قبل أن يزور الرئيس دونالد ترمب، يوم الأربعاء 13 أيار 2026، بكين ويُجري تلك المحادثات الصعبة مع رئيسها شي جين بينغ، أعقبتها بعد أسبوع قمة سوفياتية – صينية، مرت شهور صعبة على العالم من حيث اضطراب الأسواق واختصار الإنفاق، خشية أن تتطور المواجهة الأميركية – الإسرائيلية بحيث لا تبقى مجرد جولات صاروخية متبادلة مع إيران، شاملة قواعد أميركية في بعض دول الخليج.
وتلازمت مع أيام من المشاعر الصعبة مخاوف من أن يتطور منسوب التحدي، ويعيش العالم من أقصاه إلى أقصاه احترابات تفرضها التحديات.
وهذا الشعور بالمخاوف بدأ يأخذ مكانه على المستوى الدولي عندما فاجأ الرئيس الصيني العالم بمشهد له أشبه بلوحة كوّنتها ريشة رسام، ويتمثل بجلوسه بزي مدني عبارة عن قميص من دون الكُمّين، محاطًا بكبار جنرالات جيشه، ووراءهم، في ثمانية صفوف منتظمة، قادة الأسلحة على أنواعها.
كانت الصورة التي بثتها الوكالة الصينية" شينخوا" غير مسبوقة عسكريًا بهذه الدقة في ظهور القيادات على أنواعها.
لكن الأكثر لفتًا للانتباه كان كلام الرئيس الصيني في المناسبة، وجاء من نوع" ما قلّ ودلّ"، وفي ثلاث عبارات هي: " دخل العالم حقبة جديدة من الاضطرابات والتغيير، وأصبح الوضع الأمني في بلادنا أكثر اضطرابًا"، و" من الضروري تعميق التخطيط للحرب والقتال، والتركيز على التدريب العسكري للقتال الفعلي، وتسريع تحسين قدرتنا على الانتصار".
أما الثالثة، والتي كانت أشبه بصاعقة تتأثر منها دول العالم وليس الصين فقط، فكانت: " على الجيش أن يرفع قدرة قادة اللجان الحزبية على الاستعداد للحرب والمعركة.
".
في القراءة المتأنية للعبارات التي أوردها الرئيس الصيني في كلمته، يتضح أن خشيته من مفاجأة خطف تايوان من الوطن الأكبر قد تحدث، كأن تكرر إدارة الرئيس ترمب المغامرة التي أقدمت عليها وانتهت باختطاف رئيس فنزويلا مادورو وزوجته واقتيادهما مكبّلي الأيدي إلى السجن في نيويورك.
وبالنسبة إلى تايوان، فإن ما يخشاه الرئيس الصيني هو اختطافها بالكامل، بمعنى أن تحتل قوات أميركية الجزيرة.
وفي هذه الحال، فإن الصين الأم، التي لا تتحمل فقدان" ابنتها الضالة"، تبادر إلى الحرب، ولديها من أنواع السلاح ما لدى الإدارة الترمبية.
واستنادًا إلى ما قاله الرئيس الصيني في كلمته لجنرالات الجيش، فإن المواجهة، في حال حدوث ذلك، ستتطور وستصبح مياه بحر الصين حمراء من كثرة الدم الذي سيراق.
قبل أن يزور ترمب الصين يوم الأربعاء 13 أيار 2026، كان يتوقع استقبالًا رسميًا مثل ذلك الاستقبال الذي لقيه من الملك شارل عندما زار بريطانيا، فيما لا يزال يرفع مستوى التحدي الحربي لإيران، وافترض أن بعضًا من الكلام الودي الذي قاله، مثل" إن شي جين بينغ قائد ذو مكانة استثنائية"، سيضفي المزيد من التكريم الصيني له، فضلًا عن تعزيز وجود الشركات الأميركية في الصين وإنشاء" مجلس تجارة" يعالج الخلافات عند نشوئها.
وهذا يفسر اصطحاب ترمب معه، في زيارته التي هي الأولى لرئيس أميركي منذ العام 2017، مجموعة من المسؤولين التنفيذيين، وفي تصوّره أن الرئيس الصيني سيقرأ النوايا على النحو المطلوب.
ما حدث أن الاستقبال لم يأتِ على ما يتمناه ترمب، حيث اقتصر، لدى وصوله ثم عند التوجه إلى قصر الحُكم الصيني، على جمع من الفتية والفتيات الشابات، يهتفون باللغة الصينية، رافعين الأعلام، مهللين ومبتسمين، وكأنما ينفذون بدقة تعليمات البروتوكول لهم.
وهذا حدث لدى وصوله، ولا بد أنه تسبب بصدمة، كون الذي استقبله في المطار لم يكن الرئيس الصيني، الذي اكتفى باستقباله على مدخل قصر الحكم قبل أن تبدأ المحادثات، ويسمع الرئيس ترمب عبارات من الرئيس الصيني غير التي توقع سماعها.
اللافت أكثر من ذلك أن دفء الترحيب الذي لم ينله ترمب من رئيس الصين ناله الرئيس فلاديمير بوتين، الذي زار بكين يوم الأربعاء 21 أيار 2026، بعد أسبوع من زيارة ترمب، ومصادفة أنها، كما زيارة ترمب، حدثت يوم الأربعاء أيضًا.
أما كيف جاءت ملامح الترحيب، فمن خلال بيان مشترك كانت بعض عباراته واضحة لجهة القول للرئيس ترمب ما معناه: من الأفضل أن تعيد النظر في تحدياتك وتعديل أسلوب الانفراد، من دون أخذ مصالح الدول والشعوب، في الخيار الحربي في منطقة الشرق الأوسط، كي لا تصل التطورات إلى حرب دولية شاملة.
ومن العبارات التي يضع شعوب العالم وحكامه خطوطًا باللون الأحمر الفاقع تحتها ما جاء في البيان الصيني – الروسي، وبالتحديد: " إن الوضع العالمي يزداد تعقيدًا، وأجندة السلام والتنمية تواجه مخاطر وتحديات جديدة.
وهناك خطر يتمثل في تفكك المجتمع الدولي والعودة إلى شريعة الغاب.
".
وتحاشيًا منهما لرفع منسوب التحدي، فإنهما صاغا بكثير من التأني عبارة في بيانهما المشترك جاءت على النحو الآتي: " إن محاولات بعض الدول، وطبعًا الولايات المتحدة وليست سويسرا مثلًا، إدارة الشؤون العالمية بشكل أحادي وفرض مصالحها على العالم بأسره، والحد من التنمية السيادية للدول الأخرى بروح الحقبة الاستعمارية، قد باءت بالفشل.
".
وتلك العبارات ينطبق عليها التعبير الشعري: " إن اللبيب من الإشارة يفهم".
هنا نرى بصمة للموقف الصيني – الروسي، التقى عندها الجانبان الأميركي والإيراني على ضرورة التوصل إلى تسوية يرتاح لها الخصمان اللدودان، ولا تندرج على نحو ما كانت خطة ترمب – نتنياهو، المنطبق عليها القول الشعري: " يرضى القتيل وليس يرضى القاتل"، أي تخضع إيران للأمر الواقع الترمبي – البنياميني، ويُسدل الستار على أكثر الحروب بشاعة.
وهنا يسهل تفسير ما قاله الرئيس الصيني من قبل زيارة ترمب ثم بوتين، وبالذات مخاطبة جيش الصين: " على الجيش أن يرفع قدرة قادة اللجان الحزبية على الاستعداد للحرب والمعركة.
".
ما يمكن استخلاصه من طبيعة التطورات التي حدثت على مدى ثلاث سنوات في منطقة الشرق الأوسط أن إرادة الحرب عامل ذاتي لا علاقة للشعوب بها، وأن ما انتهت إليه الحرب الأميركية – البنيامينية ضد إيران لم تكتسب الإرادة الشعبية، ذلك أن الشكوى شعبيًا منها كانت واضحة، بدليل أنها استمرت حرب النظام غير المغطى بالمساندة الشعبية.
ومن أجل ذلك، فإن الشعوب المتأثرة بتلك الحرب في انتظار من يعوّضها بضعة أشهر من الخوف، وتحول الأحلام إلى كوابيس، وضيق العيش بدل الفرح، وإعادة بناء ما تم تدميره، والقول بعد الآن: وداعًا للحروب التي تتسم بعدم التبصر وشموخ الذات على حساب مصلحة الوطن.
وهذا مأمول حدوثه من بوتين وحربه المستمرة مع أوكرانيا، لأن من ينصح ويحذر، كما حدث بالتنسيق مع حليفه الصيني، مطالب بأن ينهي حربًا مع أوكرانيا هي، في بعض دواعيها، توأم حرب ترمب – نتنياهو ضد إيران.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك