تحوّلت القسيسة السويدية بيرجيتا إد (58 عاماً)، زوجة رئيس الحكومة السويدي أولف كريسترسون، إلى محور جدل سياسي وإعلامي واسع بعد فتح هيئة الرقابة التابعة لكنيسة السويد تحقيقاً في سلوكها المهني والأخلاقي، على خلفية اتهامات تتعلق باستقطاب متطوعين للعمل في مؤسسة خيرية شاركت في تأسيسها، مقابل ما وُصف بإتاحة الوصول إلى" شبكات علاقات مؤثرة" وشخصيات نافذة في المجتمع والسياسة السويدية.
وانفجرت القضية بعدما كشفت صحيفة" أفتون بلادت" أنّ بيرجيتا إد لعبت دوراً محورياً في أنشطة مؤسسة" فولكوناستيفيلسن" (صندوق فولكونا)، التي تعمل من مقرّ ريفي فاخر وتعتمد على متطوعين لأعمال الصيانة والترميم وجمع التبرعات.
وبحسب ما أوردته تحقيقات الصحيفة، أمس الأربعاء، جرى ترويج العمل التطوعي بوصفه فرصة للانضمام إلى" شبكة علاقات جيدة"، فيما كانت اجتماعات مجلس إدارة المؤسسة تُعقد بصورة متكررة في المقر الرسمي لرئيس الحكومة في استوكهولم.
وأثارت هذه المعطيات تساؤلات حول احتمال استغلال المكانة العامة لزوجة رئيس الحكومة، وما إذا كان الوصول إلى دوائر القرار السياسي قد استُخدم حافزاً غير مباشر لاستقطاب متطوعين ومتبرعين.
كما أشارت تقارير إعلامية إلى أن بعض المشاركين في أنشطة المؤسسة شغلوا لاحقاً مناصب حكومية رفيعة، ما عزز الجدل بشأن تضارب المصالح، رغم غياب دليل على علاقة مباشرة بين التطوع وتلك التعيينات.
وقالت المحامية لوتا ليند، من أبرشية سترينغنس، لقناة" SVT"، إنّ الهيئة الكنسية تلقت نحو عشرة بلاغات تطالب بالتحقيق في مدى توافق تصرفات بيرجيتا إد مع الالتزامات الأخلاقية للكهنوت، خصوصاً ما يتعلق بالحفاظ على ثقة الجمهور ونزاهة المؤسسة الدينية.
وتتوسع الاتهامات لتشمل استخدام علاقات داخل الكنيسة السويدية للحصول على تبرعات أو خدمات مجانية أو مخفضة لصالح المؤسسة، بما في ذلك دعم تقني وخدمات تنظيمية، وسط تحذيرات من مخاطر تضارب المصالح وتداخل النفوذ بين الكنيسة والدوائر السياسية.
وبسبب هذه المزاعم، تلقى إقليم سترينغنس جنوب شرقي السويد عدداً من الشكاوى الرسمية، ما دفع الهيئة الكنسية المختصة إلى فتح تحقيق قد يستغرق عدة أشهر قبل صدور قرار نهائي.
كما واجهت بيرجيتا إد انتقادات سابقة تتعلق بظهورها بزيها الكهنوتي خلال قمم حلف شمال الأطلسي" الناتو" ومناسبات رسمية، إذ اعتبر منتقدون ذلك خلطاً بين موقعها الديني ودورها بوصفها زوجة رئيس الحكومة، فيما دافع آخرون عن حقها في التعبير عن هويتها الدينية.
ولا يقتصر الجدل على ملف المتطوعين، إذ طاولتها أيضاً مزاعم بشأن الاستفادة من علاقات كنسية في الحصول على تبرعات وخدمات مخفضة، إضافة إلى تساؤلات حول تلقيها مقابلاً مالياً من المؤسسة رغم اعتمادها على متطوعين.
وفي حال انتهى التحقيق إلى ثبوت مخالفات، فقد تواجه بيرجيتا إد عقوبات تبدأ بالتوبيخ وتصل إلى المراقبة التأديبية أو حتى سحب حقها في ممارسة الكهنوت، وهو أقصى إجراء يمكن أن تتخذه الكنيسة.
ورغم أن رئيس الحكومة ينفي أي صلة له بإدارة المؤسسة، مؤكداً أنه لم يقم إلّا بأعمال تطوعية محدودة، بدأت القضية تلقي بظلالها على المشهد السياسي قبل الانتخابات العامة المقبلة في سبتمبر/ أيلول المقبل.
ويرى معلقون أن الإشكال لا يتعلق بإثبات فساد مباشر بقدر ما يتعلق بتآكل الثقة العامة عند نشوء شبهات استخدام النفوذ السياسي أو المقر الرسمي لرئيس الحكومة في بناء شبكات مصالح خاصة.
ويتعامل المجتمع السويدي بصرامة مع شبهات استغلال المنصب العام.
فالثقافة السياسية هناك لا تكتفي بوجود أدلة جنائية، بل تمتد إلى مساءلة أي تضارب محتمل في المصالح أو خلل في المعايير الأخلاقية.
وغالباً ما تكفي الضغوط الإعلامية وتراجع الثقة العامة لإجبار مسؤولين على الاستقالة قبل صدور أي حكم قضائي.
وتعيد القضية الحالية إلى الذاكرة السويدية نماذج سابقة من الاستقالات السريعة لمسؤولين بسبب مخالفات محدودة.
فقد استقالت مونا ساهلين عام 1995 بعد ما عُرف إعلامياً بـ" قضية توبرون"، حين استخدمت بطاقة حكومية في مشتريات خاصة قبل أن تسدد المبالغ لاحقاً، رغم أنها شغلت لاحقاً مناصب رفيعة، بينها نائبة رئيس الحكومة ووزيرة المساواة ووزيرة شؤون الديمقراطية والدمج.
كما استقالت وزيرة الثقافة سيسيليا ستيغو شيلو عام 2006 بعد الكشف عن عدم دفع رسوم البث التلفزيوني لسنوات، بينما غادرت وزيرة التجارة الخارجية ماريا بوريليوس منصبها في العام نفسه بعد جدل حول التزامات ضريبية وخدمات منزلية لم تُصرّح بالشكل الصحيح.
ويعكس هذا النمط سمة راسخة في الحياة السياسية السويدية، حيث تمتد المساءلة من الجرائم الكبرى إلى الشبهات المرتبطة بتضارب المصالح أو ضعف الالتزام الدقيق بالقواعد الإدارية والمالية.
وفي كثير من الحالات، يكون كافياً أن تتراجع الثقة العامة حتى من دون إدانة قضائية.
وفي هذا السياق، تصبح القضايا التي تمس زوجة رئيس الحكومة أو الدائرة القريبة من السلطة أكثر حساسية، لأن معيار النزاهة في السياسة السويدية لا يقوم فقط على الفعل، بل أيضاً على غياب أي شبهة قد تهدد الثقة بالمؤسسات.
وتعكس هذه الوقائع ثقافة سياسية ترى أن مجرد الاشتباه بتضارب المصالح يمكن أن يتحول إلى أزمة عامة، حتى من دون إثبات مخالفات جنائية.
ولهذا تحظى قضية بيرجيتا إد باهتمام واسع، ليس فقط بسبب موقعها الديني، بل لأنها تمس مركز السلطة السياسية مباشرة.
وحتى الآن، تبقى الاتهامات في إطار مزاعم قيد التحقيق، من دون أي إدانة قضائية أو كنسية.
لكن القضية تعيد طرح سؤال أوسع حول الحدود الفاصلة بين النفوذ العام والمصالح الخاصة، وحول مدى قدرة الثقة العامة على الصمود أمام الشبهات في الحياة السياسية السويدية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك