لعل أهم ركن في مقال الكاتب السوري راتب شعبو" في الموقف الجذري من السلطة في سورية" في" العربي الجديد" (13/5/2026) عنوانه الذي مثل مفتاحاً لحل ما يفترض أن يكون لغزاً أو حالة مشهودة تحتاج إحاطة أو تسمية لتُعرف أكثر.
ربط بين صورة السلطة وآليات تمكينها المتبعة وبين سياستها للمجتمع والدولة إلى درجة المماهاة بين انتمائها الأيديولوجي وسلوكها.
لم يكن موقف سوريين كثيرين في غضون الثورة، وكذا موقف الأكثرية السنية، جذريّاً من نظام الأسد، تبعاً لمرجعيته، سواء كانت تلك المرجعية انتماءه الطائفي أو اتجاهه الحزبي أو العلماني، فقد كان الموقف سوريّاً أكثر منه سنياً، ووطنياً أكثر من كونه إسلامياً، مع حضور وازن للثقافة الإسلامية وللدين.
والشعوب عندما تثور فتقمع وتباد تستحضر غيبياتها وتاريخها ومثالها ومخيالها لتمثل قيم الصبر والتمرّد والدعاء من الله.
علينا البحث عن الجذرية، أصلها وجذرها، رغم تشابه المفردتين؛ ليُشتق من الأصل الأصولية ومن الجذر الجذرية، وكلاهما واحد، ما يعني أن الموقف الجذري أصولي بطبعه، فكيف ندين في ثقافاتنا الأصولية الدينية بموقف جذري بأصولية مقابلة.
وفي أحسن الأحوال، قد يكون الموقف الأصولي – الجذري من تنظيم جهادي لا يؤمن بالتعدّد مبرّراً؛ لكن المعضلة في بقاء هذا الموقف منه، رغم استلامه السلطة التي لا تعفيه ولا تعفي أحداً من قراءته.
وفي المقابل، تنمّ تلك القراءة عن رؤية تعاني قصوراً واضحاً في تجاوز قراءتها للتنظيم سلطةً؛ سعياً إلى الإبقاء على تبرير موقفنا الأصولي والجذري؛ وما يخلفه من موقف تكريس نمط القراءة هذا، ويزيد في حدّة تماسك الجذر المراد وتمكين تكريسه عبر توسيعه دائرة مؤيديه (يمثل أسّ المشكلة).
لا تفصل هذه القراءة بين السلطة ومنبتها، وبين السياق الذي لعب دوراً في تشكيله وتحولات سلوكه بصفته سلطة تمسك بزمام دولة تبغي نيل رضا دولي، فتنفصل عن قواعدها العامة خارج أطر التنظيم وخطابها باعتبارها سلطة، ويغيب التساؤل عما إذا كان ذاك السياق ثابتاً ويدعو إلى الثبات والتصلب، أم أنه خاضع لعوامل موضوعية، وهنا يتردّد السؤال: هل المشكلة في الجذر- الأصل الذي اتخذنا موقفاً جذريّاً منه أم من السياق الذي يدفع باتجاه موقف لا يرتبط بالجذر ولا أصوله؟ هنا تظهر أحقية ووجوب اتخاذ الموقف من الآخر تبعاً لسلوكه، لا لأصله العرقي أو الطائفي أو الأيديولوجي.
فالجذرية هنا تصبح موقفاً أصولياً عقدياً تقتضي تنميط الآخر وحبسه في تصوّر محدود لا يمكن الخروج عنه؛ للإبقاء على تلك الجذرية لدى حملة الموقف، لا في الموضوع نفسه.
الموقف الجذري أصولي بطبعه، فكيف ندين في ثقافاتنا الأصولية الدينية بموقف جذري بأصولية مقابلة؟كما نتساءل لماذا هذه الجذرية التعميمية والتنميطية الفوقية التي لا تلامس الواقع لم تظهر لدى معارضين يساريين، كجورج صبرا ونصر داود سعيد؟ وردودهما على منتقديهم لتأييد السلطة مرحليّاً بضرورة ضمان استقرار البلاد للخروج من عنق الزجاجة، ثم العودة إلى ممارسة النشاط السياسي بصفة معارضة يسارية، انطلاقاً من منظور أحزابٍ لا جماعات، وحشود، وطوائف دون الدولة.
وهل المشكلة في إسلامية السلطة التي لم تُعجب إسلاميين كثر؟ ولماذا عندما سئل الكاتب فايز سارة عن موقفه من السلطة على شاشة التلفزيون السوري، أجاب بأن ليس المهم مرجعيتها، وعلينا أن نقرأها سلطةً، علمانية كانت أو يسارية أو إسلامية، فسلوكها هو المحدّد للموقف منها، فهل يمكن لكاتبنا أن يطعن في جذرية موقف كل من هؤلاء من الاستبداد؟أما الأكثرية" العرب السنة" الذين يعيشون بذهنية وعمق الأمة (بتعبير ياسين الحافظ) وما طرحه راتب شعبو في احتمال تحوّلهم إلى طائفة، وفقاً لتعبيره، نقطة جديرة بالتأييد، والخوف كل الخوف من استمرار ما يجري بطريقة تنقل المجتمع السوري من تحشيد علويي الأسد إلى تحشيد سنّة أحمد الشرع، رغم التعويل الكبير على اتسام الأكثرية بالتعدّد الذي يضمن عدم انجرافها أو احتكار مجموعة منها الصورة الكلية لها، لكن السلطة تفعل فعلها وللشارع فعله، وللنخب ذات الموقف الجذري من الإسلام والإسلام السياسي، وليس الجهادي، دورها في تكريس هذا أيضاً.
الخوف كل الخوف من استمرار ما يجري بطريقة تنقل المجتمع السوري من تحشيد علويي الأسد إلى تحشيد سنّة أحمد الشرعتمثل الجذرية موقفاً تجاه آخر يتم إلباسه عطالة جوهرانية، تمثل بنيته وهويته، وفيما لو كان الموقف جذريّاً من الاستبداد لا من سلطة تبدو دينية فيما تعلنه، لوجب أن يعرف الموقف الجذري بإحالته إلى الاستبداد من دون إسقاط الاستبداد على مرجعيتها، وكلنا يعلم أن الاستبداد الذي عاشته سورية على يد الأسد لم يوافق كاتبنا على تسميته استبداداً طائفياً أو علمانيّاً، ونظام" البعث" بتلك القيادة كان ذا شعار علماني.
وتحت هذا المسمّى، مضافاً إليه القومية القافزة على الأصول الدينية التي كانت شعاراً يهدف إلى تفريغ الأكثرية من قوتها الحضارية، وفقاً للباحث ميشيل سورا في كتابه" سوريا المتوحشة".
وفتح باب الارتقاء في سلم المراتب والسيطرة على مفاصل الحكم تحت ذاك الشعار.
ولا يخفى على أحد أن الماركسية كانت أقوى مراكز الاستبداد الذي صدّرته إلى محيطها وفرض رؤيته بالقوة العسكرية في الحقبة الشيوعية السوفييتية على الدول التي تحرّرت من الاستعمار في أفغانستان والشيشان، وصولاً إلى كثير من دول أوروبا الشرقية، فهل يقبل كاتبنا بتسمية اليسار الماركسي برمته مرجعية للاستبداد؟ وبموقف جذري من اليسار والماركسية أو حتى الليبرالية في تطوّر أساسي لمرحلة الكولونيالية الجديدة تحت شعار الحداثة التي خضعت كذلك للاحتلال وتكريس هيمنة الغرب على ثقافات الشعوب والحضارات الأخرى؟ختاماً، يحضرنا موقف مفكَريْن مثّلا تياريْن متناقضين في فرنسا، حيث راهن سارتر على الماركسية والتغنّي بأمجادها، وكتب في صحيفة ليبراسيون (اليسارية) أن" الماركسية هي الأفق الفكري الذي لا يمكن للإنسانية أن تتجاوزه"، في حين مثل موقف ريمون آرون التيار المضاد، وكتب في صحيفة لوفيغارو اليمينية أن" الماركسية أفيون المثقفين".
مات الأول فسارت حشود في جنازته والآخر لم يشيعه أحد، ثم عادت الدراسات حديثاً لتكشف قوة ما قدّمه في دراسة المجتمع الصناعي والطبقات والاستبداد السياسي، وشاعت مقولة في فرنسا حينها" أن نخطئ مع سارتر أحسن من أن نصيب مع آرون"، فهل نحن كذلك الآن؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك