طغى إعلان الاتفاق الأميركي الإيراني على جدول أعمال قمة مجموعة السبع (G7)، ثلاثة أيام في إيفيان الفرنسية تحت عنوان" الاختلالات الاقتصادية العالمية.
" ففي وقت كانت الساحة الدولية تعيش تبادل التهديدات والضربات والتوترات، فرض الملف الإيراني نفسه أولوية مطلقة، متقدّماً على الحرب التجارية والاختلالات الاقتصادية والمواد الخام الحيوية، وهي ملفات خُصّصت أصلاً لتعزيز أدوات الدفاع التجاري ومواجهة الفائض التجاري الصيني الذي يهدّد الصناعات والوظائف الغربية.
حرص الحلفاء على ضمان حضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي وصل إلى القمة معلناً نفسه صانع السلام في الشرق الأوسط، ومؤكّداً أنه أعاد الأمن إلى المنطقة وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة وتدفق النفط.
لكن هذه الصورة بدت بعيدة عن واقع حربٍ كان هو نفسه قد ساهم في إشعالها، فيما لم يتحقّق أيٌّ من الأهداف التي أعلنتها واشنطن، وفي مقدمتها إنهاء الطموحات النووية الإيرانية، وهي ملفات أُرجئت إلى مفاوضات الأشهر المقبلة.
لم يكن أحد يأسف لانتهاء الحرب، بقدر ما كان يخشى تداعياتها على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
وفي المقابل، لم يشتكِ أحد، باستثناء رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وحلفائه المتطرّفين من وقف العمليات العسكرية، بعدما تبيّن حجم الأضرار الاقتصادية والسياسية التي خلّفتها.
جاءت القمة أيضاً اعترافاً باستمرار هذه المؤسّسة الدولية في عالم تتراجع فيه التعدّدية، بينما تحوّلت اجتماعاتها تدريجياً إلى لقاءات روتينية أكثر منها محطات حاسمة.
ومع هذا، بقيت أوروبا ترى الأولوية في إنهاء الحرب الأوكرانية، وتحقيق توازن عسكري مع روسيا، وسط مخاوف من تسوية أميركية– روسية تُفرض على الأوروبيين.
وفي هذا السياق، انتزع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لقاءً مع ترامب، رغم أن الأخير كان يعتبر النزاع غير قابل للحل، فيما تواصل واشنطن تقليص التزاماتها داخل حلف شمال الأطلسي (ناتو).
وسعت باريس إلى استمالة الرئيس الأميركي، بدءاً بتهنئته بعيد ميلاده وتجنّب الملفات الخلافية، وصولاً إلى دعوته إلى عشاء في قصر فرساي، حيث بدا وكأنه يُستقبل كملك تحت أضواء لويس الرابع عشر، في مشهد يعكس أن الهدف الأول بات الحفاظ على ولاء الرئيس الأميركي أكثر من البحث عن توافقات استراتيجية.
الأثر الفعلي يبقى مرهوناً بمدى استعداد دول مجموعة السبع لتحويل الحوار إلى سياسات ملموسة، لا الاكتفاء بخطابات الشراكة والانفتاحمنذ تأسيس المجموعة عام 1975، مثّلت دولها الديمقراطيات الصناعية الكبرى ومنبراً للتنسيق الغربي، إلا أن عودة ترامب منذ 2017 غيّرت الكثير.
فالخلافات داخل المعسكر الغربي اتسعت، سواء بشأن الرسوم الجمركية أو مستقبل منظمة التجارة العالمية أو المناخ والطاقة والديمقراطية.
كما حضر ملف الذكاء الاصطناعي بقوة في نقاشات جمعت سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة" أوبن إيه آي"، وآرثر مينش من" ميسترال إيه آي"، مع القادة حول الفرص والمخاطر المحتملة لهذه التكنولوجيا.
كما تأثرت اقتصادات المجموعة بالحروب في أوكرانيا وغزّة وجنوب لبنان، وبالضربات الأميركية الإسرائيلية على إيران، وما رافقها من تهديد لإمدادات النفط وأمن الملاحة في مضيق هرمز، الأمر الذي انعكس على أسعار الطاقة ومستوى معيشة المواطنين، في وقت تستعد فيه دول أوروبية عدة لاستحقاقات انتخابية قد تعزّز صعود اليمين الشعبوي.
ورغم أن مجموعة السبع لم تعد تمثل الوزن الاقتصادي الذي كانت تتمتّع به مقارنة بمجموعة العشرين، لا تزال تلتقي حول ملفات مثل مكافحة غسل الأموال، والتمويل الدولي، والذكاء الاصطناعي، وحماية الغابات، بينما يبقى الاهتمام العالمي منصباً على تصريحات ترامب أكثر من البيانات الختامية.
حاول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون استيعاب أجندة ترامب من دون القدرة على فرض مبادرات كبرى، في وقت يسعى الغرب إلى إعادة تعريف دوره في عالم لم يعد يهيمن عليه كما في التسعينيات.
ولا تزال الثقة الأوروبية بالرئيس الأميركي محدودة، فيما يبدو السلام في الشرق الأوسط مجرّد هدنة مؤقتة أكثر منه تسوية دائمة.
كما أن مخرجات القمة ستبقى مرهونة بسلوك الدول تجاه الأزمات المقبلة، بعدما أصبحت البيانات الختامية أقرب إلى ممارسة بروتوكولية.
وتجربة قمة كاناناسكيس الكندية العام الماضي خير دليل على محدودية التأثير، مقارنة بالرهانات التي رافقت تأسيس المجموعة عقب انهيار نظام بريتون وودز، وأزمة النفط، وانتشار الأسلحة النووية، وفضيحة ووترغيت، والهزيمة الأميركية في فيتنام، حين أوحى هنري كيسنجر للرئيس جيرالد فورد بفكرة إنشاء هذا التكتل.
تظل مجموعة السبع محتكرة آليات اتخاذ القرارات الأساسية، فيما يُستدعى الآخرون لإضفاء شرعية أوسع على مخرجاتهاوتواصل المجموعة التمسّك بالدبلوماسية والتفاوض باعتبارهما السبيل الأفضل لحل النزاعات، لكنها تواجه اختباراً صعباً مع رؤية ترامب القائمة على" السلام بالقوة".
وفي المقابل، تدفع واشنطن نحو توسيع التعاون في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، فيما يواجه تحديث الاقتصاد العالمي عقبتين أساسيتين: بطء مؤسّسات الاتحاد الأوروبي، وضعف القيادة السياسية في القارة.
فألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة تعاني تحديات اقتصادية وسياسية، فيما تبدو إيطاليا أكثر استقراراً رغم استمرار الضغوط.
ولهذا تجد أوروبا نفسها مطالبة بإعادة تعريف دورها باعتبارها حاملة مبادئ 1945، في وقت تشارك فيه الدول المدعوة، البرازيل والهند وكوريا الجنوبية وكينيا، في مناقشة الاختلالات الاقتصادية العالمية وصعود الصين والهند ومجموعة بريكس.
فيما يعكس حضور بعض قادة الدول العربية ودول الجنوب العالمي اعترافاً متزايداً بأن القضايا الدولية لم تعد قابلة للإدارة ضمن إطار القوى الصناعية الغربية وحدها.
غير أن هذا الحضور يبقى، في أحيانٍ كثيرة، رمزيّاً أكثر منه شراكة حقيقية في صنع القرار، إذ تظل مجموعة السبع محتكرة آليات اتخاذ القرارات الأساسية، فيما يُستدعى الآخرون لإضفاء شرعية أوسع على مخرجاتها.
ورغم محدودية تأثيرهم المباشر على قرارات القمة، تمنح مشاركتهم (ولا سيما دول الخليج العربي) هذه الدول فرصة للدفاع عن مصالحها وبناء توازن أكبر في النظام الدولي.
لكن الأثر الفعلي يبقى مرهوناً بمدى استعداد دول مجموعة السبع لتحويل الحوار إلى سياسات ملموسة، لا الاكتفاء بخطابات الشراكة والانفتاح.
لم يكن متوقعاً أن تنتج القمة حلولاً جذرية، إذ تبقى ملفات الشرق الأوسط والطاقة والصين والأزمات الجيوسياسية مفتوحة، فيما يبدو" مجلس السلام" الذي طرحه ترامب عام 2025 لمنافسة الأمم المتحدة مرشّحاً للنسيان، مع استمرار التصعيد الإسرائيلي وتراجع القضية الفلسطينية إلى موقع إنساني في الخطاب الأوروبي.
فالسلام لم يحل بعد.
إنها مجرّد استراحة فرنسية منعشة والبيان الختامي يقتصرعلى البيانات والمواقف الظرفية بالنظر إلى عدد الالتزامات المعتمدة، ولكن قبل كل شيء إلى طموحها.
من الصعب قياس سهولة تنفيذ القضايا التقنية.
جزء من الالتزامات المتفق عليها سيتعلق بحماية الأطفال على الشاشات.
هذا مفيد.
لكن، إذا كان يمكن لوم إيفيان على شيءٍ ما، فهو عدم وجود وحدة في الملفات الجيوسياسية الكبرى، لذلك يبقى نجاحها محدوداً في" نهائيات" توقيع ترامب على مذكرة التفاهم مع الجانب الإيراني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك