يفتتح الصحافي المصري عماد أنور روايته" الجوهري في الزاوية الحمرا" (دار العربي) بالمقولة الشهيرة للمدرب واللاعب الإسكتلندي بيل شانكلي: " يعتقد بعض الناس أن كرة القدم مسألة حياة أو موت، لكنني أؤكد لكم أنها أهم من ذلك بكثير".
فيؤكد كيف تتخطى هذه اللعبة المستطيل الأخضر إلى خلق هوية ووجدان جمعي للشعوب.
والنموذج الأبرز على الدول التي كونت كرة القدم هويتها الأرجنتين في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، إذ استقبلت ملايين المهاجرين من خلفيات وثقافات متنوعة، فواجهت الدولة تحدياً كبيراً في دمج هذه الحشود، فكان" المنتخب" هو الراية التي ذابت تحتها الفوارق وخلقت الهوية الوطنية الأرجنتينية.
ترصد الرواية الأثر العميق لكرة القدم في الشعب المصري داخل حي الزاوية الحمراء، أحد أشهر الأحياء الشعبية في القاهرة، مستعيدةً تفاصيل الاستعدادات المحمومة للحلم الأكبر الذي عاشه المصريون في أواخر ثمانينيات القرن الماضي: التأهل إلى نهائيات كأس العالم 1990.
وتتابع السردية أجواء المباراة الفاصلة مع الجزائر، وما سبقها من ترقب وتوقعات وأحاديث لا تنقطع في المقاهي والشوارع، وما صاحبها من إشاعات وتكهنات غذَّت خيال الجماهير وأشعلت حماستها.
وتلتقط الرواية الطقوس التي صاحبت الحدث من تنظيف أسطح المنازل وتجهيزها لاستقبال المشاهدين في تجمعات، التخفيضات التي أعلنها تجار الحي إن تأهل المنتخب في مشهد يبرز كيف تخطت كرة القدم المستطيل الأخضر وأصبحت مناسبة اجتماعية ووطنية جامعة.
تبرز الرواية المكانة التي حازها المدرب المصري محمود الجوهري، الذي تحول إلى أسطورة بعدما تولى قيادة المنتخب عام 1988 في مرحلة سادها الإحباط بعد اعتزال جيل من أبرز نجوم الكرة المصرية، وفي مقدمهم حسن شحاتة ومحمود الخطيب، إلا أنه نجح في إعادة بناء الفريق وتحقيق الإنجاز التاريخي بالتأهل إلى المونديال بعد غياب دام لعقود.
تواصل الرواية رصد أجواء الترقب التي عاشها المصريون مع قُرعة كأس العالم التي وضعت مصر في مجموعة وصفت بالصعبة، ضمَّت هولندا وإيرلندا وإنجلترا.
وإزاء المخاوف من خروج مذل أمام هذه القوى الكروية الكبرى، وافق المسؤولون على طلب الجوهري إلغاء الدوري المحلي وإقامة معسكر مغلق طويل للمنتخب لتأهيل اللاعبين للمواجهات المرتقبة.
كما تستعيد الرواية ما تناقلته الصحف آنذاك عن قسوة التدريبات التي فرضها الجوهري، من الجري لمسافات طويلة والصعود فوق الكثبان الرملية إلى عزل اللاعبين عن مظاهر الحياة اليومية، لصناعة فريق قادر على تمثيل مصر في أكبر محفل كروي عالمي.
يعتمد عماد أنور على الأرشيف مستنداً إلى ما نشرته الصحف المصرية آنذاك، وما تداولته الجماهير من إشاعات وأخبار حول المنتخب الوطني، ليعيد بناء المشهد الاجتماعي والإعلامي المصاحب لمونديال 1990.
ومن خلال هذا التوثيق يكشف الكاتب جوانب من الفوضى الإدارية التي أحاطت بكرة القدم المصرية في تلك المرحلة.
ومن أبرز الوقائع التي يستعيدها ما تعرضت له بعثة التلفزيون المصري في إيطاليا من أزمة حين فوجئ المعلقان محمود بكر وإبراهيم الجويني بعدم وجود أماكن مخصصة لهما لإذاعة المباريات بسبب عدم سداد الرسوم الخاصة بحجز الاستوديوهات.
ويورد الكاتب تصريحاً لمسؤول إيطالي أكد فيه أن التلفزيون المصري كان الجهة الوحيدة بين 69 بعثة مشاركة لم تسدد المستحقات المطلوبة.
كما تكشف الرواية عن جانب آخر من ثقافة" الفهلوة" التي حكمت إدارة اللعبة في مصر، حين أعلن الاتحاد المصري لكرة القدم عن مسابقة تتيح للجماهير فرصة السفر إلى إيطاليا لمؤازرة المنتخب، معتمداً على رسوم الاشتراك التي يدفعها المتقدمون.
غير أن عدد الراغبين في المشاركة جاء أقل بكثير من توقعات المسؤولين، فلم تحقق المبادرة العائد المالي الذي كانوا يعولون عليه، ما دفع الاتحاد إلى إلغائها بصورة مفاجئة.
وأثار القرار موجة واسعة من الغضب والاحتجاجات انتهت بإجبار الاتحاد على رد رسوم الاشتراك إلى المتقدمين.
وتوضح الرواية أن عزوف الجماهير لم يكن عن ضعف حماسة للمنتخب، لكن نتيجة لانعدام الثقة في القائمين على إدارة اللعبة، فلدى الجمهور قناعة بأن فرص السفر ستذهب في النهاية إلى أقرباء المسؤولين.
تذهب الرواية إلى استكشاف علاقة كرة القدم بالدين في حي الزاوية الحمراء، الذي ارتبط بواحدة من أشهر الفتن الطائفية في عهد الرئيس أنور السادات.
فبينما تبدأ الأحداث في صباح يوم مباراة مصر وهولندا في كأس العالم 1990، وما يرافقها من استعدادات وترقب داخل الحارة الشعبية، يعود السرد إلى صيف عام 1981 ليستحضر أحداث العنف التي شهدها الحي وما خلفته من ضحايا وخسائر مادية جسيمة.
يستعيد الكاتب تفاصيل الأزمة التي دفعت السادات إلى التدخل بخطاب أمام البرلمان لاحتواء تداعياتها، كاشفة أن جذور المشكلة تعود إلى نزاع حول قطعة أرض يملكها أحد المسيحيين في الحي، جرى تخصيصها بقرار إداري لمصلحة" المؤسسة المصرية للدواجن".
وتصاعدَ التوتر عندما تحولت الأرض لمسجد لعمال المصنع، الأمر الذي وفر مناخاً استغلته التيارات المتشددة من الطرفين لتأجيج المشاعر الطائفية وتوسيع دائرة الصراع.
لتسود حالة من الانفلات الأمني طاولت البشر والحجر.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)ويجعل عماد أنور من العلاقة بين الدين والكرة محوراً للصراع في الراوية بحيث تعمل الجماعات المتطرفة على استقطاب المراهقين لزرع أفكار متطرفة في أدمغتهم، وإقناعهم بحرمة كرة القدم، ويتجسد هذا الصراع من خلال شخصية" ريكا"، اللاعب الموهوب والابن الوحيد لأسرته، الذي تنجح الجماعات المتشددة في استمالته ويتحول من لاعب واعد إلى أسير خطاب متشدد.
هذا الموقف يحول وعي الأسرة.
فالأب والأم اللذان كانا ينظران في البداية إلى ولع ابنهما بكرة القدم باعتباره انشغالاً قد يؤثر في مستقبله الدراسي، يقتنعان أن هذا الشغف يمثل درعاً يحميه من الوقوع في براثن التطرف.
فيحثانه على اللعب؛ " كانت موافقة الأب أمراً طبيعياً لرجل اقتنع تماماً بأن الكرة هي القادرة على تحصين ابنه من الضياع وعدم انزلاقه إلى طريق التطرف لكن الموافقة جاءت مشروطة بألا تشغل الكرة ابنه عن دراسته".
ولا تغفل الرواية استثمار السياسة لكرة القدم أداة لاحتواء الرأي العام وتوجيه اهتماماته.
ففي ظل انشغال الجماهير بمتابعة أخبار المنتخب وقائمته النهائية، أعلنت الحكومة عن زيادات في الأسعار؛ بحجة الحاجة إلى استخدامها في إصلاح الاقتصاد.
ويجد نائب البرلمان عن منطقة الزاوية الحمراء حلاً في كرة القدم بعد تدني شعبيته، فيقيم مباراة ودية ويوزع فيها الجوائز ليضمن أصوات الناخبين التي يخشى فقدانها.
ينتصر السارد للمناطق الشعبية باعتبارها المفرخة الأولى للاعبين أصحاب المهارة والقدرة على التحمل، فيقول عن أسباب اختيار الجوهري لقائمة بعينها لخوض مباريات كأس العالم: " ربما كان هؤلاء اللاعبون الذين نالوا ثقة المدرب قد عاشوا قبل سنوات من هذه اللحظة حلم اللعب مع منتخب مصر، بخلاف الموهبة فقد منحتهم مباريات الشوارع خبرات كثيرة تعلموا بفضلها التعامل مع أصناف مختلفة من المنافسين: الغبي والمتهور والمؤذي والخبيث والمهاري.
أن يقال عنك لاعب شوارع خير من أن يقال لاعب مؤدب، الوصفان ليسا مقياساً للأخلاق، لكنهما مقياس لإمكانات اللاعب وحضوره وحسن تصرفه داخل الملعب".
أما على المستوى الفني، فتعاني الرواية من بعض الإشكالات المرتبطة بالبناء السردي، تبدأ بالتركيز على محمود الجوهري وحلم التأهل إلى كأس العالم 1990، ثم سرعان ما تتشعب في مسارات متعددة تتداعى وفق الذاكرة أكثر مما تخضع لمنطق الحبكة الروائية.
فتتنقل بين شخصيات وحكايات متفرقة، وتعود بالأحداث إلى الماضي ثم تقفز إلى الحاضر، من دون روابط فنية تصل بين هذه الخطوط السردية المختلفة.
فهاجس استعادة الذاكرة الشعبية كان أقوى من الحرص على البناء الدرامي، بخاصة مع اهتمام المؤلف بتسجيل تفاصيل الحياة المرتبطة بكرة القدم في الأحياء الشعبية، الأمر الذي جعل الرواية في كثير من أجزائها تقترب من الحكي الشفهي الساعي إلى الإمتاع عبر سرد النوادر والوقائع المثيرة.
كذلك عانى بناء بعض الشخصيات من الارتباك فتظهر الشخصيات بصورة مفاجئة ثم تختفي من دون أسس فنية منضبطة.
ومع ذلك تظل أهمية الرواية في أنها رسمت صورة واقعية لمدى تعلق الشعب المصري بكرة القدم، كذلك رصدت تفاصيل الحياة اليومية المرتبطة بهذه اللعبة في أحياء القاهرة في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.
حفظت جانباً من ثقافة ملاعب الحواري وأبطالها المجهولين وقواعدها العجيبة، عوالم شهدت تحولات كبيرة في الآونة الأخيرة؛ ما يعطي الرواية بعداً حنينياً لمن عاصر هذا الزمن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك