يمثّل توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران تتويجاً لمسار دبلوماسي مُعقّد، شاركت فيه وساطة باكستانية دعمتها وساطة قطرية في الأسابيع القليلة الماضية، ونتج عنه هدنة مؤقّتة في الثامن من إبريل/ نيسان الماضي، بعد ساعات من تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأنّ" حضارة كاملة ستفنى" إذا لم تُعد إيران فتح مضيق هرمز، وبعد أكثر من خمسة أسابيع على هجمات جوية وصاروخية مُتبادلة.
بدأ المسار التفاوضي في مسقط خلال عام 2025، وكانت آخر جولاته في 6 فبراير/ شباط الماضي، ثم في جنيف، لكنه لم يكتمل بسبب تصعيد عسكري بدأته الولايات المتحدة وإسرائيل ضدّ إيران في 28 فبراير/ شباط، وأسفر عن مقتل المُرشد علي خامنئي وعديد من القيادات العسكرية والسياسية الإيرانية، بمن فيهم وزير الدفاع وقائد الحرس الثوري ورئيس أركان الجيش، إضافة إلى مئات الضحايا، ودمار واسع في أنحاء إيران، وأعقب هذا ردّ إيراني واسع طاول إسرائيل ودول الخليج العربي الست والأردن.
ويُعدّ المسار التفاوضي الطويل بين واشنطن وطهران نموذجاً للمقارنة بين أسلوب" التاجر" الأميركي وأسلوب" البازار" الإيراني، وليس في هذا استعارة ثقافية، بل واقع يعتمد على منطقين متصارعين جرى توثيقهما مُسبقاً في كتابين رائجين يمكن الإضاءة عليهما لفهم ما يجري: " فن الصفقة" الذي أصدره ترامب بالتعاون مع الصحافي توني شوارتز في 1987، وكشف فيه كيفية إدارته صفقاته التجارية والعقارية: و" قوّة التفاوض" الذي أصدره وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في 2023 (ترجمة فاطمة محمدي سيجاني، الطبعة الثانية، دار هاشم للكتب والنشر، بيروت، 2026) ويُعبّر عن مبادئ الدبلوماسية الإيرانية الراسخة.
لكن التناقض بين طرفي الاتفاق ليس مجرّد اختلاف في الأسلوب، بل يمكن اعتباره" صداماً حضاريّاً" بين نموذجين للسلطة والمصلحة بينهما انعدام كامل للثقة المتبادلة، فالأميركي يرى الاتفاق" صفقة" يجب أن تُبرم بسرعة وتُعلن بزهو إعلامي، بينما يراها الإيراني" مهمّة" يجب أن تُدار ببطء وتُبنى عبر التراكم.
ويعكس هذا فلسفتين متعارضتين بالكلية، فالتاجر يريد أن تجمع الصفقة كلّ شيء في عقد، بينما صاحب البازار يُفضّل صفقة مُجزّأة كي يحافظ على بعض أوراق الضغط لاستخدامها في الجولات المقبلة.
يورد ترامب في" فن الصفقة" أنّ استخدام التأثير يتطلّب الخيال والبراعة لإقناع الطرف الآخر بأنّ من مصلحته إتمام الصفقة، وأنّه يستغل وسائل الإعلام دائماً لإثارة الاهتمام وتحقيق الأرباح، بينما أسوأ ما يمكن فعله في أيّ صفقة أن تظهر تلهفك لإتمامها.
ويقول: " أدخل في أي صفقة متوقعاً الأسوأ.
هناك أوقات يكون فيها الخيار الوحيد المواجهة، وموقفي طوال حياتي هو الردّ بقوة، وإلا فإن الموقف السيئ سيصبح أسوأ".
يريد التاجر أن تجمع الصفقة كلّ شيء في عقد، بينما صاحب البازار يُفضّل صفقة مُجزّأة كي يحافظ على بعض أوراق الضغط لاستخدامها في الجولات المقبلةويبرع ترامب في استخدام أسلوب" التناقض المُتعمّد"، فبينما تجرى المفاوضات، كان يكرّر عبر" تروث سوشال" تصريحات عدائية للغاية.
وليس في هذا ارتباكاً، بل استراتيجية، فهو بوصفه تاجراً مُحترفاً لا يتوقّف عن الضغط حتى اللحظة الأخيرة، حتى يُبقي الطرف الآخر في حالة عدم يقين دائمة، ما يُضعف موقفه، ويُرغمه على تقديم مزيد من التنازلات.
بينما يؤكد عباس عراقجي في كتابه" قوة التفاوض" أنّ التفاوض ليس مجرّد عملية تقنية لإدارة الخلافات، بل هو ممارسة سيادية تعكس القوّة الوطنية، وتترجم مكانة الدولة وفاعليتها على الساحة الدولية، ما يجعله" فناً استراتيجياً يتطلّب ذكاء ثقافياً، وصبراً استنزافياً، وقدرة على تحويل عناصر القوة إلى خطاب تفاوضي يحافظ على الكرامة والاستقلال".
وفي كلمة ألقاها في معرض الكتاب في طهران في مايو/ أيار 2025، قال عراقجي إنّ" المساومة تكتيك تفاوضي شائع بين الإيرانيين"، وبحسبه، يتقن الدبلوماسيون الإيرانيون لعبة" المفاوضات من أجل المفاوضات" وسيلة لإرهاق الطرف الآخر.
وبينما كانت المفاوضات جارية، كانت إيران تتحدّث عن إنتاج صواريخ باليستية بمديات أكبر، وعن خطط لبناء محطّات نووية جديدة.
وليس هذا تناقضاً، بل استراتيجية أيضاً، فطهران ترفض العرض الأوّل بقوّة كي تتحسّن شروط العرض الثاني.
ليس الاتفاق سوى هدنة تجارية عسكرية تفتح مضيق هرمز وتُوقف الحرب، مع تأجيل بقية القضايا الخلافيةكانت إدارة ترامب تفاوض طهران في مسقط بعقلية" التاجر"، وعندما قرّرت أن التفاوض لن يفضي إلى النتيجة التي تريدها، أو بالأحرى لن تفضي إليها سريعاً، تحوّلت من أسلوب الضغط الأقصى إلى أسلوب الهجوم الأقصى، فبعد أن هدّد ترامب إيران بـ" قصف لم يسبق له مثيل"، نفّذ تهديده حرفياً.
وكتب على" تروث سوشال" بعد مقتل المرشد علي خامنئى وقياداته: " لم يكن بمقدوره، أو القادة الآخرين الذين قُتلوا معه، فعل أي شيء"، وأضاف أن" القصف المكثف والدقيق سيستمر من دون انقطاع".
في هذه المرحلة، لم يعد التاجر ترامب يتفاوض على المكاسب، بل قرّر تحطيم الطرف الثاني مُعتقداً انهيار النظام الإيراني على وقع الضربات القوية، وأنّه سيتمكّن حينها من إعادة بناء أرضية التفاوض وفق ما يوافق أهواءه، وأهواء بنيامين نتنياهو بالطبع.
لكن هناك فارقاً جوهريّاً بين الصفقة في عالم المال والأعمال والصفقة في عالم السياسة، فالأولى تتعامل مع أرقام، والثانية تتعامل مع أرواح ومصائر.
لكن النظام الإيراني أظهر تماسكاً كبيراً، واستبدل القادة المقتولين بقادة آخرين سريعاً، ولم يتأخّر ردّه العسكري، فأطلق هجوماً صاروخياً واسعاً طاول مناطق عدّة داخل الأراضي الفلسطينية المُحتلة، وركّز غالباً على تل أبيب وحيفا، وهاجم القواعد الأميركية في دول الخليج العربي، مع مرافق نفطية وصناعية وخدمية مهمّة في تلك البلدان.
وقد جسّد هذا الردّ العسكري ما كتبه عراقجي في كتابه أنّ" المقاومة القصوى هي الردّ الطبيعي على الضغط الأقصى".
ليكون واضحاً للجميع أنّ الإيراني حين يُهاجم يُحوّل الصراع إلى معركة شاملة يكون فيها الجميع خاسرين.
مع استمرار الهجمات المتبادلة واستمرار إغلاق مضيق هرمز وفرض واشنطن حصاراً بحرياً على إيران، برزت باكستان وسيطاً جديداً، وفي 8 إبريل/ نيسان الماضي، نجح رئيس الوزراء شهباز شريف وقائد جيشه عاصم منير في إقناع الطرفين بهدنة مؤقّتة، ثم تحوّلت إسلام أباد إلى مقرّ للمفاوضات، مع مشاركة من قطر.
ولم يكن اختيار باكستان عبثياً، فهي دولة نووية مسلمة لها علاقات وثيقة مع واشنطن، وعلاقات تاريخية مع جارتها إيران، ما يجعلها وفق منطقي التاجر والبازار موثوقة، كونها تعرف الطرفين جيداً، ويمكنها أن تقدّم ضمانات لكليهما.
يعكس التحوّل الإسرائيلي من التهديد بالهجوم إلى عدم الاعتراض حقيقة أنّ إسرائيل، رغم مشاركتها في الهجوم على إيران، ليست من يُقرّر مصير المفاوضاتبحلول مايو/ أيار، اتفق الأميركيون والإيرانيون عبر الوسيط الباكستاني، وبمساعدة الوسيط القطري، على" مذكرة تفاهم" إطاراً أولياً لإنهاء الحرب، تشمل بنودها فتح مضيق هرمز، ووقف إطلاق النار على جميع الجبهات، بما فيها لبنان، ورفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية، والإفراج المشروط عن بعض الأصول الإيرانية المُجمّدة، مع تأجيل قضايا البرنامج النووي إلى مفاوضات لاحقة تجرى خلال 60 يوماً.
وتُظهر بنود مذكّرة التفاهم تحوّلاً دراماتيكياً في مواقف الطرفين، فترامب الذي كان يُصرّ على التفكيك الكامل للبرنامج النووي الإيراني، وعلى" صفر تخصيب"، بات يقبل بهدنة نووية مؤقّتة مقابل فتح المضيق ووقف الحرب، ما يمكن اعتباره تجارياً" دفعة أولى".
كما أنّ طهران التي كانت تُهدّد بفرض رسوم على العبور من المضيق، وتطالب بتعويضات عن الدمار الذي أحدثه الهجوم الأميركي الإسرائيلي، باتت تقبل برفع الحصار البحري وبعض الأموال المُجمّدة، ما يمكن اعتباره نهاية للحرب تحفظ ماء الوجه.
وتُبرم الصفقة بين الطرفين مباشرة، ومن دون ضمانات مُلزمة، ما يعني أنّ انهيارها وارد في أيّ لحظة، ربما عبر تدخّل من أطراف أخرى.
في 15 يونيو/ حزيران، قال بنيامين نتنياهو، في مؤتمر صحافي، إنّ" إسرائيل أنقذت نفسها من الدمار"، وإنّ الهجوم على إيران" أضعف قدراتها الدفاعية والنووية".
وقد تجنّب انتقاد الاتفاق الأميركي الإيراني مُكتفياً بالقول إنّه وترامب لا يتفقان دائماً، وإنّ قواته لن تغادر جنوب لبنان.
ويعكس التحوّل الإسرائيلي من التهديد بالهجوم إلى عدم الاعتراض حقيقة أنّ إسرائيل، رغم مشاركتها في الهجوم على إيران، ليست من يُقرّر مصير المفاوضات، وأنّ القرار بيد ترامب وحده، بينما نتنياهو مُجبرٌ على الرضوخ في حال إتمام الصفقة، ولو لا تُلبّي كلّ مطالبه.
قد يُطيح المرشد الجديد مجتبى خامنئي الاتفاق إذا شعر أنّه لا يحقّق مصالح الجمهورية الإسلاميةأمّا دول الخليج العربي، فهي بالأساس خاسر أكبر من استمرار الحرب، وقد أصابت الصواريخ الإيرانية مطاراتها وموانئها ومنشآتها النفطية، وخلّفت لديها أضراراً كبيرة، وهذا يجعلها مُضطرّة للاختيار بين مطرقة الصفقة التي ستُعيد إيران إلى سوق النفط العالمي منافساً لها وسندان استمرار الحرب الذي يعني المزيد من الخسائر.
والظاهر أنها قرّرت تجرّع الخيار الأوّل.
هناك إذاً اتفاق، لكنه ليس اتفاقاً شاملاً، بل يمكن وصفه بأنّه هدنة تجارية عسكرية تفتح مضيق هرمز وتُوقف الحرب، مع تأجيل بقية القضايا الخلافية، وهذا بحسب منطق التاجر الأميركي يعد" صفقة ذكية" يحصل عبرها على النفط والاستقرار معاً، من دون القبول ببرنامج نووي إيراني.
وبحسب منطق البازار الإيراني، فإنّه تجسيد لفكرة" التفاوض من أجل التفاوض" وسيلة لشراء الوقت، أو امتصاص الضغوط، أو الحصول على المعلومات، أو تأكيد المكانة والاعتبار الدولي، وهذا يتطلّب استقراراً نسبياً يوفّره الاتفاق.
ومع توقيع مذكرة التفاهم، نكون أمام أربعة سيناريوهات مستقبلية: يعتمد الأوّل، وهو استمرار الصفقة، على أنّ الاتفاق ليس مبنياً على الثقة، بل على التراجع المُتبادل.
يتراجع ترامب عن مواصلة الحرب لأنّه حقّق بعض أهدافه الخاصة بالقدرات النووية الإيرانية، وتتراجع إيران عن التخصيب لأنّها بحاجة ماسّة إلى الأموال المُجمّدة لإعادة بناء اقتصادها المُدمّر.
والسيناريو الثاني هو الفشل، فالتوقيع ليس نهاية المطاف، كون العوائق المُحتملة كثيرة.
فنتنياهو قد يُصعّد عسكرياً في لبنان ليُفشل الاتفاق، والكونغرس الأميركي قد يرفض أيّ اتفاق يسمح بالتخصيب، وفي إيران أيضاً، قد يُطيح المرشد الجديد مجتبى خامنئي الاتفاق إذا شعر أنّه لا يحقّق مصالح الجمهورية الإسلامية.
والاستنزاف هو السيناريو الثالث، فقد يستمر وضع لا سلم لا حرب، وتراوح المفاوضات مكانها، وعندها يحصل ترامب على صفقة تفاوضية يستخدمها سياسياً، وتحصل إيران على هدوء هش يجعلها تحتفظ ببرنامجيها النووي والباليستي، ويواصل نتنياهو التهديدات والوجود في جنوب لبنان ذريعة لبقائه في السلطة.
والسيناريو الرابع إبرام اتفاق موسّع خلال الـ60 يوماً، يُعيد رسم واقع المنطقة كلّها، لكن هذا السيناريو يواجه عقبات عدّة أيضاً، فدول الخليج لا تثق بطهران، ولا تريد الثقة بها، والإيرانيون يخشون أنّ دول الخليج تتحيّن الفرصة للمشاركة في حرب جديدة ضدّهم، بينما واشنطن ترغب في إبرام مزيد من الاتفاقات الإبراهيمية، ولا تريد أن تكون ضامنة لاتفاق إقليمي يشمل إيران، لأنها ستتحمل التبعات في حال فشله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك