مع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي التوليدي، لم تعد أزمة التزييف الرقمي مقتصرة على ظهور صور أو مقاطع فيديو مفبركة من حين إلى آخر، بل باتت تهدد فكرة الصورة نفسها باعتبارها دليلًا على الواقع، والصوت باعتباره علامة على هوية صاحبه.
وأصبح التحدي، وفق خبراء، لا يتعلق فقط بقدرة الجمهور على كشف الخداع، بل بمدى قدرة المختصين على الوصول إلى الحقيقة قبل أن ينتشر المحتوى المزيف ويؤثر في الرأي العام.
وفي قلب هذا التحذير، يقف أستاذ علوم الحاسوب في جامعة كاليفورنيا بيركلي وخبير الأدلة الرقمية وكشف التزييف العميق هاني فريد، الذي قال لصحيفة نيويورك تايمز إنه لم يعد يثق بعينيه، محذرًا من أن أي شخص بات قادرًا على إنتاج فيديو يظهر فيه أي شخص" يفعل أو يقول أي شيء".
وأضاف فريد أن" النظام البصري بأكمله" قد يصبح عديم الفائدة خلال عام أو عامين إذا استمر التطور بالوتيرة الحالية.
وتروي الصحيفة مثالًا على هذه الأزمة من خلال مقطع فيديو وصل إلى فريد، قيل إنه يوثق ضربة صاروخية على مدرسة في إيران.
كان شك فريد الأولي نتيجة طبيعية بعد مشاهدة عشرات المقاطع التي أنتجها الذكاء الاصطناعي، وتضمنت انفجارات وحرائق وحوادث لم تقع فعليًا.
لكن الفيديو لم يقدم مؤشرات واضحة على التزييف، ما دفعه إلى تحليل التفاصيل الدقيقة: حركة الكاميرا، الظلال، توقيت الصوت، موقع التصوير، مسار الصاروخ وسرعته، وحتى حجم الأجسام داخل الصورة.
وبعد ساعات من الفحص ومراجعة خبراء آخرين، خلص فريد إلى عدم وجود دليل مقنع على أن الفيديو مزيف أو تعرض للتلاعب.
التحقق يحتاج وقتًا طويلاًغير أن المشكلة، بحسبه، ظهرت في الوقت الذي استغرقه التحقق؛ ففي حين احتاج الخبراء إلى يوم كامل للوصول إلى نتيجة، كان الفيديو قد انتشر بالفعل وبدأت المواقف والانطباعات تتشكل حوله.
وهنا تكمن المعضلة الأساسية لعصر الذكاء الاصطناعي: الحقيقة تحتاج وقتًا لإثبات نفسها، بينما لا يحتاج التزييف إلا إلى دقائق حتى ينتشر.
وتؤكد دراسات علمية هذه المخاوف.
فقد وجدت دراسة من جامعة فلوريدا، أن البشر يواجهون صعوبة كبيرة في التمييز بين الوجوه الحقيقية وتلك المولدة بالذكاء الاصطناعي، بل إن بعض المشاركين اعتبروا الوجوه المزيفة أكثر واقعية.
ورغم تفوق الخوارزميات في بعض اختبارات كشف الصور، فإن الانتقال إلى الفيديو جعل مهمة التحقق أكثر تعقيدًا، مع تفاوت أداء أدوات الكشف.
التطور يعقد عمليات التحققأما دراسة مشتركة من جامعة نيو ساوث ويلز والجامعة الوطنية الأسترالية، فأشارت إلى خطر آخر يتمثل في الثقة الزائدة لدى المستخدمين بقدرتهم على كشف التزييف.
وبحسب الدراسة، فإن العلامات التقليدية التي اعتاد الناس البحث عنها، مثل التشوهات البصرية أو الأخطاء في التفاصيل، أصبحت أقل ظهورًا مع تطور تقنيات التوليد، لتحل محلها صور تبدو طبيعية ومقنعة إلى حد كبير.
ولا تقتصر الأزمة على الصورة والفيديو، إذ امتدت إلى الصوت أيضًا.
فقد أظهرت دراسة من جامعة كوين ماري في لندن، أن الأصوات المستنسخة بالذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على خداع المستمعين بدرجة كبيرة، باستخدام أدوات متاحة تجاريًا وكمية محدودة من التسجيلات الصوتية.
ويعني ذلك أن سماع صوت شخص مألوف عبر الهاتف لم يعد بالضرورة دليلًا كافيًا على أن المتحدث هو الشخص الحقيقي.
ولا يحمّل فريد المستخدمين وحدهم مسؤولية هذه الفوضى، بل يوجه انتقادات حادة إلى شركات التكنولوجيا الكبرى، قائلًا إن عمالقة التقنية مستعدون للمضي في سباق الذكاء الاصطناعي ولو على حساب المخاطر الاجتماعية.
ووصف ما يحدث بأنه تكنولوجيا يمكن أن تتحول إلى" سلاح ضدنا"، مشيرًا إلى أن التطور يسير بسرعة تفوق قدرة المؤسسات على وضع ضوابط فعالة.
ويرى فريد أن الخطر الأكبر ليس فقط في جودة التزييف، بل في فارق السرعة بين إنتاج الكذبة والتحقق من الحقيقة؛ فخلال دقائق يمكن لمحتوى مزيف أن يصل إلى ملايين الأشخاص، بينما يحتاج الخبراء إلى وقت أطول للتأكد من أصالته.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك