قناة الجزيرة مباشر - تعادل التشيك وجنوب إفريقيا يعيدهما لأجواء المونديال رويترز العربية - نظرة فاحصة-مقارنة بين اتفاقي ترامب وأوباما مع إيران الجزيرة نت - "مقبرة حيتان" ضخمة في أعماق المحيط الهندي تكشف عالما مفقودا رويترز العربية - فانس محذرا منتقدي الاتفاق في إسرائيل القدس العربي - السودان.. دعوة أممية لتحرك عاجل لمنع تصعيد عسكري بالأبيض الجزيرة نت - مجلس الذهب العالمي: قيمة عمليات التهريب تفوق 120 مليار دولار سنويا رويترز العربية - ناقلات نفط تعبر مضيق هرمز بعد اتفاق أمريكا وإيران العربية نت - سفير إسرائيل في واشنطن: ملتزمون بوقف النار وسنرد على أي تهديد الجزيرة نت - قبل مواجهة هايتي.. المنتخب البرازيلي يحسم الجدل حول مشاركة نيمار DW عربية - في نقد نادر.. نواب جمهوريون يهاجمون اتفاق ترامب مع إيران
عامة

لا لتديين السياسة… صرخة واحدة لا صرختان

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 ساعة

عندما قرأت، قبل مدة، كتاب «أيامي مع جورج طرابيشي – اللحظة الآتية»، تحيّنت فرصة للعودة إليه من باب الافتتان بما كتبته زوجته الأديبة هنرييت عبودي، عن حياة هذا المفكر الناقد، المميز، خاصة فيما يرتبط بما ...

عندما قرأت، قبل مدة، كتاب «أيامي مع جورج طرابيشي – اللحظة الآتية»، تحيّنت فرصة للعودة إليه من باب الافتتان بما كتبته زوجته الأديبة هنرييت عبودي، عن حياة هذا المفكر الناقد، المميز، خاصة فيما يرتبط بما سببه له الاسم جورج وكونه مواطنا عربيا سوريا مسيحيا، خاض، منذ فترة شبابه، في مطلع خمسينيات القرن الماضي، تجارب ومعارك وسجالات فريدة ومثيرة في شؤون الأمة والعروبة والفكر، وكان أشهرها مشروعه الموسوعي تحت عنوان عريض «نقد نقد العقل العربي» وهو سجاله الفكري مع المفكر محمد عابد الجابري صاحب المشروع الفكري «نقد العقل العربي».

أعود الى الكتاب لأقرأ كيف فقد جورج طرابيشي إيمانه بالعروبة بعد هزيمة يونيو 1967 والردة التي حلت بالعرب، وبدأ يؤمن بأن «الدين حلّ محل القومية».

وبعدما تفجرت أحداث «الربيع العربي» في الدول العربية لإسقاط الأنظمة التزم الصمت بعد أن قال: «سوف نزغرد فرحا ساعة سقوطها، ونذرف الدمع على ما سيحل مكانها».

مرت السنون ورحل جورج طرابيشي عام 2016 في فرنسا.

بكى العرب ربيعهم وبكينا نحن في فلسطين جميع فصول السنة، ومضينا نفتش عن عقل سويّ يدلنا إلى درب النجاة.

تذكرت طرابيشي حين طلعت علينا في الآونة الأخيرة بعض الأصوات التي تدعو المواطنين العرب المسيحيين في إسرائيل، إلى إقامة حزب مسيحي يخوض الانتخابات المقبلة للكنيست؛ وحجة أولئك أن من واجبهم أن يصنعوا مستقبلهم بأنفسهم، وأن يدافعوا عن مصالح المسيحيين، لاسيّما «أنّ الرب وهب البشر عقلا وحكمة كي يتصرفوا بمسؤولية ازاء حاضرهم وإزاء مستقبل أولادهم»، كما نُشر عنهم مؤخرا.

ليست هذه المرة الأولى التي أُطلقَت فيها مثل هذه الدعوات الانعزالية؛ فكلما راحت الأزمات تشتد داخل مجتمعاتنا المحلية، أو كلما وقفنا على مفترق من التحدّيات التي تنذر بالأسوأ وبانعدام الحيلة وانسداد دروب المواجهة أو الخلاص، كانت هذه الأصوات تندفع لتنادي تارة بضرورة تجنيد الشباب العربي المسيحي لجيش الاحتلال الإسرائيلي، وتارة بضرورة إقامة حزب مسيحي؛ فالانضمام للجيش، ادّعي هؤلاء، يشكّل ضمانة لحماية وجود المواطنين العرب المسيحيين في إسرائيل، وإقامة الحزب المسيحي يكفل لهم تمثيلا آمنا ومجزيا داخل الكنيست.

كلا الادعائين باطل، وسوف يرفضهما الناس كما رفضوا جميع المحاولات الشبيهة السابقة وما أكثرها؛ فتاريخ المواطنين العرب في إسرائيل، منذ النكبة وحتى أيامنا هذه، حافل بمحاولات متكررة لسلخ المواطنين العرب المسيحيين عن هويتهم الفلسطينية وزجّهم تحت عباءات طائفية وعمامات ملّية، من شأنها أن تبقيهم خارج معادلات الانتماء الصحيحة، كأبناء شعب واحد، يواجهون ما يواجهه باقي أجزاء هذا الشعب داخل إسرائيل وخارجها.

اعتمدت السلطات منذ اليوم الأول لقيام إسرائيل سياسة التشظية الدينية، وسخّرت، في سبيل إنجاح هذه السياسة وتكريسها، جملة من الأساليب الترغيبية والترهيبية، والوسائل والآليات، القانونية والإدارية، ومن ضمنها الاستعانة ببعض أعوان السلطة العرب المسيحيين، الذين قبلوا، مندفعين وراء أحلامهم أو أوهامهم أو مصالحهم الضيقة، القيام بمهمة الترويج لهذه السياسة، وزرع أسافين الفتن الطائفية، ونشر مبدأ «فرّق تسد».

لقد حفظت الذاكرة، رغم أعدادهم الكثيرة، أسماء أولئك «المسيحيين الطيّبين» وسجّل التاريخ فشل محاولات المؤسسة الحاكمة البائسة، وأسقط، في الوقت نفسه، أسماء جميع أولئك المتعاونين أو الحالمين، من سجلاته الخالدة.

لست بصدد تنقيح أسباب فشل الداعين الى الانعزالية المسيحية في مواقعنا، وفشلهم تاريخيا في شرعنة انخراط الشباب في التجنيد العسكري الطوعي؛ ولكن، سواء اتفقنا حول تلك الأسباب، أم لم نتفق، سيبقى موقف ووعي المواطنين العرب المسيحيين وقياداتهم الروحية والاجتماعية والسياسية، هو الأبرز بين هذه العوامل وأهمها، خاصة إذا تذكرنا أن المسيحيين العرب داخل إسرائيل هم أقلية دينية داخل أقلية قومية فيها الأكثرية الدينية مسلمة؛ وهو وضع كان من الممكن أن يسمح للجوء هذه الأقلية إلى حضن الدولة الأم، مثلما لجأ المسيحيون لحضن الدولة في الأردن وفي سوريا مثلا، لو كانت إسرائيل فعلا دولة جميع مواطنيها، لا دولة عنصرية تؤمن مؤسساتها وأكثرية مجتمعها بالفوقية اليهودية، التي تستدني كل من ليسوا يهودا، أكانوا من الأكثرية المسلمة، أم من المسيحيين أم من الدروز.

باعتقادي أن لدعوات الانضمام لحزب مسيحي دوافع مؤسسية طائفية لن تجد استجابة شعبية واسعة بين المواطنين المسيحيين، أو من قبل اكليروسات الكنائس والمؤسسات الشعبية والتمثيلية المسيحية في البلاد.

ولن يدعم هؤلاء أي محاولة لسلخ المسيحيين عن هويتهم الوطنية الأصيلة الراسخة، لصالح تشكيل هوية «المسيحي-الاسرائيلي»، على ما سيعنيه هذا إن حصل.

أقول ذلك وأعرف أن الرهان على المحافظة على الوضع القائم هو ضرب من ضروب المستحيل؛ فنحن، المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، نعيش على أصداء ما يحدث في الدول حولنا، وفي ظروف داخلية متقلبة، ووفق معطيات كثيرة متغيّرة للأسوأ، وعلى أنقاض مسلّمات قد قوّضت.

ويكفي أن أبدأ بالتذكير بأن نسبة العرب المسيحيين داخل إسرائيل قد تناقصت بشكل مفجع وموجع ومخيف، وهو عامل قد يفضي إلى «ذوبان» من سيبقون، في تشكيلات اجتماعية وسياسية «سائلة» وهجينة.

وإذا أضفنا لذلك ضعف دور الأحزاب والحركات الوطنية السياسية التاريخية، والمؤسسات الاجتماعية التقدمية، وانهيار معظم الكوابح الوقائية الاجتماعية، ومنظومة القيم التي سادت وحافظت على لحمة المجتمع وحصانته وزودت أعضاءه بمشاعر الأمن والطمأنينة والكرامة؛ إذا أضفنا كل ذلك، سنفهم لماذا بدأت ظواهر لجوء بعض الشباب للانخراط في عالم الجريمة، أو ضمن مؤسسات الدولة ومقدّمي خدماتها، ومن ضمنها الجيش وأجهزة الشرطة وحرس الحدود، أو على الطرف النقيض، رجوعهم إلى أحضان الدين والعصبية الدينية، مسيحيين ومسلمين على حد سواء.

فهل سيتحقق، ضمن هذه المتغيّرات «كابوس» تكوين المواطن المسيحي-الإسرائيلي، وأمامنا تتداعى بصورة مقلقة تجربة لافتة ومقلقة تقودها الحركة الإسلامية، بقيادة منصور عباس، وترخي ظلالها على مجمل النشاط السياسي داخل المجتمع العربي.

فإذا كان للمواطن المسلم في إسرائيل – يقول لسان حال المواطن القلق أو المسيحي العادي – حق بأن ينتمي الى حركة إسلامية سياسية تسعى لتحقيق مشروعها الإسلامي وتخوض انتخابات الكنيست، ببرنامج يعتمد الذرائعية وسيلة لارتباطها التام بشرايين الدولة الصهيونية وبحبل سرتها، الحكومة العتيدة، فلماذا لا يحق للمواطن المسيحي ذي النوايا السليمة، أن يقيم أو أن ينتمي لحركة مسيحية تسعى لحماية مصالح أتباعها المسيحيين؟لقد سأل صاحب دكان مجاور لبيت جورج طرابيشي الشاب في حلب عن مشاريعه الدراسية، فأوضح له جورج أنه ينوي التخصص في الأدب العربي، فعلق الجار ساخرا «أنت مسيحي؛ فما دخلك باللغة العربية وآدابها؟ » فاستشاط جورج غضبا ومضى ينهل من بحور اللغة وآدابها.

أما محمد عابد الجابري عندما سألوه لماذا لن يرد على ما كتبه جورج طرابيشي، قال «وما علاقة هذا المسيحي وثقافة الإسلام»؟ – روت هنرييت في الكتاب المذكور.

حزن جورج كثيرا ومات متألما من هذه الاجابة «غير اللائقة» إن لم نقل أكثر من ذلك.

فهل يحق لي اليوم أن أتساءل حول أي قضية من قضايا الأمة، أم عليّ أن أكتفي بتسجيل موقفي ضد إقامة حركة أو حزب سياسي مسيحي، وأترك شأن الحركات الإسلامية للمسلمين؟ طبعا لن أرضى، لاسيّما بعد أن صمتت بيننا طلائع اللاطائفيين والعقلاء والمثقفين عن هذه المسألة وتداعياتها، ولم يتخذوا موقفا من قضية إقحام الدين السياسي بين المواطنين العرب أولا، ولا من شرعنة العمل والتعاون مع حركة دينية إسلامية رغم هرولتها للارتماء بحضن حكومة إسرائيل ثانيا.

أقول لا لحزب مسيحي الغاية من ورائه زرع الفرقة والفتنة بين أبناء الشعب الواحد، وأقول لا لشرعنة تديين السياسة، ولا لأي حركة تعمل على تسييس الدين بيننا وتفريقنا وفق هوياتنا الدينية أو الطائفية.

وليبق الطريق طريق الشاعر القروي الذي قال: «سلامٌ على دين يوحّد بيننا.

وأهلا وسهلا بعدَهُ بجهنّمِ»!

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك