يُصرّح اللسانُ الطويل، يوماً بعد يوم، ويهدّد يوماً بعد يوم، ثمَّ وهو الذي يقابل الصحافيين وتلاحقه كاميرات الفضائيات، ليردَّ على استفساراتهم بشأن الحرب التي شنها على إيران، هو ونتنياهو رئيس حكومة إسرائيل.
مع كل تصريحاته النارية وتهديداته أنه سيمحو الحضارة الإيرانية كما عبّر، فقد دخل في هدنة، لكنه مع صلفه، لا يقول إنه وافق على هدنة أوقفت الحرب ليلتقط، هو وأساطيله وبوارجه، أنفاسهم.
لم يكن حليفه الأول مرتاحاً لتلك الهدنة، فاهتبلها سانحة" لتأديب" قوات حزب الله في لبنان.
كان واضحا أن إدارة ترامب تراجعت عن مواقفها إزاء الحرب التي شنتها على إيران، متحالفة مع حكومة إسرائيل.
في مساعي التوسّط لإيقاف الحرب، كانت لباكستان جهود محمودة، عوّل عليها ترامب، في إدارة تفاوضٍ مضنٍ بين الطرفين المتحاربين، أميركا وإيران، فيما بقي الحليف الإسرائيلي على إصراره لمواصلة الحرب ضد إيران إلى نهاياتها.
لم تكن جولات التفاوض تسير بيسر، وقد تولتها حكومة باكستان.
ما فتئ المسؤولون الباكستانيون في رحلاتهم المكوكية، بين إسلام أباد وطهـران، يراوحون بين العاصمتين، وهناك كبير الإدارة الأميركية منتظر.
لم يكن التفاوض، وهـو غير مباشر، يدور وفـق استراتيجيات التفاوض التقليدية.
لم يكن التفاوض، وهـو غير مباشر، يدور وفـق استراتيجيات التفاوض التقليديةلإيران مسؤول كبير في إسلام أباد يتولى رئاســة التفاوض المُعقد، وزير علاقاتها الخارجية، عباس عـراقجي، فيما لممثلي الإدارة الأميركية وجود في باكسـتان، وتتعدَّد مستويات التمثيل لكلا الجانبين، فيمـا بقيت مداولات ذلك التفاوض محاطة بســرّية نسـبية، ســرعان مـا تُخرَّب بتصريحاتٍ من هـنا وهناك.
يكاد المجتمـع الدولي أن يحبس أنفـاسه، إذ لا يسير التفاوض بين الخصمين اللـدوديـن وفــق تقاليد التفـاوض المعروفة.
للظرف الذي استجدّ بعـد ثورة الاتصالات والرّقـمـيـات والخوارزميات، فإنّ الذكاء الاصطناعي وحده صار كفيلاً بقلب طاولة التفاوض الافتراضية، فيتشعّب شكل التفاوض وأساليبه، فالتشاور يتمّ عبر موقع وآخر، بينهما آلاف الكيلومترات: نهارٌ هنا وليلٌ هناك.
لو تمحورت التعقيدات حول الأمكنة والمواقيت لهان أمرها، لكنها كانت حول من يملك أوراق اللعبة، ومتى يساوم باللين تارة، وبالشدّة تارة أخرى، فلا ينقطع حبل التفاوض، فإن لكلِّ طرفٍ أن يناور بالمراوحة بين الشِّــدة والليـن على النَّحـو نفسه.
لكن سـاحات الإعـلام المكشوفة صارت جزءاً من لعـبة التفاوض.
تتقاطع التصريحات، فما إن يأتي تصريح لمسؤول أميركي حتى يقابله تصريح يناقضه من مسؤول إيراني.
سـاحات الإعـلام المكشوفة صارت جزءاً من لعـبة التفاوضلا يقف التعقيد هنا بين تصريحات تتقاطع، بل ثمَّة لاعبون لهم تأثير لا يبين في ضباب التفاوض الافتراضي.
في طهـران رأس النظام في خفـاء مُربك، فإنْ كان القرار بيده في سـاعة فقد يتحوَّل القرار من يده إلى يد الحـرس الثوري (الباسدران) ذلك الممسـك بالسـلاح.
في واشـنطن، تتقـاطع أصوات الـنــوّاب حول صلاحيات البيت الأبيض، ليختلف حابل ديمقراطيين مع نابل جمهوريين، فيما البـوارج متأهـبة في مضيـق هـرمـز.
ثم يقع خصامٌ خفيٌّ بين الحليفين، ترامب ونتنياهـو.
التوتر بينهما يعلو ويهبط، فيما نتنياهو يواصل حربه ضد حزب الله في لبنان.
من يقنع حكومة تل أبيب وصقور الائتلاف الواقفـين خلف رئيس الحكومـة، مثل سـموتريتش وكــاتس وبن غفــير، غارقون في العبث بلبنان.
يعرفون أنَّ الجائزة الكبرى هي الـتمدّد لابتلاع من يقـف في طريقهـم لتحقـيق أحلامهم التوراتية.
لا يملك رئيـس الوزراء إلا أن يمتثل لرغـبات صقور حكومتـه، فهــو يدرك الثمـن الذي ســيدفـعـه لـو تجـرّأ وعارض محالفيه الصّقور المتحفزين.
هكذا وبعد أربعـة أشـهر، تكاد دوائـر صحافية وإعلامـية أميركية وسـواها تُجمع على أن ترامب ليس بمقدوره أن يخدع أيَّ عاقـل متابع لمجـريات الحرب التي ورّطه فيها حليفـه نتنياهـو، ليدّعـي أنه خـرج منتصراً بعد تلك المغامرة الخاسرة.
يدرك الأخير تمام الإدراك أن أجندته هي غير أجنــدة ترامب، لكـنه آثر مندفعاً ببـراءة الثعـلـب ليجـرَّ الثـور إلى ما يشـبه الهزيمة المنكرة.
لإقـناع ترامب الذي حاصرتــه فضائح إبسـتيـن، وعزوف بعض قيادات حزبه، وبعض كبار رمــوز إدارته وحكـومتـه الرئيسـيــة في وزارة العدل وفي الجيش، وفي مجلـسي الشيوخ والنوّاب، بتساؤلات حول صلاحيات الرئيس في إعلانه الحرب على إيران.
لربما يبدو الوقت مبكّراً للنظر في تداعيات تلك المغامرة الخاسرة، والتي يصرّ صاحبها، على الدوام، أنه خرج منتصراً فيها.
غير أن الانتخابات النصفـية تقترب أيامـها، وهي اختبار حقيقي للشعبية التي حسب أنها مستدامة له، وأنَّ الشعبوية التي راهـن علـيها بشــعاراتٍ جـوفاء، رافـعـاً رايات استعادة العـزّة لأميركا، سقطتْ تماماً من لسانه، ولم يعد يذكرها.
أما جائزة نوبل للسّلام التي ظلّـت تراود أحلامه، فلم يعـُد يذكـرها هي الأخرى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك