي جاد.
وفي ظل إحاطة صاحب القرار المركزي بأشخاص يدينون له بمناصبهم أو بولائهم، يصبح من الصعب توقع نقاش نقدي حقيقي.
لقد تآكل الردع الإسرائيلي إلى حد كبير عندما تمكنت إيران من الصمود في المواجهة، وإعادة بناء مكانتها، بل والحصول على تسهيلات اقتصادية.
وبالتوازي، تضررت شرعية إسرائيل في واشنطن، ونشأت توترات إضافية مع إدارة كانت شريكا رئيسيا طوال الطريق.
وهذه أضرار إستراتيجية بعيدة المدى كان من الممكن، على الأقل، مناقشتها قبل بدء المواجهة، وبالتأكيد أثناء سيرها.
كما أن المحاولة الإسرائيلية للتشكيك في الاتفاق الآخذ بالتبلور، والتسبب بمواجهة مباشرة مع البيت الأبيض، تبدو فاقدة للجدوى الإستراتيجية.
ومن الصعب عدم تكوين انطباع بأن هذه السياسة وُلدت داخل دائرة ضيقة جدا من صناع القرار، من دون إجراء نقاش حقيقي حول البدائل أو الكلف التي تنطوي عليها.
وفي المحصلة، تحولت دولة إسرائيل إلى دولة تُتخذ فيها أحيانا قرارات استراتيجية ثقيلة الوزن من دون مسار مؤسسي منظم، ومن دون دراسة كافية أو نقد داخلي حقيقي.
ومن الصعب تفسير الفجوة الكبيرة بين الإنجازات العملياتية اللافتة والنتائج الاستراتيجية المخيبة للآمال بغير ذلك.
وهذه الفجوة تستوجب استخلاصا عميقا للدروس، وإعادة بناء آليات اتخاذ القرار، لتكون هذه المهمة، على الأقل بالنسبة إلى الحكومة المقبلة، إحدى أولوياتها الأساسية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك