تلقيت قبل أيام اتصالاً هاتفياً يحمل في طياته كمًا هائلاً من الوجع والصدمة، اتصالاً لخص في دقائق معدودة أزمة مجتمعية وأخلاقية نعيش فصولها خلف الأبواب المغلقة.
على الجانب الآخر من الهاتف، كانت زوجة مكلومة تتحدث بنبرة يكسوها الذهول، تسألني والدموع تخنق كلماتها" زوجي يريد تطليقى لأننى رفضت أن يشاركنى في راتبى الشخصي! ".
في البداية، حاولت أن أتدخل بمنطق الحكمة والصلح، سألتها مستفسرةً" وما المانع في التعاون؟ ربما تكون الظروف المعيشية ضاغطة، ودخله لا يكفى متطلبات الحياة، ومساندة الزوج في الأزمات شيمة الزوجات الصالحات"، لكن الإجابة جاءت كالصاعقة لتنسف هذا المنطق من جذوره، فالزوج لم يكن يعاني عوزاً، بل إن دخله" ممتاز" بشهادتها، والمفاجأة الأكبر أنه وضع شرطاً واحداً للتراجع عن قرار الطلاق وهدم الأسرة" أن تتنازل له عن نصف راتبها شهرياً! ".
توقفت مذهولة، وألجمت الصدمة لساني، ولم أجد جواباً يداوى جرح هذه السيدة.
وجه الغرابة في هذه المأساة لا يكمن فقط في الجشع المادي أو الأنانية، بل في" هوية" هذا الزوج ومكانته، فى المجتمع، التى ربما ينخدع فيها كثيرون.
ولم تقف المفارقة عند هوية الزوج المساوم، بل تمتد إلى عمله اليومي، فالرجل يعمل خلف الكواليس بإحدى القنوات الدينية الشهيرة، ملاصقاً لأحد المشايخ البارزين والمعروفين، ويشارك فى ملف جمع التبرعات لمساعدة الفقراء والمحتاجين.
أمام هذا المشهد السريالي، نقف وجهاً لوجه أمام معضلة" انفصام الشخصية الأخلاقية".
كيف يستقيم في عقل رجل واحد أن يبر والديه بأعلى درجات السخاء، وأن يقضي يومه في جمع التبرعات وسد حاجة المعوزين والفقراء، بينما يمارس" الابتزاز المادى" ضد شريكة حياته؟ كيف لمن يرق قلبه لحال المحتاجين فى عمله، أن يقسو على زوجته فى بيته ويخيرها بين سلب شقاء عمرها أو هدم الاستقرار الأسرى؟إن مأساة هذه الزوجة تفتح ملفاً شائكاً حول استغلال بعض الأزواج لزوجاتهم، فالشريعة الإسلامية فرضت صراحةً أن ذمة المرأة المالية مستقلة تماماً، وأن راتبها حق خالص لها لا ولاية لأحد عليه، ولا يجوز أخذه إلا بطيب نفس منها، والقوامة تكليف بالإنفاق والرعاية، وليست" عقد إذعان" أو وسيلة للتربح واستغلال سلطة الطلاق لابتزاز الزوجة العاملة.
انتهت المكالمة، ولم أملك للزوجة المصدومة سوى كلمات التهدئة، ونصيحة بألا تتسرع في اتخاذ قرار، مرددةً في نفسي" لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً".
لكن غصة في الحلق بقيت تسأل إذا كان هذا حال من يجمع أموال الخير للناس، فماذا حال عامة البشر؟ !

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك