لم يكن ما قاله الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، خلال قمة السبع في فرنسا اعتباطياً، حين كشف عن رغبته في أن يكون هناك دور لسورية الجديدة في لبنان.
لم يكن يقصد تأثيراً سياسياً كما كان عليه الحال قبل الخروج السوري من لبنان في عام 2005، بل عن انخراط عسكري لهدف واضح، مواجهة حزب الله والمساعدة على نزع سلاحه.
قال الرئيس الأميركي، وفي مؤتمر صحافي في القمة، إنه اقترح على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن تتولى سورية أمر حزب الله في لبنان، وأشار إلى أنه على قناعة بأن الرئيس السوري أحمد الشرع" سيقوم بعمل أفضل" من إسرائيل التي انتقد أداءها في لبنان، خصوصاً لجهة سقوط ضحايا كثيرين.
ولم يخف ترامب أنه تحدّث فعلياً إلى الشرع في الأمر، لكنه لم يفصح عن رد فعل الرئيس السوري، موضحاً أنه سيتحدّث في هذا الأمر لاحقاً.
استدعت هذه التصريحات الأميركية رفضاً لبنانياً عبّر عنه وزير العدل، عادل نصار، الذي رفض مقترح دونالد ترامب، موضحاً أن نزع سلاح حزب الله" مسؤولية الدولة اللبنانية وليس لقوات أجنبية".
لكن يبدو أن هذا الكلام لا يقنع الإدارة الأميركية، خصوصاً أن وقائع كثيرة أظهرت أن حسابات داخلية كثيرة تكبل عمل الأجهزة الأمنية في المهمّة التي تريد منها واشنطن تنفيذها.
وحتى في حال استمرار المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، والتوصل إلى" التفاهم" الذي تريده الإدارة الأميركية، فإن واشنطن مقتنعة بأن الأدوات التنفيذية المحلية لن تكون قادرةً على ترجمة أيٍّ من بنود التفاهم المزعوم.
ليست فكرة التدخل السوري في لبنان للمساعدة على نزع سلاح حزب الله جديدة.
هي تدور في أروقة الدبلوماسية الغربية منذ انطلاق المواجهة مع إيران، ومع سقوط نظام بشّار الأسد.
وتحظى هذه الفكرة بدعم من بعض الدول الغربية، وحتى بعض العربية، التي ترى أنها الوسيلة الأمثل لتحقيق هدف تجريد الحزب من سلاحه وتقليص تأثيره في الساحة اللبنانية.
لم يكن ترامب يكذب في قوله إنه فاتح الرئيس السوري بالفكرة، لكنه أخفى عدد المرّات التي تحدث معه فيها.
فالمعلومات تفيد بأن ضغوطاً كثيرة مورست، ولا تزال تمارس، على سورية، من الولايات المتحدة وغيرها لتنفيذ هذه الفكرة، لكن الرئيس السوري لا يزال معارضاً لها، مدعوماً أيضاً بدول عربية وإقليمية.
ولكن الضغط لا يبدو أنه سيتوقف، خصوصاً بعد إعلان دونالد ترامب الفكرة رسمياً، وفي محفل دولي كبير (قمة السبع).
وللمفارقة، كانت المعلومات تتحدث عن مشاركة مفترضة للرئيس السوري في هذه القمة، بعدما أفادت مصادر عن تلقيه دعوة من الرئاسة الفرنسية.
وكان من المتوقع أن تستغل واشنطن وعواصم غربية وجود الشرع لإعادة مفاتحته بالأمر، وزيادة الضغط عليه.
لكن الرئيس السوري يبدو أنه اختار ألا يحضر تجنباً لمثل هذا السيناريو.
ويبدو أن الرئيس السوري مدرك بأن ما يريده ترامب سيورط سورية في صراع طويل الأجل، قد يمتد إلى بعض دول المنطقة.
فالتدخل السوري في لبنان لمواجهة حزب الله لن ينظر إليه بأنه أزمة بين دولتين جارتين، بل أنه صراع مذهبي بين السنة والشيعة، وهو سيكون له تداعيات في المحيط العربي، وفي الداخلين السوري واللبناني.
ورغم أن موقف الرئيس السوري من حزب الله معروف، يبقى، إلى الآن، ليس في وارد الدخول في صراع لا نهاية له، خصوصاً أنه لا يزال في مرحلة تثبيت أقدام النظام الجديد ومحاولة إخراج سورية من الأزمات الكثيرة التي تعيشها.
الفكرة الأميركية خطيرة، وتأثيراتها كارثية أكثر من استمرار الحرب الإسرائيلية على لبنان.
وإذا كان ترامب قلقاً على الضحايا الذين يسقطون بفعل الغارات الإسرائيلية، فإن ضحايا الانفلات المذهبي سيكون عددهم أكبر بكثير.
هي فكرة" جهنمية" بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فمن شأنها فتح أبواب الجحيم على كل المنطقة العربية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك